تعتبر الكاتبة رنا العسلي من الوجوه السورية التي تحاول إثبات وجودها في عالم الأدب من خلال موهبتها وحرصها على تقديم ما يخدم المجتمع ويلبي ذائقة القارئ، ساعدها تحصيلها العلمي منحها مساحة واسعة في الكتابة عن تجارب تختص فيها والدخول إلى عوالمها بطريقة مبتكرة.

**media[3260179]**


حاولت أن استخرج أكثر ما فيها حول عدد من المواضيع الثقافية المهمة وخصوصا فيما يعنى بالمشهد الثقافي السوري وغيره فكان هذا الحوار وهذه الإجابات التي تعبر عن أراءها:
*تنوعت تجربتك الأدبية ما بين الرواية والقصة والنثر، ما الذي يحمل الكاتب على كل هذا التنوع...؟
ليس شرطا" على الكاتب التنويع لكني وجدت نفسي في ألوان الأدب عامة، وجدت نفسي في الرواية كبطلة لموقف وكرسالة حياة وكبيئة تضم المستقبل، ووجدت نفسي في النثر كأداة للتنفيس عن هواجس الفكر ومشاعر اللحظة ووجدانيات تضم ما يحيطنا في الحياة، ووجدت نفسي في القصة كموقف أرسمه بحروفي وأعالجه بطريقتي فكان التنويع بالنسبة لي أداة ورسالة.
فالأدب عموما" هو فن التعبير عن ما يحدث في داخلنا من تناقضات ومشاعر ويساعد على تبادل الثقافات وتهذيب النفس ورؤية العالم بشكل أفضل.
*قدمت برواياتك خط سردي فيه معالجات إنسانية تدور حول الطفولة ومعاناتهم، من ذوي الهمم، وربما هذا أتى من خلال تخصصك الدراسي في كلية التربية رياض الأطفال، ما الذي تريدين أن تمرريه عبر الرواية، وإلى متى ستبقين في هذا المسار، وهل هناك مشاريع جديدة مثلها...؟
يبقى الطفل مستقبلنا الذي نرجوه آمناً صديقاً حقيقياً وتبقى رسالتنا الأهم هي ما يحث الإنسان داخلنا على الظهور، القيم التي نحاول زرعها في الأطفال هي أشجار المستقبل وأمانه والحروب صنعت حاضراً مشوها نحن بحاجة إلى كل الوسائل لتغييره ومعالجته والكلمة ذات التأثير الأكبر فلتكن كلمة تحمل للقادم التأثير الإيجابي والتغيير السليم.
وفي المقابل هذا الطفل يحمل تحديات ويواجه تحولات مصيرية في حياته وهم بحاجة لكل مصدر للمعرفة والتحفيز والرعاية وهذا دورنا ككتاب في توعية المحيطين بهم ولفت نظرهم لسبل العناية بهم واستيعابهم بكل الطرق.
*الكاتب أبن المجتمع بلا شك، والكاتب المبدع من يلتقط خيوط حكاياته من الواقع بحلوه ومره وينسج منها أعماله، متى تخرج رنا العسلي من تلك العباءة...؟
رنا تنوعت بين الحاضر والخيال والمستقبل ورغم أننا أبناء الحاضر لكننا لا ننكر أن كتبنا وحروفنا خالدة لكل قادم ولكل موقف وحكاياتنا الواقعية هي حكايا مؤثرة مهما عالجناها بالخيال والحلول.
نحن نصور الحياة ونركز على القضايا التي يمثلها مجتمعنا ولو رسم الخيال بعض خطوطها، نخلق شخصيات على الورق ونعكس أدواتنا في مواجهة تحليل وتفكيك الداخل المعتم في الإنسان ولا ننكر دور من سبقونا كنجيب محفوظ وطه حسين وغيرهم في نقل الواقع بقضاياه المهمة والتي لامست وجدان العالم في كل مكان.
*روايتك "سنين المخاض" تنحاز للمرأة وفيها تجسيد للمعاناة في سنوات الحرب، هل استطاع الأدب أن يفي المرأة حقها ويصور مآسيها خلال ما جرى في سنوات الحرب المجنونة...؟
قدم الأدب العديد من القصص التي صورت المرأة في كل حالاتها، وقدم لها الحلول عن طريق الاضاءة على مشاكلها ونقاط ضعفها، أنار لها أيضاً سلبيات المواقف وإيجابيات التصرف الصحيح، صنعت الحرب سيدات مناضلات قويات صابرات وقفن بقرب الرجل والأبناء رغم تشوه المجتمعات وانهزام قيمها ونجحن في الصمود والتغيير.
وقد برز هذا النوع الأدبي الذي عبر عن معاناة النساء في العديد من الروايات السورية والفلسطينية والجزائرية والخليجية والأدب العالمي ونستطيع أن نقول أن المرأة صانعة للتاريخ حيث تجاوزت دور الضحية في الأدب وظهرت كعنصر مؤثر شهد التطورات والآلام ووثقت بأفعالها الحقيقة الإنسانية للأزمات.
*متى يكون الكاتب شاهدا على العصر، وهل المطلوب منه أن يكون كذلك وأنت القائلة "الرواية بالنسبة لي توثيق لأحداث من دون المبالغة في سرد الأحداث"؟
الكاتب شاهد وموثق وصاحب رسالة يبني بقلمه ويعالج بمرونة مواقفه التي يعالجها بصدق وجرأة، وكم من رسائل وصلتنا ممن سبقونا أوضحت لنا ما حدث عبر حقب زمنية معينة وسمحت لنا بمعرفة ثقافاتهم وتاريخهم، ونتمنى من كتاباتنا أن تصل لمن سيقرأنا في المستقبل بنفس الطريقة.
وهذا يشمل كل أنواع الكتابة فمن التوثيق للتحليل للتأثير تجد اكتمالا للوعي في ذاكرة الأجيال، وكلما كان صادقاً في جوهر شهادته كلما لامس قلب كل إنسان، وساعد كل تجربة انسانية بحل رموزها، وأثر فيها بحلول وأنماط تخرجها من طور الانهزام الى النجاح.
*تستحوذ الرواية على الحصة الأكبر من عالم الأدب في الانتشار والإقبال، كيف تتابع رنا المشهد الروائي العربي وهل بات يواكب الرواية العالمية...؟
نعم لقد نجحت الرواية العربية في الحضور العالمي بسبب عمقها وتأثيرها، وكمية ما تنهله من الواقع والتاريخ رغم ما تواجهه من تحديات في انتشارها، ومع ذلك فهي بحاجة لدعم أكبر عبر الترجمات لتعزيز حضورها وتجاوز العقبات التي تحد من ذلك الانتشار الذي نطمح له أن يكون أكبر، ولعل أبرز نقاط أدبنا العربي أصالته وعمقه الإنساني وتنوعه، ولذلك أحاول أن أتابع كل رواية تصل لجوائز مهمة، أحب الاطلاع على محتواها ورسالتها، وأحاول ككاتبة أن أتطور وتتطور أدواتي لأتماشى مع زمن يخيفني تطوره إلى الحد الذي يشعرني بأني ذات يوم سأفقد فائدتي أمام ما نراه من أحداث وتطورات، أخشى من عالم صناعي خال من المشاعر يستولي على إنسانيتنا وأتمنى واقعاً يحمل كتبنا مترجمة إلى كل العالم كي تصل رسالتنا وجدواها.
*تحدثت ذات يوم عن خيارات الكاتب في الكتابة والبحث عما يريده القارئ، هل الكاتب مطالب أن يكتب وفق ذائقة القراء، أم عليه أن يكتب ما يريد ووفق رؤيته للفكرة والنص ومعالجته له، وقد يروق لهذا أو لا يروق لذاك، وليس على مبدأ "ما يطلبه القراء"..؟
لا يوجد قارئ من نوع واحد وهذا ما جعل للكتابة طرقاً وأنواعاً عديدة، وعلى الكاتب معالجة كتاباته حسب قناعاته وتقديم مضمون يساعد القارئ، فهناك النصوص الأدبية التي تحمل هدف الترفيه أو التوثيق وغيرها وكل قارئ يختار ما يميل إليه.
فالكاتب يخاطب عقل القارئ ويعكس شخصيته وربما يحاول إرضاء القارئ عبر المتعة والفائدة، لكنه يكتب رؤيته، ولو تعددت أساليب الكتاب في طرح تجربتهم لكن النجاح هو في خلق جسر للتواصل مع أكبر شريحة من القراء.
*يعاني الكاتب كثيرا في موضوع النشر، وفي التكاليف التي يدفعها لترويج كتابه، كيف استطعت أن تخرجي بكتبك إلى النور...؟
هي ذات المعاناة، فلم يعد هدف دور النشر الكلمة الحقيقية والجودة بل بات الربح الهدف الأكبر لمعظمهم وليس الجميع كي لانظلم البعض وهذا ما سبب للكُتاب معضلة تبني كتبهم ومتابعة أمورها حتى أخر رمق. ولنصنع كتابا حقيقيا وجب على الدور التعاون الصادق مع الكتاب الصحيح والصادق ودعمه كي يصل بأفضل صورة وبذلك تهيء بيئة حقيقية لقلم صادق يستحق.
*قدمت في بواكير أعمالك كتبا نثرية، ومجموعات قصصية قبل أن تطرقي باب الرواية، هل يمكن اعتبار هذا بمثابة المسار التصاعدي للتمكين والثبات في معترك الرواية التي تتطلب مستلزمات أكثر...؟
مسألة التقديم والتأخير لم تكن مقصودة، كانت صدفة بحتة، فلقد بدأت بطباعة أول ديوان نثري ضم خواطر وجدانية كتبتها في المرحلة الثانوية، ثم بدأت بالتوجه للقصص والروايات حيث فزت بأول قصة قصيرة في مهرجان همسة الدولي في مصر، وتوالت بعدها نجاحاتي في هذا النوع وقمت بطباعتها، لذلك أجد أن المسار التصاعدي لم يكن مخططا له لكنه أسعدني.
وقد وصلت الينا كتب ليوسف إدريس حيث كتب القصة القصيرة والرواية وهناك من كتب من العرب القدامى المقامات والرسائل وجذبوا القارئ في ما قدموه من النوعين الأدبيين.
*تكتبين النثر، وفي هذه المسألة هناك من يقول أنه هروب من بحور الشعر وقوافيه، واستسهال في الكتابة، وقلت انه الطريق الأسهل للتعبير ماذا تعنين بذلك..؟
لا تعتقلك الكلمة في النثر كما تفعل في عالم البحور، لا تضطر لتغيير كلمة بأخرى لتناسب الوزن، أحب كلامي طيراً حراً يختار ما يشاء من المعاني ليصل بقصيدتي الى بر الجدوى.
*لم تطلقِ على نثرياتك شعرا خوفا من النقاد الذين يشككون بهوية هذه القصائد كما تقولين، هل يجب على الكاتب أن يخاف مواجهة الناقد، أم للنقد جوانبه المفيدة للكاتب..؟
أفضل النقد البناء الذي يثري تجربتي ويقومها بشكل مدروس، وأسعى دوما للحصول عليه من أساتذة ومهتمين، ويسعدني كل حرف ينم عن اهتمام بتجربتي ويدفعها للأمام. فالنقد تقييم موضوعي لكشف نقاط القوة والضعف يقدم الرؤى التحليلية مستندا على معرفة ومنهج بمعايير محددة لكل نوع أدبي فيساعد في التطوير بعيدا عن التحيز والانتقاد السلبي.
لديك تجربة في التقديم التلفزيوني، كيف كانت، ولماذا لم تستمري فيها..؟
كانت تجربة جميلة أحببتها وكونت لدي فكرة عن مصاعب العمل خلف الكاميرا وخلف الكواليس وكم نحاول الصمود ليكون ظهورنا مبني على مقدرة ناجحة وقبول لدى الآخرين وأتمنى أن أعيد تلك التجربة لما حققته في داخلي من أثر إيجابي.
*حاولت الدخول إلى المعترك الدرامي، وكما عرفت أنك لم تستطيعي ذلك بعد أن قدمت "سنين المخاض" وعمل آخر باللهجة المحكية، ماهو السبب، وهل ستعاودين المحاولة أم لا..؟
فقدت الشغف دراميا، وليس السبب استسلام، بل عدم العناد مع واقع مبني على المعارف والشللية والاسم المشهور وغيرها من الأسباب، تجربة ممتعة أظن أني أحتفظ بها في ذاكرتي كمرحلة انتقالية بفكري وطموحي لكنها لم توقفني أبدا، بل حددت أهدافي في عالم الكتابة أن لا أحارب إلا من أجل الصدق والحقيقة، وعالم الدراما مبني على الكثير من التناقضات التي لا تشبهني.
*وجودك في الإمارات العربية جعلك ربما على مسافة قريبة من الأدب الخليجي، كيف تلمست المشهد الثقافي هناك..؟
أفخر بوجودي هنا، مجتمع يقدس الكلمة، يوظف الإمكانيات لأجلها، يشجع الكتاب من كل الدول ويمسك بيدهم لينهض بهم ويدعمهم مهما كانت جنسيتهم . أدبهم ممتد من واقع لمسوه، وتجارب عاشوها، التنوع الثقافي في هذا البلد يمنحك مساحة لا حدود لها من الأفكار والإمكانات والثقافات وهذا الأمر ساعدهم في ربط الأفكار بالمواقف ولفت نظري تركيزهم على إرث تاريخي يتوارثونه كتبا وحياة كي لا تنس الأجيال ما زرعه الأجداد.
* ماهو جديدك القادم في عالم الأدب..؟
بين يدي ثلاثة كتب، رواية ومجموعة قصصية وكتاب نثري بعد أن أصدرت منذ أيام أول مجموعة للأطفال، وأتمنى أن تكون إضافة للمكتبة العربية التي أفخر في الانتماء إليها.

**media[3260183]**