حين غادرتْ زينة حموي بلدها سوريا لتستقر بشكل نهائي خارجها ظن كثيرون حولها أنها ستنسى ما مرت به هي وغيرها من وقائع صعبة وقاسية عانى منها جيلها، جيل الحرب، لكنها لم تستطع أن تتخلص من مرارة الأيام القديمة، وظل ثمة ما يخز قلبها ويؤلمها، حتى قررت أن تكتب قصصاً تفهم من خلالها هول ما جرى وتأثيراته على أهل سوريا.
**media[3261766]**
أجرت زينة جلسات مع أطباء واختصاصين نفسيين ومقدِّمي رعاية عملوا مع ضحايا الحرب في كل مكان، واستمعت إلى عشرات القصص من الضحايا أنفسهم أو ذويهم أو معارفهم حتى كوَّنت صورة شاملة ثم بدأت كتابة مجموعتها أو بالأدق كتابها القصصي "قبل النجاة بقليل"، لتعيد استبطان مشاعر الناجين بفن وصدق.
زينة حموي الكاتبة والإعلامية تتحدث عن تجربتها مع هذه المجموعة وكذلك المجموعة السابقة "محاولة متأخرة للبكاء" وأسباب تفضيلها لفن القصة بشكل عام في هذا الحوار.
أبدأُ معكِ من القصة الأخيرة "الشركة الوطنية للانتحار" حيث شعب كامل ينقرض انتحاراً، هل هذه القصة تمثل نتيجةً لكل الفظاعات التي تعرض لها الأبطال سواء داخل سوريا أو في المنافي؟
قد لا تكون نتيجة مباشرة، فالانتحار هنا لا يعني الموت بل يرمز بطريقة مكثّفة إلى انسداد الأفق وانعدام الحلول. الظلم والعنف والفساد أصبحت طريقة مؤسساتية في الحكم، فتراكمت المآسي والفواجع وتحوّل الألم إلى نمط عَيش. شعبٌ كامل لم يفقد رغبته في الحياة فحسب، بل فقد قدرته على تخيّل المستقبل وعلى اجتراح أمل في النجاة. فالانتحار في هذه القصّة ليس خيارًا فرديًا ولا جماعيًا، إنما مآل أفضت إليه سنوات طويلة يائسة من القهر والعذاب.
عنوان المجموعة مأخوذ غالباً من قصة "تشافي"، إذ تحكي بطلتها عفراء وقائع التحرش بها في مخيم للائجين على يد شخصين يوزعان الإعانات. تقول: "بحسب المسؤولين في المركز لم أنجُ بعد. أقف على عتبة النجاة أو قبلها بقليل".. هل ترين أن كل الأبطال الباقين يقفون على نفس العتبة؟
لا، منهم مَن وعى جرحه النفسي واختار أن ينجو وبدأ فعلًا بسلوك صراط النجاة بوسائل مختلفة، ومنهم مَن ما زال غافلًا عن مُصابه، أو يعيش في حالة إنكار أو تعالٍ أو جهل، ومنهم من سقط في هاوية اليأس والانسحاب من الحياة. حتى أولئك الذين أمسكوا بطرف حبل النجاة لا يقفون جميعًا على مسافة واحدة من التشافي. خاصّة أن التشافي الكامل، برأيي، حالة لا يمكن بلوغها أو تحقيقها. إنما هي طريق طويلة لا نهاية لها، نتقدّم فيها بقدر ما نقترب من جراحنا ونفهمها ونرتضي بها ونعمل على تطهيرها وبلسمتها وتجاوزها.
المجموعة تمثل متتاليةً، فكل قصصها مربوطة بخيط واحد قوي، هل قررتِ فكرتها قبل الشروع في كتابتها؟ وماذا يضفي الكتاب القصصي على نصوصه؟
نعم، الفكرة الجامعة كانت واضحة قبل البدء بالكتابة، وهي كتاب قصصي عن ضحايا الحرب اللامرئيين أو ضحايا الحرب النفسيين الذين "نجوا" ظاهريًا لكنهم على المستوى النفسي والروحي والأخلاقي مُصابون ومجروحون. خرجت هذه الفكرة من منطقة شديدة الذاتية عندما وجدتُ نفسي أتلقّى التهاني على خروجي "سالمة" من الحرب ووصولي إلى إحدى بلاد الاغتراب، مع توقّعات عالية من المحيط القريب والبعيد بأن أستأنف حياتي وأبدأ فصلًا جديدًا بكل قوّة وعزم وطاقة. لكنني فشلتُ في الاستمرار وألفيتُ نفسي مسلوبة الإرادة وغارقة في مستنقع من الكآبة والهشاشة مع فقدانٍ للدوافع وانعدامٍ للتلذذ بأي شيء. بدأتُ البحث عن الأسباب التي رمتْ بي في هذه الهوّة وأعاقتني عن المضيّ حتى بعد أن صرت على بعد آلاف الكيلومترات في مكان آمن ويصلح نظريًا لبدايات حرّة وجديدة. كانت رحلة البحث طويلة وشاقّة وكاشفة، قادتني إلى داخلي وعادت بي إلى الماضي. وبنظرة ماسحة سريعة إلى مَن هم حولي، في الداخل السوري وخارجه، وجدتُ أنها حالة شبه عامّة: الناس ناجون لكنهم مُعاقون ومُثقلون بجراح وندوب شفّافة، تنزُّ حزنًا وحسرةً وضعفًا وعَجزًا. فقررتُ أن أكتبَ عنّا، عن هؤلاء الذين لن تَرِدَ أسماؤهم في أخبار الحرب لا كضحايا ولا كأبطال.
أعتقد أن الكتاب القصصي ذا الموضوعة الواحدة يتيحُ لنا مُعاينة الفكرة من زوايا مختلفة. يؤمّن فضاءً عامًّا يتطابق فيه الإطار الزماني والمكاني بدرجة أو بأخرى، ويسمح بتعدّد القصص والحكايات والأصوات القادمة من التجربة ذاتها دون الحاجة إلى ربطها في رواية كبرى واحدة.
هناك أكثر من قصة لها علاقة بأمراض الأبطال النفسية وأدويتها.. لماذا باعدتِ بينها في المجموعة؟
لأن المرض النفسي أو الاضطراب النفسي هو الجائحة المُعدية التي أصابت كلّ أبطال المجموعة بعد الحرب بوصفهم ناجين مقنّعين، مع التأكيد على تباين نوع هذه الحالات النفسية وشدّتها. فمنها ما هو طَورٌ نفسيّ عابر يمكن تجاوزه بقليل من الوعي والجهد، ومنها ما هو اضطراب أو مرض تتداخل مسبّباته العضوية والنفسية مع عامل الحرب الذي استفزّها فأصبح علاجها أكثر تطلّبًا وتعقيدًا.
بعض قصص المجموعة تطرّق إلى الشقّ الدوائي، وبعضها الآخر اكتفى بوصف المؤشّرات والأعراض. لم أشأ أن أستعرض الحالات كما لو أنها ملفّات طبّية، ما يهمّني منها هو المشاعر والمعاناة والخضّات الروحية والفكرية والوجدانية.
في قصة "بيت يسكن في رجل" لدى البيت القدرة على الكلام كأنه إنسان يحزن ويتألم.. وفي "قصَّاب البيع" رجل يشتري الهموم الكبرى مقابل هموم أصغر، وفي "محبس الابتسامات" تشتري البطلة ابتسامة من المتجر.. ماذا أضفى الخيال على مجموعة غارقة في وحل الواقع؟
يأتي الخيال أحيانًا كخيار فنّي إما التماسًا للتشويق، أو سعيًا خلف المتعة، أو كسرًا لنسق سردي ما، أو رغبةً من الكاتب في أن يمتحن كتابته وأفكاره في قوالب مغايرة. وأعتقدُ أنني في هذا الكتاب القصصي لجأتُ أحيانًا إلى الخيال عندما استعصى الواقع على الشرح المباشر لفجاجته وقسوته.
الانزياحات التي يحققها الخيال، بما يحمله من مبالغة أو طرافة أو غرابة، تسمح للكاتب بأن يقول ما يريد من دون أن يتحوّل نصّه إلى تقرير أو خبر صحفي.
"قصَّاب البيع" تمنح شعوراً كذلك بأننا إزاء مجموعة فانتازية.. لماذا اخترتها كمفتتح؟
لأن البطولة في هذه قصّة جماعيّة، ولأنّ موضوعها يمهّد لما أردتُ قوله في المجموعة بأن الحرب لم تستثنِ أحدًا، اجتاحت بجبروتها وشراستها حيوات كل من عاصرَها وأجبرته على تبديل أولوياته وأحلامه وقلبت مفاهيمه وقيمه. الحرب قايضت الناس على آلامهم وهمومهم وجعلت من المعاناة سلعة ودفعتنا إلى التطبيع مع المأساة. أردتُ من هذه القصة أن أحذّر القارئ بأنه على وشك الدخول إلى عالم مختلّ وأرعن لا مكان فيه للمنطق أو العدالة أو الإنسانية، حتى المقاربة الواقعية له قد تبدو أحيانًا فانتازيّة لفرطِ جنونه وضراوته.
لجأتِ إلى المفارقة في نهاية بعض القصص، ففي قصة "جميلة وهناء" مثلاً نفاجأ بظهور زوج جميلة (والد هناء) إلى المخيم.. ماذا تمنح المفارقة قصتها؟
غالبًا ما تكون المفارقة حيلة فنيّة يلجأ إليها الكاتب ليباغتَ القارئ أو ليهرب من نهاية تقليدية أو متوقّعة، أو ليكشفَ قوّة عنصرٍ ما كان على امتداد النصّ يبدو خافتًا أو هامشيًّا. ولكن في هذه القصّة بالذات لم تكن المفارقة خيارًا أو حيلة فنيّة، بل إشارة ضمنية إلى متتالية الصدمات السورية حيث يمكن أن ينقلب كلّ شيء في لحظة، فيصبحُ المُعافى مريضًا والرشيد تائهًا والحليفُ عدوًّا والآمن خَطَرًا.
كثافة المشاعر حول موضوع واحد (حالة الشخصية السورية وأحزانها وانكساراتها).. هل استنزفك نفسياً؟
جدًّا، خاصة أنني انطلقتُ من نقطة شديدة الذاتية، الأمر الذي أجبرني على نكء جراحي الشخصية مرّات ومرّات لأفهمها وأقبلها، ثم قادني إلى معاينة جراح الآخرين والاستماع إلى مآسيهم بما فيها من أنين وصراخ وألم، مع كل ما تتطلّبه المعاينة من الكاتب من إعمال للحواس والذهن لكي يتقمّص الشخصيّات أو يتمثّلها ويلبس ثوبها ويعيش مشاعرها. كلّ ذلك شكّل حِملًا نفسيًا رهيبًا أثناء الكتابة وبعدها، إلى درجة أنني في بعض اللحظات كنتُ أشعر بالمسؤولية تجاه الضحايا وبواجب العمل على تخليصهم ونجدتهم وعدم الاكتفاء بالكتابة عنهم ومحاولة إيصال أصواتهم.
الحنين شيء طبيعي في قصص مكتوبة بلغة مستمدة من قاموس الفقد والألم.. هل كان لديك تخوف أن تغرق القصص في النوستالجيا؟
نعم، خاصّةً أن معظم نصوص الكتاب أنجزتها في المهجر، ومن السهل جدًّا أن تنزلق كتابة المهجر إلى نوستالجيا مبتذلة أو مغفّلة. ولكنني أزعمُ أنني جعلتُ من الحنين في قصصي أداةً للمراجعة والتفكّر وليس للتفجّع والتحسّر وأَمثَلة الماضي. حاولتُ أن أستخدم الحنين لأمارس نوعًا من المساءلة في موضوعات الهويّة والتاريخ والبنية النفسية والمجتمعية لشخصياتي. وهي من المفاهيم الأساسية أو الهواجس الشائعة التي تهاجم المرء عقب معايشته لحدث جلل ذي آثار طويلة كالحرب أو الهجرة أو النزوح.
هل احتاجت منك كتابة القصص تحضيراً من نوعٍ ما؟
نعم. لقد أجريتُ عدّة جلسات استشارية مع أطباء واختصاصين نفسيين ومقدّمي رعاية ممّن عملوا مع ضحايا الحرب في العيادات والمراكز المختصّة والمخيّمات ودول اللجوء. كما استمعتُ إلى عشرات القصص ذات الصلة إمّا من أبطالها وضحاياها بشكل مباشر أو من وسطاء عاشوا معهم أو احتكّوا بهم. كما كثّفتُ قراءاتي في مجال علم النفس واضطراب ما بعد الصدمة وأدب الحروب. فضلًا عن التحضير الروحي والسلوكي لأتمكّن من تحسّس الجراح غير المرئية وألتقطَ مواضع الالتهاب المخفيّة والنزوفات الداخلية العميقة، ثم التعامل مع أصحابها بحذر شديد كي لا أنقلَ إليهم عن غير قصد أي شعور بالشفقة أو الغطرسة، ولكي أسمح لهم في الوقت نفسه بسرد حكاياتهم وآلامهم بطريقةٍ آمنة وسليمة لا تتسبب لهم في أي نوع من الانتكاسات النفسيّة.
ما الفارق في تقديرك بين مجموعتك السابقة "محاولة متأخرة للبكاء" وهذه المجموعة؟
"محاولة متأخرة للبكاء" كانت مُباشرة وطازجة أكثر. فيها تلك السذاجة الحميدة التي تطبع عادة العمل الأول. كتبتُ جُلَّ قصصها على وقع الأحداث بين عامَي 2014 و2019. لذا، جاء بعضها كصرخة استنجاد أو زفرة ألم، وبعضها الآخر كتسجيل لموقف أو اعتراض أو توثيق لحدثٍ متزامن أو معركة. لم أنشغل كثيرًا بالبناء والقوالب الفنيّة للقصص لأنني كنتُ ألهثُ خلفَ تدوين ما نعيشه ونشعر به كسوريين وكأن العالم سينتهي في اليوم التالي.
أما مجموعة "قبل النجاة بقليل" فكانت أقرب إلى مشروع ولد من وَهْم تحوّل إلى شعور، ثم إلى فكرة فحلم فمشروع، ثم إلى عمل وبحث وساعات طويلة من الكتابة. هذا التخطيط سمح للنصوص بأن تكون أنضج وأعمق، وأتاح لي تجربة أشكال فنيّة وأساليب سرديّة أكثر. وأحببتُ أن أختبر تقنياتي وكتابتي في مناطق لم أرتدْها سابقًا لأثبتَ، لنفسي أوّلًا، أنني أستحق لقب "كاتبة". فالكاتب، حتى بعد العمل الأول، يبقى دائم الشكّ في استحقاقه للاعتراف والتكريس. ويصبح أكثر تطلّبًا من نفسه مع كلّ خطوة يخطوها في دروب الفنّ والكتابة.
ما جيلك في سوريا ومن الكتَّاب العرب الذين تفضِّلين القراءة لهم؟
أدبيًّا، جيلي في سوريا هو الجيل الذي نضجتْ كتابته وأصبحت قابلة للنشر في فترة الحرب. لذا جاءتْ نصوصنا وأعمالنا بمجملها متمحورة حول هذه الموضوعة وتبعاتها إلى درجة لا يمكن الفكاك منها. وإذا حاولنا إنتاج نصوص مُتَنصّلة من الحرب وآثارها النفسية والاجتماعية والاقتصادية نجدُ أنفسنا منفصلين عن واقعنا وأهلنا وناسنا وذواتنا. إذ لا يمكن لأي فنان أو مثقف أن يتجاهل في عمله، كما في حياته ويوميّاته، أحداثًا جسيمة وفادحة وخطيرة كتلك التي عاشتها سوريا في الخمس عشرة سنة الأخيرة.
من ناحية أخرى، أعتقد أن هذا الجيل كان محظوظًا، إذا أمكنَ القول. لأنه عرفَ سوريا قبل الحرب، مع التأكيد على اعتراضاتنا الكثيرة ورفضنا للنظام السياسي القائم وقتها. لكننا استطعنا أن نشكّل ذكريات جميلة مع وطننا، أن نهنأ بأيام سلام مع عائلاتنا الكبيرة، أن نمرّ على جلّ جغرافية بلادنا ونقع في حبّ الأماكن ونعقد الصداقات ونسافر بين المحافظات بلا خوف. شهدنا الحراك الثقافي في المدن الكبرى كدمشق وحلب وانخرطنا به بين عامَي 2008 و2010. صنعنا ذاكرة جماعية غنيّة كانت تضمّ أبناء البلد الواحد وتشدّهم إلى انتمائهم الواضح والنقي.
أما الجيل الذي تفتّح وعيه في الحرب أجده مثيرًا للحزن والأسف؛ لا ذكريات حلوة تربطه ببلده، ولا مؤونة روحية ووجدانية يستعين بها على حالك الأيام. حتى أننا لا نجد روابط متينة فيما بينهم أو قواسم مشتركة يستجيرون بها ليوحّدوا تطّلعاتهم وأحلامهم. لكلّ منهم صورة خاصّة، وأحيانًا شاذّة عن الوطن، وبالتالي تصوّرات متناقضة عمّا يمكن فعله لننجو بأنفسنا وبلادنا.
بالنسبة إلى الكتّاب المفضّلين، فأنا عادةً أفضّل أعمالًا لا كتّاب. ولكن أدين لمجموعة من الكتّاب العرب الذين أعتبر أعمالهم دروسًا في الكتابة، وسأحصر الأمثلة في الأسماء المعاصرة لئلا أعود إلى الماضي كثيرًا، وأذكر هنا مثلًا: رضوى عاشور وفواز حداد في الرواية، عبد السلام العجيلي وزكريا تامر في القصّة.
ماذا أضاف إليك العمل الإعلامي كأديبة؟
العمل الإعلامي علّمني كيف أصطاد القصّة وألتقطَ اللحظة، كيف أقبضُ على التفاصيل المهملة في الخبر لأفهمه وأحلله وأضعه في سياقه. وكيف ألتفتُ إلى الهوامش من دون إهمال المتون.
وعلى صعيد البناء اللغوي والفنّي، درّبني الإعلام على اصطفاء مفرداتي بدقّة، واختزال لغتي إلى حدود ما يحتاجه النصّ، فلا إسهاب ولا استعراض ولا انجرار مجّاني خلف فتنة اللغة. كما علّمني الالتزام بالأسئلة والقضايا التي تشغلني وتهمّني، مع حرص دائم على وحدة وتماسك النصّ من أكبر فكرة فيه إلى أصغر تشبيه أو استعارة.
لكنّني، بصراحة شديدة، كلّما انهمكتُ بإنجاز مادّة صحفية أضبطُ في نفسي شوقًا للمساحة الحرّة التي يمنحني إياها الأدب.
أخيراً.. ماذا تعني انطلاقتك ككاتبة قصة وهل تخططين لكتابة الرواية؟
سأسجل تحفّظًا صغيرًا على هذا السؤال قبل أن أجيب، لأنه يؤكد اعتقاداً شاع لدى القرّاء والنقّاد ودور النشر بأن الرواية أعلى شأنًا من القصة أو مرحلة متقدّمة عنها. وكأن القصة ليست سوى تدريبات للإحماء يمارسها الكاتب قبل أن يلج المعلب الأهم في الرواية.
بالنسبة لي، القصة جاءت استجابة لنَفَسي في الكتابة، لجُمَلي القصيرة نسبيًا والمنضبطة تمامًا. وجدتُ فيها ما يشبه هذا العالم المتقلّب والمتشظّي ، ووسيلة تسمح لي بتسجيل اعتراضاتي الكثيرة عليه وأسئلتي الساخطة وغضبي. حتى بتّ أشعر أن القصة هي طريقتي في التفاعل مع هذا الكون. أستمدّ من ممارستها الشاقّة الأسباب والتفسيرات التي قد تجعل لوجودي معنى. لا أفكر حاليًا في الرواية، فأنا لا أراها هدفًا بل حاجة ستفرضُ نفسها حين تستدعي الفكرة. وحينها لن أمنعَ نفسي عنها بل سأكتبها بحُبّ وبنَفَس أطول وبما يلائم خصائصها وأصولها.