ظهر الذكاء الاصطناعي المكاني الذي يمثل إحدى التقنيات المتقدمة بشكل جلي العام المنصرم، إلا أنه يعتبر وقودا للتقدم لمختلف القطاعات الاقتصادية نحو آفاق جديدة نظرًا لقدرته الفائقة على تحليل البيانات واتخاذ قرارات أكثر ذكاء اعتمادًا على العلاقات المكانية بين العناصر، ويمكن لسلطنة عُمان استثمار الذكاء الاصطناعي المكاني لتحفيز التنويع الاقتصادي والتقدم التكنولوجي بما يتماشى مع "رؤية عُمان 2040"، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي المكاني المساهمة في تعزيز تنويع الاقتصاد العُماني وتقليل الاعتماد على عائدات النفط؛ وذلك بتمكين صناعات جديدة في مجالات السياحة، والخدمات اللوجستية، وتطوير البنية التحتية الذكية.
الذكاء الاصطناعي المكاني
قال الدكتور خليفة بن محمد الكندي أستاذ مساعد في كرسي تطبيقات الذكاء الاصطناعي بجامعة نزوى لـ"عمان": يمثّل الذكاء الاصطناعي المكاني تطوّرًا ثوريًا يجمع بين تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المكانية، فيجعل الآلات قادرة على فهم الفضاء ثلاثي الأبعاد والتفاعل معه على نحو يشبه إدراك الإنسان، وقد وُلدت هذه التقنية من التقاء علوم رؤية الحاسوب والروبوتات والتعلّم الآلي؛ لتنتج أنظمة تمتلك قدرة أعمق على تحليل البيئات ثلاثية الأبعاد، والتعرّف إلى الكائنات فيها، واتخاذ قرارات أكثر ذكاءً اعتمادًا على العلاقات المكانية بين العناصر.
وأوضح أن هذه الرحلة بدأت في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ولكنها تسارعت بشكل حقيقي مع تطوّر أجهزة الاستشعار المتقدمة وأنظمة "LiDAR" والشبكات العصبية المتطورة القادرة على معالجة البيانات المكانية في الوقت الفعلي، ومن أبرز جوانب القوة في الذكاء الاصطناعي أنّ أدواته تمتلك قدرات واسعة ومتنامية. ويمكن الإشارة إلى بعض هذه الجوانب منها القوة الحسابية، إذ يشير ذلك إلى النمو الهائل في قدرات المعالجة عبر وحدات معالجة الرسوميات (GPUs) والشرائح المتخصصة في الذكاء الاصطناعي؛ مما أتاح تنفيذ المعالجة المكانية في الوقت الفعلي، وتحقيق فهم أكثر تعقيدًا للمشاهد ثلاثية الأبعاد، إضافة إلى تقنية المستشعرات، إذ تُتيح المستشعرات المتقدمة -بما في ذلك تقنيات "LiDAR"، وكاميرات العمق، وأنظمة التصوير متعددة الأطياف- بيانات مكانية غنية تمكّن أنظمة الذكاء الاصطناعي من معالجتها وتفسيرها بدقة عالية، وكذلك التعلم العميق، حيث أحدثت خوارزميات التعلم العميق في الشبكات العصبية الالتفافية وهياكل المحولات ثورة في كيفية فهم الآلات للعلاقات المكانية والبيئات ثلاثية الأبعاد، إضافة إلى البيانات الضخمة وهي مجموعات البيانات الضخمة من المعلومات المكانية والنماذج ثلاثية الأبعاد والبيئات المحددة، التي تتيح تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة بدقة غير مسبوقة.
