في البدء نقف عند مقولة عظيمة قالها الشاعر الإيراني سعدي الشيرازي: "البشر أعضاءٌ في كيانٍ واحد خُلقوا من جوهرٍ واحدٍ وروحٍ واحدة. إذا ابتلي عضوٌ بالألم ستبقى الأعضاء الأخرى مضطربة. إن لم تتعاطف مع ألم الإنسان فلن تستطيع الاحتفاظ باسم الإنسان".
ومع ذلك فالبشر يخطئون كل يوم في حقوق بعضهم البعض، وكأن الأحياء يخوضون حروبا ضروس، وبعد انتهاء المعارك تكشف الأخطاء التي لا تغتفر، فيعود المعتدي ليدعي بأنه هو من يطبق مبادئ الإنسانية في تعاملاته تجاه الآخر، وبأن الظروف هي من أوصلته إلى هذه المواجهة غير المتكافئة من الطرف الآخر. ليس من مبادئ الإنسانية "القسوة " على الضعفاء، أو ارتكاب الأفعال المشينة التي ترقى إلى درجة "الجريمة ضد الإنسانية".
الجلاد الذي بيده العصا ليس كمن يتلقى الضربات على جسده، القوي دائما يفكر بأنه افضل حالا من الآخرين، وعالميا أصبحت الكثير من الشعوب تعاني من فقدان المعتدين عليها لكل معاني الإنسانية، فلو كان هناك مراعاة "للإنسانية " أو تفسير واضح لمفهومها النبيل لما أصبحت المعاناة جزء من فصول الألم والبؤس والشقاء.
الزعيم الهندي الراحل المهاتما غاندي يخبرنا بشيء واقعي عندما يقول: "يصبح الإنسان عظيماً تماماً بالقدر الذي يعمل فيه من أجل رعاية أخيه الإنسان"، وتُعبّر قوله عن أن قيمة الإنسان تكمن في خدمته ومساعدته للآخرين، وليس بعكس ما يفعله من اعتداءات وسلب للحقوق والحريات.
الأقوياء يصمون آذانهم عن سماع أصوات الاستغاثة؛ لذا لا يهم أن يموت الآلاف تحت ركام المباني، أو تلقى بجثثهم في الشوارع لتنهشها الحيوانات، ثم ينتفض العالم ويعقد اجتماعه العاجل، ليتحدثوا فيما بينهم عن "الإنسانية التي يجب أن تسود"، وأمام الصور الموثقة والأدلة الدامغة والحقائق الواضحة "لا يحرك الكبار ساكنا "، بل يشرعون في تقديم خطب التنديد والشجب دون أن اكتراث بما حدث وكأن الأمر لا يعنيهم؛ لهذا تشعر الشعوب المستضعفة بنوع من الانهزام النفسي وخيبات للرجاء.
المجتعمون يضعون كل أوراقهم في ملفات كتبت على صدرها "المصالح أولا"، ثم يتقاسمون الكلمات، بعضهم يعرب عن قلقه أو حزنه دون أن تسقط دمعة واحدة تروي قبر طفل قتل بدون أن يعرف جرمه أو السبب الذي أوصله إلى هذه النهاية.
القوى العظمى لا يهمها أن يموت مئات الآلاف، كل ما يهمها أن تظل تراقب الأوضاع دون اكتراث بأن ثمة ضحايا يسقطون في كل لحظة. في نظرهم "القاتل والضحية" وجهان لعملة واحدة. في معتقد البشرية هناك مقولة جميلة تقول: "الندم الحقيقي الذي يبديه الناس تجده حاضرا في المقابر فقط، والدموع الحقيقية تجدها في الجنازة الطويلة، أما الدعاء من القلب تجده في المستشفى حيث الأنظار تشخص في نبض يصعد، ثم يعود ليهبط سريعا، ثم يصمت كل شيء. الحقيقة أننا بكل بساطة لا نعرف قيمة بعضنا إلا في النهايات. ومع الأسف نكرر الجرائم وكأننا نبعث الحزن من جديد".
نحن لا نعلم الغيب، ولا نجيد تحريك الأشياء التي تخبئها النفوس، فكما يقال: " القلوب كالبحار قد تبدو جميلة، لكن الأمان فيها متروك لما تخبئة الأعماق".
ولهذا كان للمناضل الراحل نيلسون مانديلا وجهة نظر تؤكد "أن حرمان الناس من حقوقهم الإنسانية هو بمثابة تحدي لإنسانيتهم ذاتها"، وهذا القول يدفعنا أيضا إلى الاتفاق التام مع رؤية جبران خليل جبران: " منبر الإنسانية قلبها الصامت، لا عقلها الثرثار".
نحن متأكدون أنه "عندما تقسو القلوب لا مكان للإنسانية، بل تصبح المشاهد عبارة عن صخرة جامدة ملقاة على قارعة طريق، لا يهتم بها إلا من أراد تحريكها من مكانها، كذلك الأقوياء لا يهمهم أن يسقط بأفعالهم الضغفاء، بل يواصلون مسيرهم نحو ارتكاب جرائم أخرى جديدة".
لذلك نصفق لمن أخبرنا يوما بشيء مهم ألا وهو أننا "لن نصل إلى الإنسانية الحقيقية إلا عندما يفتح العالم عينيه الاثنتين، ويكفّ عن النظر بعينٍ واحدة!".