حتى وقت قريب لم أكن أهتم كثيرًا بالحديث عن التقاعد، ولكن ما إن بدأ العدّ التنازلي لوصولي إلى سن الستين عامًا، أصبحت أشعر بأن هناك حاجة ماسّة للانضمام إلى ركب المستعدين للخروج من الوظيفة بهدف مواجهة الرياح العاتية، وتحمل أعباء الخروج من العمل، سواء كانت الاقتصادية أو النفسية.
وطالما أن هذا القدر آتٍ لا محالة، فدعونا نسأل: هل يمكن للتقاعد أن يجعلنا نفرح لأننا سنستريح قليلًا من روتين العمل الذي امتد طويلًا لسنوات، أم علينا أن نقلق كثيرًا من أمواج تنتظرنا في مكان آخر، خاصة وأننا نعلم بأن نسبة الاستقطاع من الراتب الشهري سوف تؤثر سلبًا على الميزانية العامة للأسرة؟!
ما بين تفكير عميق، وخوف مرتقب من مواجهة صعوبات الحياة التي تزداد يومًا بعد آخر، والإيمان المطلق بأن لكل شيء في الحياة محطة نهاية مهما طال الوقت، فإن القدر المتأخر لا بد أن يأتي، حتى وإن لم نكن نريده أن «يصل إلينا»، على الأقل خلال هذه الفترة التي تحاصرنا فيها بعض الالتزامات الأسرية.
مع الوقت بدأت أُدرك أشياء كانت غائبة عن محيط تفكيري؛ فلم أكن أهتم كثيرًا بالضغط النفسي الذي يواجهه البعض، ولم أكن أتأثر بشيء عندما كنت أودع زميل عمل أو صديقًا في مكان آخر خرج لتوه إلى دفة التقاعد، بل كنت أخبره بأنه سيبدأ حياة جديدة، لكنني لم أكن أعلم كيف سيدبر حياته، ولا طبيعة المرحلة الانتقالية التي سيخوضها عما قريب!
الآن اتضحت لي بعض الصور المبهمة، لذا أشعر بأن الموظف الذي اقترب من عتبات التقاعد شأنه شأن أوراق الشجر التي يعصف بها فصل الخريف لتسقط من أغصان الأشجار اليابسة، وبتّ أسأل نفسي: ما هي أبجديات النجاح بعد التقاعد؟!
رأسي ممتلئ بالأفكار، من بينها أن هناك يومًا طويلًا ينتظرني منذ الصباح الباكر، والتزامات يجب أن تُدفع يوميًا وشهريًا، وأعباء إضافية يجب مصادقتها والتعامل معها بلطف حتى لا تتهاوى أركان الصمود. هذا ليس نظرة سوداوية، بل هو مصارحة لواقع يجب التعايش معه والعمل على مواجهته.
الحياة تمضي، والأعباء الحياتية تزيد، والراتب التقاعدي سيقف متجمّدًا في مكانه عند الرقم المحدد له. ربما هذا الأمر يشعرني بنوع من القلق المبرر!
ترى، ما الذي يمكن أن ينتظر الإنسان ما بعد الستين عامًا؟ وهل هي مرحلة بداية النهاية أم أن للقدر رأيًا آخر؟! عندما أبلغ من العمر الستين، أُدرك أن ما تبقى ليس كما مضى! هي ليست لحظة ضعف أو تشاؤم أو انكسار، وإنما شيء لا مفر منه، ويجب الاستعداد له مبكرًا.
ترى ماذا يخبئ لي ولغيري القدر بعد أن أنهي كافة إجراءات التقاعد، ثم أجد نفسي خارج منظومة عمل كنت يومًا أحد طاقاتها؟ كل شيء سوف أفتقده لأنني لم أفكر سابقًا في هذا اليوم الموعود. حقيقة الأمر لا أعلم!
فالمتقاعدون صنفان من الناس: شخص منبوذ في بيئة العمل، هذا الشخص سيرى الوجه الآخر لزملائه بعد دقائق معدودة من إنهاء خدماته الوظيفية، وحتى قبل أن يبلغ عتبة باب الخروج! أما الشخص الآخر، والذي يمكن أن نعتبره «محبوبًا» من الآخرين، فلن يكون أحسن حالًا من سابقه، وهنا المفاجأة؛ إذ سوف يسقط كغيره من ذاكرة زملائه بعد مرور بضعة أيام، إن لم يكن بعد ساعات. إذن، ما الفرق بين الاثنين؟
لكن الفرق بين الاثنين يتمثل في التالي: الأول سيتجنب البعض الحديث عنه حتى لا يكتسب إثمًا أو يعكر صفو يومه، ومن رغب في ذكره بشر، فسوف يتذكر كل مواقفه السيئة ومعاملته الجافة البائسة مع زملائه. أما الثاني فسوف يُذكر بخير طالما لم يؤذِ أحدًا أو يهدم جسور الود مع غيره. ولذا عليك معرفة شيء مهم، وهو أن «خيرك وشرك دين... سترده لك الحياة قريبًا».
لكن القاسم المشترك بين الاثنين هو «النسيان»؛ فالأول والثاني سيشعران عاجلًا أم آجلًا بأن كليهما كان يعيش «وهمًا خادعًا». لذا لا تستغرب عندما يشكو لك زميل تقاعد منذ فترة، رغم أنه لم يؤذِ الناس من حوله، بسبب جفاء الزملاء وعدم سؤالهم عنه، والقطيعة التي يشعر بها. فكيف إذا كان شخصًا سيئًا وناقمًا ومؤذيًا للناس؟! ومع ذلك، سيشعر كل من يخرج من العمل بأنه قد وُضع في خانة «النسيان»، سواء في الذاكرة الشخصية الدماغية أو ذاكرة الهاتف الذكية!
من الحقائق التي لن تكتشفها إلا متأخرًا أن الوظيفة التي قضيت فيها عمرًا هي المصدر الأول للتوتر، بدلًا من كونها مصدرًا للرزق، وعندها تصبح الصحة هي الضحية الأولى والأخيرة. لذلك لا تستغرب عندما ينهار البعض بمجرد فقدانهم وظائفهم العالية ومناصبهم الرفيعة.
في نهاية الطريق ستعرف بأنك كنت يومًا تطارد خيطًا من دخان متصاعد لن تستطيع الوصول إليه، لأن رحيل العمر سيهزم كل قواك في الاستمرار. وتبقى النصيحة المهمة أن تستعد للخروج لتكمل مشوار الحياة بعيدًا عن توترات أو مضايقات أو تفكير مضاعف يرهقك أكثر من الأول.