أكتب هذا المقال في لحظات بالغة الصعوبة تمرّ بها منطقة الشرق الأوسط، في ظل تصاعد لغة التهديد والوعيد، وتضاعف التحضيرات العسكرية المُنذِرة بإمكانية اندلاع حرب في المنطقة، تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران -رغم أخبار التهدئة وعدم وضوح جديتها-، ويتزامن ذلك مع الصراع المستمر في اليمن والسودان وسوريا، وما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات خطيرة قد تقود إلى اشتعال واسع النطاق، يهدد استقرار المنطقة بأسرها ويدفعها نحو مظاهر مستمرة من الفوضى. عندما نعود إلى الماضي نجد أن الصراعات كانت تدور بين إمبراطوريات كبرى، كان معظمها يسعى إلى السيطرة على الممرات البحرية والموانئ العالمية، بينما كان بعضها الآخر يهدف إلى السيطرة على ثروات الشعوب والدول، ولا سيما الثروات الزراعية والمعدنية، مثل الذهب وغيرها من الثروات الطبيعية. اندلعت نتيجة لذلك اشتباكات وصراعات بين هذه الأمم والإمبراطوريات؛ فتتفوق إمبراطورية في مرحلة ما على أخرى؛ لتزيحها من المشهد، ثم تظهر إمبراطورية جديدة، وهكذا دواليك.

في مقابل ذلك، كانت هناك دول وحضارات ومجتمعات أخرى لا تملك الحيلة ولا القوة؛ بعضها واقع تحت الاحتلال، وبعضها الآخر يراقب المشهد دون قدرة حقيقية على التأثير، واستمر العالم على هذا النحو عبر تاريخه الطويل، إلى أن جاءت نهاية الحرب العالمية الثانية؛ حيث تشكّل ما يُعرف بالأمم المتحدة، ولكن تبين أن هذه المنظمة الأممية لا تملك حيلة إلا على الدول غير ذات القوة والنفوذ، وأنها بيد دول كبرى أو مجموعات ما يمكن تسميتهم بـ«لوردات الحروب». لكن ما يمكن ملاحظته بوضوح بعد الحرب العالمية الثانية بروز الصهيونية في الساحة العالمية، ولا يزال الجدل محتدما عن ماهية الصهيونية -في نموذجها الحالي- التي يرى بعضهم أنها تتمثل في الكيان الإسرائيلي، وأن هذا الكيان من يتحكم في أمريكا والغرب، في حين أن ثمة من يتصور أن أمريكا والغرب هما من يتحكمان في إسرائيل التي يُنظر إليها على أنها مركزية الصهيونية. وفقا للقراءات المختلفة وما نشاهده على أرض الواقع، يمكن القول إن الصهيونية لا تتمثل في الكيان الإسرائيلي وحده، ولا في مجموعة دول بعينها؛ فالصهيونية في حقيقتها عقيدة متطرفة، تقوم على نبذ حقوق الإنسانية والدين ومحاربته، وعلى النهب والسرقة، وعلى تشريع القتل من أجل بلوغ الثروات، وحينها لا تختلف كثيرا عن المنهجيات القديمة للإمبراطوريات السابقة التي قامت على سحق شعوب العالم ومجتمعاته من أجل النهب والسيطرة؛ فلا يفرق بين أن يسرق الصهيوني عبر قوته العسكرية ثروات دولة ذات سيادة ونفطها، وبين أن يسرق صهيوني «مستوطن» أثاث بيت فلسطيني أو أغنامه وثمار زيتونه؛ فكل ذلك مباح وفق المنهج الصهيوني.

بناء على ذلك، يمكن النظر إلى الصهيونية بوصفها فكرة ومجموعة مبادئ، تتجسد في شبكة من الأشخاص -ممن يصح فيهم وصف «لوردات» الحروب وكبار الأثرياء-، وكذلك تمتد اليوم لتشمل أنظمة وحكومات في دول كبرى، تعمل وفق هذه المنظومة وتخدم أهدافها بطرق مباشرة أو غير مباشرة. لهذا من المغالطات الشائعة أن نقول إن أمريكا أو الغرب يستطيعان التحكم في إسرائيل، أو أن العكس صحيح بالدرجة نفسها؛ فهذه الثنائية غير دقيقة نسبيا. رغم ذلك، لا ندرك على وجه الدقة من يتحكم بمن، ولكننا نرى بوضوح تراتبية في النفوذ، وأننا على يقين أن المنطلقات في النهاية واحدة باعتبارها منظومة صهيونية تحكم المشهد العالمي.

ما نشهده اليوم يؤكد ذلك بوضوح؛ إذ نرى مشروعات متجددة لتقسيم الدول العربية، تتجاوز التقسيمات السابقة وتفوقها، مع مؤشرات واضحة على تقسيمات أخرى قادمة مثل السعي إلى تدمير إيران ولا يستبعد طموح تقسيمها كما يحدث الآن في بعض الدول العربية المُنهكة. كذلك شهد العالم نماذج لدول أُسقطت أنظمتها أو فُرضت عليها السيطرة، كما حدث في فنزويلا، وما يحضّر لجزيرة «جرينلاند». تؤكد لنا هذه المشاهد، أن أي دولة أو نظام يقول «لا» للصهيونية ولمشروعاتها الظالمة، يصبح عرضة للاستهداف بشتّى الطرق، وعليه أن يواجه منظومة صهيونية تمتلك نفوذا عالميا واسعا، ويحدث أن تزاح مثل هذه الدول من المشهد الدولي لأنها لم تمتثل للقوانين الصهيونية المعلنة وغير المعلنة، والتي تتمثّل أيضا في التنازل عن جزء من الثروات إن لم يكن كلها، والتخلي عن السيادة على الموانئ والممرات، والتنازل عن الإرادة السياسية.

أما عن كيفية عمل الصهيونية، فإنها تعتمد على مجموعة من المقدمات والآليات لفرض إرادتها على الشعوب والحكومات غير المطيعة، ومن أبرز هذه الآليات ما شهدناه عمليا في أكثر من دولة؛ ففي حالة العراق -على سبيل المثال- وبعد حرب الخليج الثانية، فُرضت عليه عقوبات اقتصادية قاسية أدخلته في حالة من الفقر والجوع والأزمة الاقتصادية الخانقة تمثلت في التضخم الحاد وفقدان قيمة العملة إلى درجة أصبحت فيها الحكومة العراقية عاجزة عن دفع الرواتب أو القيام بمهامها الأساسية تجاه شعبها؛ فدخل المجتمع العراقي مرحلة من الفقر المدقع والجوع الواسع؛ لتبدأ المرحلة الثانية، حيث البحث عن مبررات تُمهّد الطريق للغزو واحتلال الدولة؛ فظهرت ادعاءات امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، وهي ادعاءات تبيّن لاحقا أنها كاذبة. تكرر المشهد والخطوات التدريجية نفسها مع دول أخرى -نعرفها- في المنطقة، ويتكرر السيناريو في هذه الفترة أيضا مع دول أخرى مثل إيران.

أجد أن خياراتنا -العربية والإسلامية- في مواجهة هذه الأزمة وهذه المحنة التي تحلّ بالعالم تبدو محدودة، وخصوصا أننا جزء لا يتجزأ من هذا العالم؛ إذ تصيب الصهيونية الجميع في مقتل عبر محاولاتها المستمرة لاستغلال موارد الشعوب وثرواتها، واختراق سيادتها، وتمزيق أنظمتها. لكننا نملك معادلتنا العربية -ويمكن أن نصفّ معها الإسلامية- التي إذا ما أُحسن تفعيلها؛ فإنها عصية الاختراق والتآكل والانهيار، وكما بيّنا أن الممارسات الصهيونية تنطلق عبر مراحل متتالية، تستهدف في بداياتها اقتصاد الدول المراد إخضاعها أو إسقاطها وتأليب نظامها الشعبي الداخلي وخنقه ليمارس ضغوطه على الحكومات المنهكة، ويأتي بعدها التدخل العسكري الخارجي القاتل، ويكون اختيار هذه الدول لأسباب متعددة، من بينها أنها لا ترغب في أن تكون جزءا من المنظومة الصهيونية، أو أنها لا تطيع بشكل كامل قوانينها، أو لأنها تمتلك ثروات ترى هذه المنظومة أنها أحقّ بالاستيلاء عليها ونهبها.

لهذا، ينبغي على الدول العربية أن تواجه هذا الواقع عبر تفعيلها لمعادلتها القوية المتمثّلة في الوحدة، ولكن لا ينبغي أن تكون شكلية أو خطابية كما في واقعها الحالي، وإنما تكون وحدة حقيقية تقوم على أسس عملية في مقدمتها الاقتصاد المشترك، والدفاع العسكري المشترك، والتكامل في الموارد والإمكانات، ولا ضير -إن لم يكن من الضروري- أن تمتد هذه الوحدة لتشمل الدول الإسلامية.

على الدول العربية والإسلامية أن تعي جيدا، وأن تقتنع اقتناعا تاما، بأن الصهيونية إذا استهدفت دولة واحدة اليوم؛ فإنها ستستهدف دولة أخرى غدا، ولهذا عندما تُفرض العقوبات على دولة بعينها لإضعاف اقتصادها تمهيدا لإسقاط نظامها أو إخضاعه لاحقا، يصبح من الواجب على بقية الدول أن تلتحم في المواجهة عبر الدعم السياسي والاقتصادي، وعبر تفعيل آليات الدعم العسكري عند الضرورة.

في تقديري، ونحن في عالم يعمل وفق منهج البقاء للأقوى؛ فإنه لا توجد حلول واقعية أفضل من هذه الحلول، ويتطلب الواقع تجاوز كل الشوائب التي تحول دون تشكيل المحور العربي-الإسلامي وتأسيس منظومته الاقتصادية والعسكرية والإعلامية -التي تعمل على صناعة سردية منافسة ومناوئة للصهيونية- المشتركة التي تفرض وجودها المستقل في العالم، والإسهام في التوازن العالمي وسلامه. لكن قبل كل ذلك، من المهم أن نذكّر بأن الشعوبَ عمادُ الثبات، وأن الأنظمة بتركيزها على الداخل وعناصره البشرية؛ ستملك حصانة ضد أيّ مخططات وأزمات تأتي من الخارج.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني