**media[3261513]**


عندما يتحول الشغف إلى استنزاف، يُصبح الاحتراق الوظيفي واقعا لا مفر منه، هذا ما كان يشعر به سامي، موظف بإحدى المؤسسات المرموقة. منذ سنوات كان يُؤدي عمله بشغف وطموح، لكن هذه الحماسة بدأت تتآكل أمام ضغوط العمل المتزايدة، توالت على عاتقه مهام عديدة تفوق قدرته، وكان يشعر بأنه وُضع في دائرة الاستغلال، وأصبح في سباق مع الزمن. وجد نفسه غارقا في زحمة التوقعات المتزايدة من إدارة لا تُظهر أي تقدير لجهوده، تحوّل المكتب إلى ساحة معركة يومية بينه وبين الضغط النفسي الذي يزداد تغلبا عليه، لا يستطيع التحدث عن معاناته، استسلم تدريجيا مما أثر على حياته الشخصية، كان يسير في دوامة من العمل المتواصل، منفصلا عن العالم الخارجي.
وفي هذا التحقيق الصحفي، توصل مختصون إلى أنه لتفادي الضغط النفسي يتعين على المؤسسات تبنّي سياسات داعمة للصحة النفسية، أبرزها توزيع المهام بشكل عادل، وتعزيز ثقافة التوازن بين العمل والحياة، وتشجيع الحوار المفتوح، بالإضافة إلى تبنّي استراتيجيات متعددة للتعامل مع الضغط النفسي، وتحديد مسببات الضغط، كما ينبغي تخطيط الفترات المزدحمة مسبقا لتجنب الفوضى وتخفيف الضغوطات، كما أن الحديث مع الزملاء أو الرؤساء يمكن أن يسهم في تخفيف الضغوط عبر إيجاد حلول مشتركة.
الأسباب والعوامل
تقول الدكتورة سميرة بنت عبدالله الرواحية متخصصة في العوامل التحفيزية والرضا الوظيفي: إن بيئات العمل المختلفة لا تخلو من الضغوطات التي قد تتفاقم وتؤدي إلى "الاحتراق الوظيفي"، الذي يعرف بأنه حالة من الإجهاد الجسدي والنفسي الناتج من ضغوطات العمل المستمرة، مما يؤثر سلبا على إنتاجية الموظف.
وتضيف: "لو تحدثنا عن الأسباب الرئيسية والعوامل المساهمة في حدوث الاحتراق الوظيفي، فأغلبها من أعباء العمل الثقيلة، والأعمال الورقية التي لا تدخل ضمن الوصف الوظيفي للموظف، وساعات العمل الطويلة، إضافة إلى عدم التقدير الكافي، ومحدودية التطور الوظيفي، والسلطة في اتخاذ القرار، بالإضافة إلى اختلال التوازن بين العمل والحياة، فقد تمتد أعباء العمل الثقيلة وضغوط العمل إلى الحياة الاجتماعية الخاصة، مما يُعيق التوازن، فينتهي بالاستنزاف ومن ثم الاحتراق الوظيفي، والعزلة والانفصال عن الزملاء يزيد من خطر الاحتراق الوظيفي، مما يؤدي إلى زيادة التغيب عن العمل وخطر الضغوطات النفسية".
وبينت الدكتورة سميرة أن ثقافة المؤسسة تؤدي دورا محوريا سواء في تفشي الاحتراق الوظيفي أو الحد منه، ويتجلى ذلك في عدة جوانب، منها عندما تُجبر المؤسسات الموظفين على العمل لساعات طويلة دون اعتبار للراحة، فإنها تشجع ضمنيا على الاحتراق الوظيفي، إضافة إلى تجاهل الصحة النفسية، فبعض المؤسسات تنظر إلى المشكلات النفسية على أنها ضعف شخصي، مما يدفع الموظفين إلى كتمان معاناتهم حتى تتفاقم، بالإضافة إلى غياب المرونة الوظيفية، كعدم توفير خيارات مثل العمل المرن أو الإجازات الداعمة للصحة النفسية، يزيد من الضغط النفسي، كما أن تجاهل إنجازات الموظف قد يقلل من الدافعية ويعزز الشعور بعدم الثقة وضعف الاعتزاز بالوظيفة.
وأضافت الرواحية: "يشكل تزايد الإجازات المرضية الناتجة عن الضغط النفسي والاحتراق الوظيفي عبئا اقتصاديا متناميا على مؤسسات العمل، ويتجلى ذلك في عدة جوانب، ارتفاع كلفة الأجور المدفوعة دون مقابل إنتاجي، فتتحمل المؤسسات رواتب الموظفين خلال الإجازات المرضية، ما يؤدي إلى زيادة النفقات التشغيلية دون تحقيق إنتاج فعلي، إلى جانب انخفاض الكفاءة التشغيلية، فغياب الموظفين، خاصة أصحاب الخبرة، يسبب خللا في سير العمل ويؤدي إلى تأخير إنجاز المشاريع والخدمات، كما قد تضطر بعض المؤسسات إلى إعادة توزيع المهام أو الاستعانة بموظفين مؤقتين، مما يرفع كلفة التشغيل ويؤثر على جودة الأداء، والضغط النفسي غير المعالج قد يدفع الموظفين إلى الاستقالة، وبالتالي يترتب عليه تكاليف إضافية للتوظيف والتدريب".
الفئات الأكثر عرضة
من جهتها قالت الدكتورة ذكرى بنت علي الحضرمية طبيبة مقيمة في تخصص الطب النفسي: إن الضغط النفسي هو حالة من القلق أو التوتر العام، وهو شعور شائع لدى العديد من الأشخاص، ويعد ظاهرة صحية ودافعا للعمل في حالة التعامل معه بطريقة صحية، وقد يكون مضِرا أيضا ويحمل نتائج عكسية اعتمادا على طريقة استجابة الأشخاص لهذه الضغوط، وتأتي علامات الضغط النفسي على شكل طيف من الأعراض وتتنوع، قد تكون على هيئة صداع أو شعور بالإجهاد الدائم أو مشاكل في المعدة أو صعوبة في النوم، انتهاء إلى أمراض نفسية مثل القلق والاكتئاب. مشيرة إلى اختلاف العوامل المؤثرة باختلاف الأشخاص وقدرتهم على التكيف، ومنها انعدام قدرة الموظف على التحكم في كم المهام الوظيفية الموكلة إليه، كما أن التوصيف الوظيفي المبهم قد يكون سببا، أضف إلى ذلك التنمر في بيئات العمل، والعلاقات المتوترة مع زملاء العمل، وانعدام الشعور بالدعم سواء من الزملاء أو من الرؤساء.
وأكدت الحضرمية أن مكان العمل نفسه، مثل الثقافة أو الإدارة، يؤثر على مستوى الضغط النفسي، فالإدارة الداعمة وثقافة بيئة العمل تعد من العوامل المهمة في تجنب الاحتراق الوظيفي، الذي يعود بنتائج إيجابية على المؤسسات مثل زيادة الدخل وتقليل التغيب. وسأذكر بعض النقاط التي قد تمكن الجهات الإدارية من مساندة الموظفين، مشيرة إلى تعريف منظمة الصحة العالمية الاحتراق الوظيفي على أنه ظاهرة وظيفية ومتلازمة بها العديد من الأعراض، تظهر نتيجة للتعرض المزمن للضغوط في بيئة العمل وعدم التعامل معها بصورة فعالة، ويتميز بثلاثة جوانب مهمة هي الإجهاد النفسي، والمشاعر السلبية اتجاه العمل، والشعور بقلة الإنجاز والتحقق.
ولفتت إلى بعض الفئات الأكثر عرضة للاحتراق الوظيفي، وهم الأشخاص ذوو النزعة للمثالية وسرعة الانفعال؛ حيث إن السعي للمثالية والكمال يخلق توقعات غير منطقية وغير واقعية من الأشخاص، وفي حال عدم تحققها قد يصابون بالإحباط، كما أن القلق والانفعال على صغائر الأمور في العمل يعد مجهدا للنفس مع مرور الوقت.
واختتمت حديثها بأن إحدى التقنيات المطروحة والفعالة هي استراتيجية Job Demands-Resources (JD-R)، تقوم على عمل دراسة موضوعية وموثقة لساعات عمل الفرد والمهام المتوقعة منه، على سبيل المثال أن يحدد الشخص حجم المهام الموكلة إليه ومدى تعقيدها، والتعرف على المهام الخفية التي قد تسقط سهوا مثل الاجتماعات والتعامل مع الأجهزة والبرامج المعقدة لإنجاز بعض الأعمال التي تستهلك وقتا، وتحديد ما إذا كانت ساعات العمل تتناسب مع التوقعات أم أنها غير متوازنة وغير قابلة للتطبيق، كما أن الاشتراك في صناعة القرار حيال المهام الموكلة للفرد يشكل فارقا، مثل الترويح بين المهام التي تتطلب جهدا عاليا بمهام أقل تطلبا.
أسباب التغيب المتكرر
يتحدث خالد بن سليمان المعولي رئيس أول استراتيجيات الموارد البشرية بالطيران العماني، أن أسباب التغيب المتكرر تعود عادة إلى مزيج من عوامل صحية ونفسية وتنظيمية، وفي بيئات العمل التشغيلية مثل قطاع الطيران، قد تشمل هذه الأسباب ضغط العمل، وجداول المناوبات غير المنتظمة، والإرهاق البدني أو الذهني، إضافة إلى ظروف شخصية أو عائلية، كما أن غياب التوازن بين الحياة العملية والشخصية، أو ضعف التواصل أحيانا، قد يسهم في ارتفاع معدلات التغيب.
وأضاف: "تعتمد المؤسسة على أنظمة موارد بشرية حديثة تمكنها من تتبع الحضور والانصراف وأنواع الإجازات بدقة، ويتم تحليل بيانات التغيب بشكل دوري لرصد الأنماط غير الاعتيادية، وفي حال تكرار التغيب يتم التعامل مع الحالة بأسلوب متدرج يبدأ بالحوار المباشر والداعم مع الموظف لفهم الأسباب، قبل اتخاذ أي إجراءات تأديبية، وذلك بما يتوافق مع القوانين واللوائح المعتمدة".
وأوضح المعولي أن المؤسسة تُعرّف الاحتراق الوظيفي على أنه حالة من الإرهاق الجسدي والذهني والعاطفي الناتج عن التعرض المستمر لضغوط العمل دون فترات تعافٍ كافية، ومن أبرز مؤشراته انخفاض مستوى الإنتاج وتراجع الأداء وزيادة معدلات الغياب، بالإضافة إلى ضعف التفاعل أو الشكاوى المتكررة من التوتر والإجهاد. مؤكدا اهتمامهم بتنفيذ مبادرات متعددة تركز على صحة ورفاه الموظفين، من بينها برامج الدعم النفسي بالتعاون مع جهات مختصة وتكون سرية بدون تدخل من الشركة، وتعزيز ثقافة التوازن بين العمل والحياة مثل تقديم ميزة المرونة في ساعات العمل والعمل عن بُعد، ومراجعة أعباء العمل بشكل دوري، خاصة في الوظائف ذات الضغط العالي (العمليات والمطارات)، وتطوير مهارات القيادات المباشرة في إدارة الفرق بأسلوب داعم، إلى جانب مبادرات الصحة والسلامة المهنية التي تتعلق بالتوعية فيما يخص الإجهاد الوظيفي وإدارة الضغوطات.