وأشار إلى أن أهم التحديات التي تواجه الذكاء الاصطناعي المكاني تكمن في التعقيد الحسابي، حيث تتطلّب معالجة البيانات المكانية ثلاثية الأبعاد في الوقت الفعلي قدرة حاسوبية كبيرة، ويتضاعف التحدّي عندما تعمل الأنظمة في بيئات ديناميكية تتغيّر فيها المعطيات بسرعة، وفي كثير من الأحيان تفرض محدودية الأجهزة الحالية مقايضات بين سرعة المعالجة ودقّتها، ولا سيما في سيناريوهات الحوسبة الطرفية التي تحتاج فيها الأنظمة إلى العمل باستقلالية تامة دون الاعتماد على الاتصال السحابي، أضف إلى التحديات خصوصية البيانات وأمنها، حيث تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي المكاني على جمع بيانات بيئية دقيقة بشكل مستمر، وهو ما يثير مخاوف كبيرة تتعلق بالخصوصية. فقدرتها على رسم خرائط للمساحات الداخلية، وتتبع الحركات، وتحديد الأفراد تفتح المجال لاحتمالات إساءة الاستخدام، ومن ثمّ تبرز الحاجة إلى بروتوكولات أمنية قوية وإرشادات أخلاقية واضحة، خاصة في الأماكن العامة التي تزداد فيها تعقيدات الموافقة وملكية البيانات.. مشيراً إلى أن التباين البيئي يمثل أحد التحديات، إذ يجب أن يعمل الذكاء الاصطناعي المكاني بشكل موثوق به عبر ظروف متنوعة - إضاءة مختلفة، طقس، وعوامل بيئية، غالبًا ما تعاني الأنظمة المدربة في بيئات خاضعة للرقابة من التعقيد الواقعي، يمثل تطوير خوارزميات تحافظ على الدقة عبر سياقات مختلفة، من ضوء الشمس الساطع إلى الظلام، ومن الطقس الصافي إلى الضباب، تحديًا تقنيًا مستمرًا، إلى جانب ذلك، تبرز مجموعة من المعوقات التي تحدّ من تبنّي الذكاء الاصطناعي المكاني، فمن جهة، تمثّل التكاليف الباهظة أحد أبرز التحديات، إذ تتطلب المستشعرات المتقدمة، والبنية التحتية الحاسوبية، والخبرة المتخصصة لتنفيذ استثمارات مالية كبيرة، وهو ما يشكّل عبئًا على المؤسسات الصغيرة والمناطق النامية، وتظهر فجوة المهارات بوضوح، إذ إن النقص في المتخصصين الملمين بتقنيات الذكاء الاصطناعي المكاني يقيّد انتشاره، فيما تكافح المؤسسات التعليمية لمواكبة المتطلبات المتسارعة لهذا المجال، وإلى جانب ذلك، يُعد تعقيد التكامل تحديًا إضافيًا؛ فدمج هذه التقنيات في الأنظمة وسير العمل يستلزم تغييرات تنظيمية واسعة، وتكيّفًا تقنيًا، وتحولات ثقافية تجد العديد من المؤسسات صعوبة في تحقيقها.
سلطنة عُمان والذكاء الاصطناعي المكاني
قال الدكتور خليفة بن محمد الكندي أستاذ مساعد في كرسي تطبيقات الذكاء الاصطناعي بجامعة نزوى: إن سلطنة عُمان تقف عند منعطف حاسم في رحلتها التنموية، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي المكاني أن يكون حافزًا للتنويع الاقتصادي والتقدم التكنولوجي بما يتماشى مع "رؤية عُمان 2040"، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي المكاني أن يسهم في تعزيز تنويع الاقتصاد العُماني وتقليل الاعتماد على عائدات النفط؛ وذلك بتمكين صناعات جديدة في مجالات السياحة، والخدمات اللوجستية، وتطوير البنية التحتية الذكية، كما يمنح الموقع الاستراتيجي لسلطنة عُمان وتنوّع تضاريسها فرصة مثالية لاختبار تقنيات الذكاء الاصطناعي المكاني وتطبيقها في مجالات اللوجستيات، والعمليات البحرية، والملاحة الصحراوية، أضف إلى ذلك أن الذكاء الاصطناعي المكاني يسهم في إدارة الموارد بكفاءة أعلى، بدءًا من الحفاظ على المياه، وصولًا إلى تحسين إنتاج الطاقة المتجددة، وهو ما يشكّل عنصرًا أساسا في تحقيق الأهداف البيئية لسلطنة عُمان، كذلك يخلق تطوير قطاع الذكاء الاصطناعي المكاني وظائف ذات قيمة عالية للشباب العُماني المتعلم؛ ليسهم في معالجة مشكلة البطالة مع بناء القدرات المستقبلية.
مركز تكنولوجي إقليمي
وأضاف: عن طريق الاستثمار في البنية التحتية وتطوير الخبرات في مجال الذكاء الاصطناعي المكاني، يمكن لسلطنة عُمان أن تتبوأ مكانة مركز تكنولوجي إقليمي يجذب الشراكات والاستثمارات الدولية، ويُعدّ الاستقرار السياسي والرؤية التقدمية للبلاد عاملين يضعانها في موقع مثالي لإنشاء مراكز أبحاث وابتكار في الذكاء الاصطناعي تخدم منطقة الشرق الأوسط الأوسع، كما يخدم الذكاء الاصطناعي المكاني تعزيز وتمكين العديد من القطاعات الاقتصادية، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي المكاني أن يحدث ثورة في قطاع السياحة العُماني بإنشاء تجارب واقع معزز غامرة في المواقع التاريخية، وتحسين تدفق الزوار، وتوفير الملاحة الذكية عبر المناظر الطبيعية المتنوعة للبلاد، ويمكن للمرشدين الافتراضيين المدعومين بالذكاء المكاني تقديم تجارب متخصصة مع الحفاظ على التراث الثقافي، أضف إلى ذلك إمكانية الاستفادة من الموقع البحري الاستراتيجي لسلطنة عُمان عن طريق أتمتة الموانئ المدعومة بالذكاء الاصطناعي المكاني؛ مما يحسن مناولة الحاويات، وملاحة السفن، وإدارة سلسلة التوريد. وهذا يضع عُمان في مكانة قائد إقليمي في مجال الخدمات اللوجستية، ويمكن كذلك للمدن مثل مسقط وصلالة وصحار تطبيق الذكاء الاصطناعي المكاني لإدارة حركة المرور، والسلامة العامة، والتخطيط الحضري، وإنشاء نماذج للتنمية الحضرية المستدامة في منطقة الخليج، كذلك وعلى الرغم من التضاريس الصعبة، يمكن للذكاء الاصطناعي المكاني تحسين استخدام المياه، ومراقبة صحة المحاصيل، وتمكين الزراعة الدقيقة، ودعم أهداف الأمن الغذائي.
مستقبل الذكاء الاصطناعي المكاني
وبين أن الفترة بين عامي 2025 ـ 2026 يمكن أن يطلق عليها عصر التكامل، إذ يشهد الذكاء الاصطناعي المكاني تبنّيًا واسع النطاق في الأجهزة الاستهلاكية، بما في ذلك الهواتف الذكية والأجهزة القابلة للارتداء المزودة بقدرات وعي مكاني متقدّمة، كما تصبح نظارات الواقع المعزز شائعة، لتغيّر طريقة تفاعلنا مع العالم اليومي بشكل جذري، فيما يتوقع أن تشهد الفترة 2025 ـ 2030 ثورة الحكم الذاتي، حيث تهيمن المركبات ذاتية القيادة بالكامل على النقل الحضري، بينما تستفيد المدن الذكية من الذكاء الاصطناعي المكاني لتحسين جميع جوانب البنية التحتية، كما تصبح الروبوتات جزءًا مألوفًا من المنازل وأماكن العمل، مما يعيد تشكيل حياتنا اليومية، بينما سيكون الذكاء المكاني في كل مكان خلال الفترة 2031 ـ 2035 ، إذ يحدث تكامل سلس بين العالمين المادي والرقمي، ليصبح الذكاء الاصطناعي المكاني بنية تحتية غير مرئية تدعم كل شيء، بدءًا من الرعاية الصحية ووصولًا إلى مجالات الترفيه والتعليم، وستظهر نماذج جديدة خلال الفترة 2036 ـ 2040 ، إذ يتيح الذكاء الاصطناعي المكاني أشكالًا جديدة كليًا من التعاون بين الإنسان والآلة، حيث تندمج العوالم الافتراضية والمادية بشكل كامل، فتفتح آفاقًا غير مسبوقة للعمل والتعلم والإبداع.
وأضاف: أن مستقبل الذكاء الاصطناعي المكاني يمتد إلى ما هو أبعد من التطبيقات الحالية، نحو عوالم بدأنا للتو في تخيّلها، ستعزّز الحوسبة الكمومية قدرات المعالجة بشكل هائل، مما يمكّن من التحليل في الوقت الفعلي للمدن أو المناطق بأكملها، كما قد تسمح واجهات الدماغ والحاسوب، بالتكامل مع الذكاء الاصطناعي المكاني، بالتفاعل العقلي المباشر مع البيئات الرقمية، وستصبح هذه التكنولوجيا متكاملة إلى حدّ يجعل التمييز بين الإدراك المدعوم بالذكاء الاصطناعي والإدراك البشري الطبيعي أمرًا غير ذي معنى، في حين، يتطلب المسار المستقبلي لسلطنة عُمان استثمارًا استراتيجيًا في التعليم والبنية التحتية وبناء الشراكات، ومن طريق إنشاء مراكز أبحاث للذكاء الاصطناعي، ووضع أطر تنظيمية داعمة، وتعزيز أنظمة الابتكار، يمكن لسلطنة عُمان أن تتصدّر المنطقة نحو عصر الذكاء الاصطناعي المكاني.. مضيفاً: أما بالنسبة للبشرية، فإن الذكاء الاصطناعي المكاني يمثّل أكثر من مجرد تقدّم تقني؛ فهو تحوّل جوهري في طريقة تفاعلنا مع بيئتنا، ويكمن التحدّي في ضمان أن تخدم هذه التكنولوجيا القوية الازدهار البشري، مع التعامل بحكمة مع القضايا الأخلاقية وحماية الخصوصية، ونؤكد من هنا أن "المستقبل ملك لمن يستعدّ له اليوم، فالذكاء الاصطناعي المكاني ليس مجرد تقنية، بل بوابة نحو إمكانات وازدهار بشري غير مسبوق"، وبينما نقف على هذه العتبة التكنولوجية، لا يكمن السؤال فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي المكاني سيغيّر عالمنا، بل في كيفية تشكيل هذا التحوّل، بالنسبة لسلطنة عُمان، يعني احتضان هذه التقنية تأمين مستقبل مزدهر ومتنوّع، أما بالنسبة للبشرية، فيُمثل إطلاق أبعاد جديدة من الإمكانات والإبداع والتقدّم.
لقد بدأت الرحلة، والوجهة تعد
بتجاوز أكثر تخيّلاتنا جرأة.