الاحتجاجات الإيرانية تعيدنا لسؤال الإنسان والنظام، تلك العلاقة القائمة بتوازناتها بين الشعوب وأنظمتها، وإذا كان السؤال ينطلق من إيران الثورية، فإن الحالة الإيرانية نفسها لها ملابساتها الخاصة، بدءا من سقوط نظام الشاه نهاية سبعينيات القرن الماضي، بفعل اتحاد رجال الدين واليسار من عمال وطلبة آنذاك، ثم انفراد «رجال الدين» بالحكم وخروج اليساريين وصولا إلى توالي الاحتجاجات الشعبية مؤخرًا لأسباب مختلفة، آخرها اقتصادي. والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لا تصل الأنظمة الشرقية معنا إلى معادلة متوازنة مقنعة لشعوبها؟ وباختصار لماذا يجد الناس أنفسهم في الشوارع معرضين أنفسهم لقوات الأمن ومكافحة الشغب؟ ألا يعبّر ذلك عن خلل مفصلي في النظام؟ وهل يمكن تعريض الأمة والشعب والوطن لمثل هذا الخطر المحدق؟

في الفيلم الأخير للمخرج الإيراني جعفر بناهي، صدفة واحدة بسيطة (يك تصادف ساده ٢٠٢٥) يعالج بناهي تبادل الأدوار بين الضحية والجلاد، وينطلق الفيلم من فكرة ماذا لو وقع الجلاد في يد ضحيته، أو ضحاياه، وينتقل بنا الفيلم بين المشاعر المختلطة من رغبة الضحية في الانتقام، إلى إنكار الجلاد لشخصيته إلى محاولات التحقق الشعبية، إلى إنسانية الجلاد بوصفه رب أسرة وأطفال، وموقف الضحية «الجلاد المؤقت»، من الحالة الإنسانية. ولكن ما خلف العمل الفني نجد ذلك الشعور الشعبي الساخط من عنف النظام، والذي يتجسد في العنف الموجه ضد شخوصه، ويثير أسئلة من مثل لماذا نجد أنفسنا في حالتين متضادتين كلاهما تطرف؟ مع ضد؟ أما من طريقة وسطى؟

في مقدمة الطبعة العراقية من كتاب عبد الرحمن الكواكبي الشهير (طبائع الاستبداد) يكتب محقق الكتاب الدكتور أسعد الحمراني: «كتاب طبائع الاستبداد بما تضمنه ليس نقدًا للحكومات فحسب، بل فيه تبصير للشعوب بواقعها المؤلم، وفيه دعوة للاستنهاض وإيقاظ النيام لكي يثوروا على كل مستبد ظالم، وعلى كل مستعمر طامع»؛ لكن ماذا لو كانت الثورة على النظام المستبد تعني الوقوع في يد المستعمر الجديد؟ وما الذي يضمن للثورة أنها لن تختطف بالقوة والعنف والفوضى؟ كما حدث في العراق بعد نظام البعث، وكما يقلق السوريون اليوم من مستقبلهم مع النظام الجديد بتاريخه المتطرف.

يدفع الغرب منذ عقود شعوب الدول «المقهورة» حسب تصنيفه، للثورة على أنظمتها، ولكن ما هو التالي؟ بينما كل التجارب الشرقية تؤكد أن التالي هو مزيد من التمزق والفوضى والضعف وتكالب القوى الإقليمية والدولية، وهذا حال ليبيا التي ما زالت تحاول النهوض من بعد سقوط القذافي، واليوم نجد في السودان هذه الحرب البشعة المستمرة، وهذه حال اليمن الممزق بين قواه، والأمثلة أصبحت أكثر من أن تستقصى. وبينما كان المتظاهرون الإيرانيون يحتجون على أوضاعهم المعيشية في ظل التضخم المتسارع، كانت إسرائيل تذكي النار بطريقتها لمزيد من الضغط، ولا ننسى كيف قدمت إسرائيل نفسها في حرب العام الماضي بوصفها منقذا للإيرانيين من نظامهم الحاكم، ولا التهديدات العلنية التي أطلقها ترامب لإرباك النظام الإيراني، فالحقيقة هي أن مثل هذه الأنظمة تنتظر بلهفة سقوط النظام، ليس من أجل عيون الإيرانيين ولا من أجل حقوقهم وحصة تمثيلهم السياسي في الحكومة والبرلمان، فهذه هي الأنظمة نفسها التي ظلت تدعم وتدافع عن نظام الشاه البهلوي البوليسي حتى سقوطه في يوليو ١٩٨٠م.