وأكد أنه يتم دعم الموظفين من خلال توفير قنوات تواصل آمنة ومباشرة مع الإدارة والموارد البشرية لعرض التحديات بدون خوف، وتقديم الإرشاد الوظيفي والنفسي عند الحاجة، إضافة إلى إمكانية إعادة توزيع المهام أو تعديل جداول العمل متى ما أمكن، كما يتم تشجيع الموظفين على طلب الدعم دون أي تردد أو تخوف.
وقال المعولي: "يؤثر التغيب والاحتراق الوظيفي بشكل مباشر على الإنتاجية واستمرارية العمليات وجودة الخدمات، خاصة في قطاع يعتمد على العمل الجماعي والدقة التشغيلية، لذلك تعد هذه الظواهر مؤشرات تنظيمية مهمة تستدعي المعالجة الوقائية والاستباقية وليس فقط الحلول الآنية، وقمنا مؤخرا بإدراج هذه المؤشرات ضمن بطاقات قياس الأداء المؤسسي لاتخاذ قرارات استباقية".
وحول الاستراتيجيات المتبعة في مؤسستهم للتقليل من حالات التغيب وتحسين الرضا الوظيفي، قال: "تشمل الاستراتيجيات تعزيز بيئة عمل إيجابية، ووضوح الأدوار والمسؤوليات، وتطوير المسارات الوظيفية، والاستثمار في التدريب والتطوير، وتحسين التواصل الداخلي من خلال زيادة عدد المناسبات الداخلية والزيارات الميدانية، والاعتراف بجهود الموظفين من خلال برامج موظف الشهر المثالي وموظف الشركة المثالي بصورة دورية (كل 3 أشهر)، كما يتم الاعتماد على البيانات والتحليلات لاتخاذ قرارات مبنية على فهم واقعي لاحتياجات الموظفين".
الإجازات المرضية
من جهته قال خليفة بن محمد الحامدي مدير دائرة الموارد البشرية بكلية العلوم الشرعية: إن النهوض بمهام الوظيفة العامة يقتضي توافر لياقة صحية لدى المترشح لشغل الوظيفة، ويعد ثبوت اللياقة الصحية أحد الشروط القائمة على تلك المهام الجوهرية، ليس فقط لصلاحية التعيين في الوظائف العامة، وإنما للاستمرار فيها أيضا، غير أنه مهما كانت لياقة الموظف الصحية جيدة، فهو معرض بين الحين والآخر للإصابة ببعض الأمراض التي قد تعيقه عن القيام بالمهام الوظيفية بصورة جزئية أو كلية، لفترة قصيرة أو طويلة، وتختلف هذه الأمراض، التي قد تكون عضوية أو نفسية، ناتجة عن بيئة العمل أو خارجها.
ويضيف: "يعد هذا الحق في الإجازات المرضية مستمدا من القانون، وذلك تحقيقا لثلاثة أغراض، فهو من ناحية يحقق غرضا إنسانيا برعاية الموظف في مرضه وحماية صحته من التدهور إذا استمر في مشقة العمل وهو مريض، ومن ناحية ثانية يضمن حماية البيئة الوظيفية من التعرض للعدوى نتيجة مخالطته لباقي الموظفين، ومن ناحية ثالثة يحقق الرعاية للمصلحة العامة نتيجة حماية موظفي الدولة من تفاقم حالتهم المرضية، وهو ما ينعكس بالضرورة على قدرتهم على الإنتاج".
وأكد الحامدي أن قانون الخدمة المدنية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 2004/120 عالج مسألة الإجازات عموما والإجازات المرضية خصوصا، ورغم صدوره قبل أكثر من عشرين سنة، إلا أن التحولات الإدارية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية تتطلب إعادة النظر في تقييم البيئة الوظيفية وما يؤطرها من نظم وسياسات وتشريعات، لا سيما مع التحول التدريجي الذي شهده المناخ التنظيمي محليا للدخول في مبادئ الإدارة العامة الحديثة.
واختتم حديثه بأننا بحاجة إلى استراتيجيات لدعم الموظفين في مواجهة الضغوط النفسية ودراسة حالات الاحتراق الوظيفي، والبدء بإجراءات وقائية عبر استحداث تقسيمات تنظيمية تتصل بالصحة النفسية في بيئات العمل، لا سيما مع بروز علوم بينية حديثة كالاجتماع التنظيمي وعلم النفس التنظيمي، وتحسين بيئات العمل عبر تفعيل التأمينات التكافلية والامتيازات المتصلة بالصحة والسلامة المهنية، وتعزيز الجوانب الإنسانية والاجتماعية في بيئات العمل بمختلف المبادرات النوعية، بالإضافة إلى وضع بند مالي في موازنة المؤسسات لتعزيزها وتنميتها وفق خطط سنوية.
الضغط النفسي
تقول كلثم بنت حمود المقبالية أخصائية توجيه وإرشاد أسري: إن البيئة غير الداعمة تعد السبب الرئيسي لتفشي الضغط النفسي في بيئات العمل، إذ يؤدي غياب الدعم والتفهم إلى تضاعف حدة التوتر لدى الموظفين، كما تسهم كثرة الأعباء والتكليفات المتراكمة في استنزاف طاقتهم النفسية، ويؤدي عدم الاتزان بين العمل والحياة الشخصية إلى إرهاق مستمر، في حين تؤثر قلة التحفيز والتقدير سلبا على الدافعية والرضا الوظيفي، ويعزز روتين العمل المتكرر الشعور بالملل والاختناق المهني، وتزيد ساعات العمل الطويلة في بعض الجهات من حدة الإجهاد الجسدي والنفسي، ومع غياب المرونة يصبح الأداء اليومي عبئا نفسيا بدلا من كونه مساحة للإنتاج والعطاء، كما تؤدي ثقافة المؤسسة دورا أساسيا في حدوث الاحتراق الوظيفي حين يكون التركيز منصبا على العمل والنتائج فقط دون الالتفات إلى الإنسان خلف المهمة، فتصبح الضغوط اليومية أمرا معتادا، وتمر ساعات العمل دون مراعاة قدرة الموظف على الاستمرار، كما أن غياب التقدير والدعم يضعف الشعور بالانتماء، وتؤدي بيئة الخوف أو اللوم المستمر إلى توتر دائم، ومع ضعف الحوار وقلة المشاركة في اتخاذ القرار يشعر الموظف بالعجز والإحباط، وحين لا تُحترم الحدود بين العمل والحياة الشخصية وتغيب العناية بالصحة النفسية، تتحول ثقافة المؤسسة من عامل دعم إلى سبب مباشر للاحتراق الوظيفي.
وأكدت المقبالية أن زيادة الإجازات المرضية الناتجة عن الضغط النفسي لها آثار اقتصادية ملموسة على جهات العمل، إذ يتسبب الغياب المتكرر في تعطل الأعمال وتراجع مستوى الإنتاج، كما تتحمل المؤسسات أعباء إضافية لتعويض هذا الغياب سواء بإعادة توزيع المهام أو الاستعانة بموظفين مؤقتين، إضافة إلى ارتفاع تكاليف العلاج والتأمين الصحي عند مؤسسات القطاع الخاص، ومع الوقت ينعكس ذلك على جودة الأداء وتزداد الأخطاء، وقد يدفع الإرهاق النفسي بعض الموظفين إلى ترك العمل، وهو ما يترتب عليه تكاليف جديدة للتوظيف والتدريب، لتتحول المشكلة إلى عبء مالي مستمر يؤثر في استقرار المؤسسة.
وأوضحت أن المؤسسات تستطيع الحد من الضغط النفسي متى ما اهتمت بالموظف كإنسان قبل أن تنظر إليه كعنصر إنتاج، وذلك من خلال توفير بيئة عمل يشعر فيها بالدعم والاحترام، وتوزيع المهام بشكل واقعي وعادل، ويؤدي أسلوب الإدارة دورا مهما، فالتعامل المرن والاستماع للموظفين يخفف كثيرا من التوتر اليومي، كما أن تنظيم ساعات العمل ومنح مساحة من المرونة يساعد على تحقيق توازن صحي بين العمل والحياة الشخصية. مشيرة إلى أن التقدير والتحفيز يسهمان في رفع المعنويات وتقليل الشعور بالإجهاد. إضافة إلى ذلك، فإن تحسين التواصل وإتاحة المجال لطرح المشكلات دون خوف يعزز الشعور بالأمان، وعندما تعترف المؤسسة بأهمية الصحة النفسية وتدعمها بآليات واضحة، فإنها تقلل من الضغوط قبل أن تتحول إلى مشكلة أعمق.
وأضافت كلثم: "يمكن للموظفين التعامل مع مشاعر الاحتراق الوظيفي في وقت مبكر إذا انتبهوا للتغيرات التي تطرأ عليهم، مثل الشعور بالتعب المستمر، وفقدان الحماس، والضيق من المهام المعتادة، أو انخفاض التركيز وكثرة التشتت، وقد تظهر أيضا أعراض نفسية كالتوتر الدائم، وسرعة الانفعال، والشعور بالإحباط أو اللامبالاة تجاه العمل، إضافة إلى أعراض جسدية مثل الصداع واضطرابات النوم. وعند ملاحظة هذه المؤشرات، يساعد تنظيم الوقت وعدم تحميل النفس أكثر مما تحتمل على تخفيف الضغط. كما أن الحديث بصراحة مع المدير أو شخص موثوق في بيئة العمل حول الأعباء والصعوبات قد يفتح المجال لحلول عملية. ومن المهم إعطاء النفس حقها من الراحة والاهتمام بالصحة الجسدية والنفسية، والبحث عن أساليب للتوازن أو طلب دعم مهني عند الحاجة، مما يساعد على استعادة التوازن قبل الاضطرار إلى اللجوء للإجازات المرضية".
ولفتت في حديثها إلى أن الإجازات المرضية تترك أثرا واضحا على الحياة العملية للموظف، فغيابه المتكرر قد يخفف الضغط لفترة قصيرة، لكنه غالبا ما يواجه بعد العودة تراكم الأعمال وضيق الوقت لإنجازها، وقد يرافق ذلك شعور بالقلق من نظرة الإدارة أو الزملاء، خصوصا إذا طال الغياب أو تكرر، مما يؤثر على الإحساس بالأمان الوظيفي، كما أن الابتعاد عن العمل لفترات قد يؤدي إلى ضعف المشاركة في بعض المهام أو تفويت فرص مهنية. وفي بعض الجهات، قد تنعكس كثرة الإجازات على التقييم الوظيفي بشكل غير مباشر، ومع استمرار الوضع، قد يشعر الموظف بالعزلة أو زيادة التوتر بدلا من التعافي، إذا لم يتم التعامل مع أسباب الإرهاق من الأساس.
قصص وتجارب
تبرز قصة أم علي الميمنية كرمز للمعاناة الإنسانية، امرأة كانت ذات يوم مديرة في قسمها، لكن حالها تغير بين يوم وليلة، لتسقط في دوامة من الإحباط وفقدان الدافعية.
تروي أم علي كيف أن فقدانها لموقعها الوظيفي لم يكن مجرد خسارة شخصية، بل كان اعتداء على طموحها ورغبتها في تحقيق الذات، وقالت: "كنت أشعر أنني أملك طاقة وقوة لا حدود لها، لكنني كنت أراها تُهدر أمام عيني، كان زملائي الذين لا يتمتعون بمستواي في الخبرة والنوعية يحصلون على المناصب التي أحلم بها!"
وبالرغم من حصولها على أعلى الدرجات في جامعتها، شعرت أم علي بتدني قيمتها في المكان الذي قضت فيه سنوات من العمل الجاد. وتابعت قائلة: "تساؤلاتي كانت لا تنتهي، لماذا يحصل غيري على ما أستحق بجدارة؟"
وأضافت: "كنت أبكي في كل مرة أعود فيها إلى المنزل، فقدت الإيمان بنفسي وبقدرتي على استحقاق الأشياء الجميلة، انعزلت عن الآخرين، ولا أعلم الأسباب وراء هذه الممارسات في عملي، مما أثر فيّ نفسيا!"
من طموح إلى استقالة
تعود بنا قصة أم حمزة اللمكية إلى لحظة مفصلية، امرأة اختارت أن تستقيل من عمل لطالما أحبته، لا لأسباب عادية ولكن بسبب فراغ قاتل من التقدير والإحساس بالفشل، شعور كان يُعذبها يوما بعد يوم.
بدأت أم حمزة قصتها وهي تتحدث عن الإحباط الكبير الذي شعرت به نتيجة عدم تقدير خبرتها، وقالت: "لقد قدمت كل ما بوسعي لتحقيق النجاح، كنت أعتبر نفسي جزءا مخلصا من هذه المؤسسة التي عملت فيها لسنوات، وكنت أرى زملائي الأصغر سنا، ممن لا يملكون من الخبرة ما أملك، يحصلون على الفرص والمكافآت التي كنت أستحقها".
لم يكن تدني التقدير هو المشكلة الوحيدة لديها، بل كان هناك غياب واضح لأي شكل من أشكال الدعم المهني، وتضيف: "كان من المفترض أن تُتيح لنا المؤسسة فرص التطور والتدريب، ولكن ذلك لم يحصل مطلقا، شعرت بأنني عالقة في مكان لا يمكنني المضي قدما فيه، وما زاد الطين بلة كان ضغط العمل وساعات العمل الطويلة، مما جعلني أعود إلى المنزل منهكة جسديا وعاطفيا، ولم أعد قادرة على التعامل مع أطفالي كما كنت سابقا، كنت دائما مشغولة بالتفكير في العمل، وغالبا ما كنت أعاملهم بالعصبية". وبعد كل ذلك، اتخذت أم حمزة قرارا صعبا وهو الاستقالة، وكان هذا القرار بمثابة بداية جديدة، قررت استعادة نفسها وطاقتها الإيجابية.
صراع نفسي
يقبع محمد السعدي تحت ضغط عمل لا يُحتمل، كانت حياته المهنية تبدو مشاعة بالنور في بداية مشواره، لكنه اكتشف أن الطريق ليس ممهدا كما ظن، تميز بشغفه وقدرته على تحقيق الأهداف، ولكن ظواهر القلق والإحباط بدأت تُخيم عليه.
وخلال حديثه، تذكر محمد كيف أن كل غلطة صغيرة كان يواجهها بعاصفة من الانتقادات، بينما تتحول إنجازاته إلى رغوة تتلاشى بسرعة، ولم يكن هناك مكان للتفاهم. وقال: "كنت أعود إلى المنزل منهكا، وعندما كنت ألتقي بأهلي أشعر بأنني منهك تماما وغير قادر على الجلوس معهم".
بدأ محمد يشعر بالاحتراق الوظيفي عندما كانت الأيام تمر تحت ضغط مستمر، دون تحقيق المدير لوعوده بالسماح له بالخروج في إجازة، ودائما كانت الحجج جاهزة بأن هناك ضرورة لإنهاء بعض الأعمال دون تقدير لظروفه، وفي يوم شعر محمد بعدم قدرته على الاستمرار، وقال منفجرا: "لم أعد أستطيع التحمل، أحتاج إلى إجازة! ويجب إعطاء قيمة لظروفنا!" ومن بعد هذه العبارة خرج في إجازة، استعاد ثقته بنفسه، وقرر أن يضع حدودا لأوقات العمل لا تتداخل مع حياته الأسرية ولا تؤثر على نفسيته في إنجاز مهامه.

**media[3261512]**