لا شك أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تمكنت من إنجاح تجربة الحكم الإسلامي المعاصر، وولاية الفقيه، رغم التحديات، وهذا النجاح السياسي أثار الكثير من قلق الأنظمة العربية والإسلامية من سعي المذاهب الأخرى والقوى الدينية الاجتماعية لتجارب مشابهة، وكثير من الحركات الإسلامية في عالمنا لا تخفي سعيها للسلطة، ولعل التوازن الاجتماعي والشعبي هو الفيصل، إضافة بالطبع لعسكرة الدول الشرقية وأجهزتها الأمنية، ومع ذلك فإن النظام الذي يحكم سوريا اليوم ليس إلا نسخة معاصرة من مسعى الحركات الإسلامية، وذلك بكسب التأييد الإقليمي والدولي، ومن مفارقات القدر أن نظام البعث السوري يخلفه نظام شبه إسلامي، وإذا كان الشاعر والسجين السياسي فرج بيرقدار كتب في مذكراته عن السجن والتعذيب مرة يقول: «يغدو من المشروع تمامًا أن لا يرى المرء أي فرق جوهري بين كلمتي (سوريا) و (سوريالية)». فإن واقع اليوم يبدو أكثر سوريالية.

لا فائدة ترتجى من النواح على الماضي وندب الحظ غير بط الجراح، ونحن أحوج اليوم إلى التئامها وإلى لمّ الشمل وتوحيد القوى بدل إثارة النزاع، فهذه المنطقة تبدو مثخنة اليوم بالجراح في كل جزء منها، غير الجراح الطرية، وعلاقاتها البينية أصبحت في فوضى تهدد بخطر محدق وضعف عميق يهز أركانها، وما كان لدولة مثل إسرائيل أن تستجرئ على مواصلة جريمتها وسط منطقة أكثر قوة وتماسكًا، واليوم لا تهدف إسرائيل من عدائها لإيران إلا لمزيد من إضعاف المنطقة وترسيخ هيمنة نظامها العدائي، بل وتسعى بشكل ممنهج وصريح إلى خلق منطقة من الفوضى والخلافات والحروب والثورات والقلاقل من أجل أن تبدو وحدها، رغم عنصريتها، الواحة الساكنة والمطمئنة.

إذا كنا استعدنا الكواكبي، فإن الكواكبي رحل عن عالمنا منذ أكثر من مائة عام، وكان كتابه موجهًا آنذاك ضد الحكم العثماني واستبداده، ولو أن الكواكبي عاد اليوم ليرى ويشهد ما يحدث في حلب اليوم لهاله الأمر ولاستعظم الخطب. والسؤال الذي يعيد نفسه هو إلى متى نفشل في تأسيس أنظمة سياسية أفضل؟ وكم سيستغرق الوقت بإنسان هذه المنطقة ليدرك أن هناك حلولًا أأمن وأسلم وأفضل وأجدى من أساليب العنف والتغيير بالقوة؟ وإنسان هذه المنطقة لا يعني شعوبها فحسب بل وأنظمتها الحاكمة، وإذا كانت المسؤولية اليوم تحتكرها الأنظمة فهي التي على عاتقها أن توجد بسرعة أنظمة يتمكن فيها الإنسان من الاحتجاج والاعتراض بطرق حضرية قانونية، بدل أن يضطر الناس للاحتجاج بصدورهم العارية أمام القوات المسلحة، أنظمة يقتنع الناس بأنها تمثلهم وتعبّر عنهم، لا أنظمة يستشعر الناس أنها تعاديهم وتستفزهم وتترقبهم وتقمعهم.

إذا تذكرنا رواية ١٩٨٤ لجورج اورويل نجد تلك الطريقة العجيبة لانتقال الرسائل بسرعة فائقة بأنابيب الشفط، ونجد شاشات الرصد، ومكبرات الصوت، اليوم نعيش كل ذلك عبر هواتفنا المحمولة التي أصبحت هي الأنابيب وشاشات الرصد والمكبرات، وفيما تنشد الأنظمة مزيدًا من التحكم والسيطرة والمراقبة ينزع الإنسان بطبيعته وفطرته نحو حريته، ولعل من أهم ما يلفت اورويل انتباهنا إليه في رائعته هو العلاقة بين الناس والأنظمة الشمولية أنها تسعى لتجهيلهم، «لم يكن من المرغوب فيه أن يكون لدى عامة الشعب وعي سياسي قوي؛ فكل ما هو مطلوب منهم وطنية بدائية يمكن اللجوء إليها حينما يستلزم الأمر» ولعل تلك هي خطيئتها القاتلة.

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني