الأخلاق في الإسلام هي الركيزة التي قام عليها الدين، والميزان الذي تنتظم به علاقة الإنسان بربه وبالناس وبالكون من حوله؛ فهي روح الشريعة الإسلامية ولبّ دعوتها، ومحكٌّ صادق لصدق الإيمان وحضوره في واقع الإنسان والمجتمع.
في هذا الحوار نفتح ملف «الأخلاق في الإسلام. العودة إلى جوهر الرسالة» مع الدكتور أحمد بن عبيد التمتمي أستاذ مساعد بكلية العلوم الشرعية الذي يتناول مركزية الأخلاق في القرآن الكريم والسنة النبوية، ويعيد قراءة حديث «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق» بوصفه مفتاحًا لفهم مقاصد الشريعة ومنظومتها القيمية الشاملة، كما يناقش دور الأسرة والمؤسسات في غرس القيم، والتحديات التي تفرضها التحولات الإعلامية والفكرية المعاصرة، ويستعرض شواهد تاريخية تؤكد أن الأخلاق كانت ولا تزال أعظم أدوات بناء الحضارات وانتشار الإسلام.
•الدكتور أحمد كيف نفهم مركزية الأخلاق في القرآن والسنة؟
تمثل الأخلاق جوهر رسالة التوحيد والقيم الإسلامية التي بني عليها الدين القويم، والمتأمل في القرآن والسنة يجد أن الأخلاق أخذت مساحة كبيرة من النصوص القرآنية والسنة النبوية الدالة على مكانة الأخلاق ومركزيتها في الإسلام، ومن أمثلة ذلك في القرآن: أن الله عندما أراد مدح نبيه ﷺ اختار أن تكون الأخلاق هي أعظم ما يزكى ويمدح به، فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
ونجد من دلائل ذلك أن الله بدأ بالتزكية قبل التعليم في ذكر نعمه على عباده بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وقوله سبحانه ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
والأمر في السنة كذلك؛ فالأحاديث الدالة على عظم الأخلاق كثيرة جدا. من ذلك أن حسن الخلق من أسباب دخول الجنة، فعن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ- كما عند أبي داود وابن ماجة وغيرهما- عن رسول الله ﷺ قَالَ: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه». ومنه أن خيار المؤمنين هم أحاسنهم أخلاقًا؛ فعن مسروق-كما في الصحيحين وغيرهما- قال: كنا جلوسًا مع عبد الله بن عمرو يحدثنا؛ إذ قال: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا، وإنه كان يقول: «إن خياركم أحاسنكم أخلاقًا»، ومنه أيضا-كما عند البخاري والترمذي وغيرهما- أن من أحب المؤمنين للنبي ﷺ وأقربهم إليه أحاسنهم أخلاقًا، فعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقا» ومنه أن حسن الخلق من القربات التي ترفع بها الدرجات، فعن عَنْ عَائِشَةَ-كما عند أبي داود وغيره-، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم»
ويكفي قوله صلى الله عليه وسلم:-كما عند البيهقي وغيره-: « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » دليلا على مركزية الأخلاق و عناية الإسلام بها، فجعلها من أسباب بعثته صلى الله عليه وسلم.
ولك أن تتأمل رد أبي سفيان على هرقل عندما سأله عن دعوة الإسلام- وأبو سفيان كافر بها- فقال هرقل لأبي سفيان: ماذا يأمركم؟ فقال أبو سفيان: (يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة).
فتأمل كيف قرن الصدق والعفاف وصلة الرحم بالصلاة، فلم تكن دعوة الإسلام للعبادات بمعزل عن الأخلاق بل هي دعوة جوهرها يدور حول الأخلاق.
• ذكرت حديث النبي صلى الله عليه وسلم «إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق»، فما دلالة هذا الحديث؟
إنما من أدوات القصر والحصر كما هو معلوم في اللغة، وحقيقة الأمر أن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام ما هي إلا إتمام لمكارم الأخلاق؛ لذلك عبر النبي صلى الله عليه وسلم بالمفعول لأجله (متتما). وقد يستغرب البعض من هذا الكلام فيقول: هل كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من تشريعات يدور حول الأخلاق حتى يقال بهذا ؟ وهل مقاصد الشريعة كلها تدور حول المنظومة الأخلاقية؟ والجواب نعم، وإنما نشأ هذا الاستغراب من ظن البعض أن الأخلاق جانب ثانوي أمام العبادات، وهذا ظن خاطئ.
فأنت لو تأملت لكل الأوامر الربانية في القرآن والسنة ستجد أنها تمثل جانبا من جوانب الأخلاق، فهناك أخلاق بين العبد وربه، وأخلاق بين المسلم والمسلم، وأخلاق بين المسلم والكافر، وأخلاق بين المسلم والكون كله.
فمنظومة الأخلاق تمثل العلاقات البشرية والكونية، ولا يمكن أن تحصر في العبادات فقط، فتوحيد الله وتحقيق عبوديته، والمعاملات المالية، والعلاقات الاجتماعية، والأنظمة القانونية، وغيرها كل هذه لا تنفك عن منظومة الأخلاق، ولك أن تأمل كل الأحكام الشرعية، وستجد يقينا أنها تدور حول منظومة الأخلاب. ومن هذا التصور الصحيح للأخلاق يجب على المسلم أن يراجع نفسه؛ لينظر هل حقق في نفسه هذه المنظومة؟
•برأيكم كيف يمكن للإنسان وسط هذا الكم من التشويش الإعلامي والتفاوت القيمي أن يبني “بوصلة أخلاقية” ثابتة توجه سلوكه؟
سؤال جيد. يكمن السر في التمسك بكتاب الله والسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالمسلم إن تمسك بكتاب الله الخالد لن ينحرف عن الطريق المستقيم، وسينشأ على منظومة خلقية ثابتة لا تتغير بتغير المصالح والأهواء.
وخذ بكتاب الله حسبك إنه دليلٌ مبينٌ للطريق خفيـــرُ
فما ضل من كان القرآن دليلهُ وما خاب من سيرَ القرآن يسيرُ
تمسَّك به في حالة السخط والرضا وطهّـــر به الآفـات فهو طهورُ
ولك أن تتأمل كيف انحرفت البشرية في أخلاقها لما بعدت عن الدين واحتكمت إلى منطق القوة الغالبة، والأفكار المنحرفة، فصار الحق باطلا والباطل حقا.
ومما يعين على ذلك معرفة سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأخذ العبر والفوائد منها. ومما يؤسف له أن كثيرا من شباب المسلمين لم يقرأوا كتابا واحدا في سيرته-صلى الله عليه وسلم-، ولم يتعرفوا عليه من قرب.
وعلى المسلم ألا يستقي علمه وأخلاقه وقيمه من وسائل الإعلام؛ فهي في غالبها موجهة نحو أهداف معينة يريدها أصحابها، وإنما يأخذ قيمه وأخلاقه من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآثار السلف الصالح.
وما جهله المسلم من ذلك فليرجع فيه إلى من أمر الله بالرجوع إليهم، وهم العلماء الراسخون ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
•ما الدور الذي يجب أن تقوم به الأسرة في غرس الأخلاق؟ وما أهم الأخطاء التي تقع فيها في هذا الجانب؟ وما الدور الذي يمكن أن تسهم فيه المؤسسات الرسمية؟
للأسرة الدور الأبرز في غرس الأخلاق؛ فالطفل ينشأ على ما رباه أبواه؛ لذلك وجب على الوالدين تربية أبنائهما تربية دينية خلقية تنجيهم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ وكيف يقي الإنسان أهله إن لم تكن النشأة على أخلاق وقيم الدين.
ويحذر النبي صلى الله عليه وسلم الوالدين من أثر التربية على الأبناء بقوله-كما هو في الصحيحين وغيرهما- «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، أو يمجسانه »؛ فالإنسان يولد على الفطرة الحق التي فطر الله الناس عليها، ثم يحصل التغيير بسبب تربية الوالدين.
ومن أكبر الأخطاء التي ترد في هذا الجانب أمران:
الأول: الانفصال ما بين التوجيه والتطبيق؛ فيرى الولد أن والديه يأمرانه بالأخلاق الحسنة، لكنه لا يرى تطبيق ذلك فيهما، فمثلا: يأمره والداه بالصدق وهما يكذبان. وقد يكون كذبهما غير مقصود بمعنى أنهما لا يعدانه كذبا كأن تقول الأم لطفلها: تعال أعطيك كذا، ولا تعطيه، فليس في نيتها إعطاؤه؛ لأنها لم ترد ذلك، وإنما أرادت أن يرجع إليها فقط، ولم يفت النبي صلى الله عليه وسلم أن ينبه على خطأ هذا السلوك؛ فعن عبد الله بن عامر-كما عند أبي داود وغيره- أنه قال: دعتني أمي يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا، فقالت: ها تعال أعطيك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما أردت أن تعطيه؟» قالت: أعطيه تمرا، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إنك لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة».
الثاني: ترك الأبناء لوسائل التواصل والترفيه، خصوصا الإنترنت والألعاب الإلكترونية؛ فيستقي الأبناء كثيرا من السلوكيات الخاطئة المخالفة للأخلاق، ولا ينتبه الوالدان إلا بعد فوات الأوان، فكم من ذرية نشأت على مقاطع اليوتيوب ووسائل التواصل والألعاب الإلكترونية، فظهر فيها انحرافات فكرية متعددة.
على أن هذه الوسائل يتاح فيها آلية رقابية للوالدين يستطيعان من خالها التوسط بين الإعطاء والمنع مع مراعاة السن المناسب للأمرين.
أما عند دور المؤسسات الرسمية وغيرها فإن دورها كبيرها والمسؤولية التي عليها أكبر فعلى هذه المؤسسات أن تركز على موضوع الأخلاق الإسلامية كالمقررات الدراسية في المدارس والجمعات والكليات، ولا يكتفى بمواضيع متقطعة يقتصر فيها على بعض الأخلاق، بل ينبغي أن تكون مادة مستقلة تكّون منظومة فكرية للطلاب، وليس هذا بالعسير؛ فكلية العلوم الشرعية -مثلا- أقرت مادة( الأخلاق الإسلامية).
كما ينبغي أن تستثمر منابر الجمعة والمحاضرات والندوات للتركيز على قضية الأخلاق، وهذا ما تفعله بعض المؤسسات بين وقت وآخر، ولكن نحتاج إلى مزيد من بذل الجهود لحماية المجتمع وصيانته من أثر التيارات الفكرية الضالة.
ومن الناحية القانونية ضبط التشريعات القانونية التي تحمي القيم والأخلاق، ولا يعني هذا عدم وجودها فهي موجودة، ولكن مراجعتها للنظر في كفايتها مع التطورات الحادثة والتي تتسارع مع تسارع التطور التقني.
•هل يمكن القول بأن حسن الخلق معيار حقيقي للدين أكثر من كثرة الشعائر؟ وكيف نفهم النصوص التي تدل على مساواة فضل الأخلاق للعبادات؟
لا يمكن الفصل بين العبادات والأخلاق؛ فالقول بأن العبرة بالأخلاق دون العبادات كلام باطل مبني على فصل الأخلاق عن الدين، وهذا لا يمكن أن يكون؛ فالأخلاق كما أسلفت تكون بين العبد وربه كما تكون بين الإنسان والإنسان، فكيف يكون المرء-مثلا- ذا خلق وهو سكير أو تارك للصلاة بحجة أنه بار بوالديه أو المجتمع فأين بره بربه؟! وكيف يوثق فيمن لا يخاف الله في ذاته أن يخافه في عباده؟!
كذلك لا يمكن أن يكون المرء مؤمنا لأنه يصلي ويصوم ويحج ويزكي فقط وهو تارك للأخلاق، وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه القضية؛ ففي الحديث عند أحمد وغيره عن أبي هريرة، قال: قال رجل: يا رسول الله، إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها، وصيامها، وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: «هي في النار».
أما النصوص فإنها لا تتعارض، بل تتكامل فلا يمكن اقتصاص نص وإخراجه من سياقه، بل مرجع ذلك إلى الجمع بينها؛ فكلها من وحي واحد غير متعدد فلا تعارض، ولا يوجد نص في الأخلاق يتعارض مع نص شرعي آخر، ولعل الوهم سرى عند البعض من أحاديث فضائل الأخلاق -وقد سبق ذكر بعضها-، وفضلها هذا لا يعني أن يترك غيرها من الواجبات، وإلا أمكن أن يقال هذا في العبادات أيضا كالصلاة والحج والصيام والزكاة، فمن حج فلا حاجة إلى أن يصلي، ومن صلى فلا حاجة إلى أن يصوم، ولا قائل بهذا ولا يوجد مدخل استدلالي من دلالات الألفاظ لفهم هذه الفكرة الباطلة.
وهذه الدعوى الباطلة تذكرني بمقولة من يقول: الإيمان في القلب، وصاحبها مخالف لأمر الله؛ فهذه كلمة حق أريد بها باطل، نعم الإيمان في القلب، لكنه إن صدق ظهر أثره في السلوك، وما عدا ذلك فدعوى باطلة. قال تعالى: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾.
•في التاريخ كيف أسهمت الأخلاق في بناء الحضارات الإسلامية وانتشار الإسلام؟ وهل يمكن أن يُعاد ذلك اليوم؟
نعم وهذه محل إجماع بين كل المسلمين، ولهذه القضية نماذج كثيرة نكتفي فيها ببعض النماذج من التاريخ العماني: ومنها دخول الإسلام إلى عمان، فلم يدخل الإسلام إليها بقوة السيف، بل لما علموا من أخلاق الإسلام ودعوته الحقة وعدالته الاجتماعية، فلما جاء رسولُ رسولِ الله-صلى الله عليه وسلم إلى عمان- أسلم العمانيون طواعية دون حرب، ولا شك أن قبولهم للإسلام دون حرب عن قناعة به قناعة نشأت من عدالة الإسلام وما يدعو له من حسن الخلق، فنشأت دولة عمانية بنيت على أخلاق الإسلام وعدالته.
هذا نموذج التأثر. ومن نماذج التأثير: الشيخ أبو عبيدة الصغير عبدالله بن القاسم البسيوي العماني من علماء النصف الأول من القرن الثاني الهجري؛ فقد سافر إلى الصين عام 133 هجريا. كانت أخلاقه سببا من أسباب انتشار الإسلام في الصين في تلك الفترة، ولا أدل على ذلك من أن إمبراطور الصين في ذلك الوقت وهو (سون سين زون) لقب الشيخ عبدالله بجنرال الأخلاق.
ومن أمثلة ذلك أيضا قصة الشيخ أحمد بن إبراهيم العامري مع ملك أوغندا؛ فقد حضر وقت تقديم القربان للآلهة المزعومة، فاعترض الشيخ بشجاعة على هذا الصنيع مخاطبا الملك بكلمة التوحيد، وذكره أن هؤلاء البشر خلق من خلق الله الواحد الأحد خالق الكون، وعرفه بالله وإثبات وحدانيته سبحانه، وكرر عليه الموعظة حتى اقتنع الملك، ودخل في الإسلام، ومن بعده بلاده والمناطق المجاورة لها.
ومن أمثلة ذلك الرحالة والتجار العمانيون لأفريقيا؛ فقد كانوا سببا بارزا في دخول الإسلام لكثير من شعوبها ومناطقها، وما زالت تلك القبائل العمانية حاضرة في تلك الدول إلى الآن، ولم يكن هذا الانتشار بقوة السيف؛ فقد كانوا فرادى لم يخرجوا بجيوش، وإنما كان السبب الحقيقي ما رآه ذلك المجتمع من تطبيق عملي للأخلاق الإسلامية.
ولا يخفى على أحد أن عمان أسست دولة في إفريقيا، ولم تكن بذرة تلك الدولة عن قوة وكثرة عدد، بل الأخلاق وحسن المعاشرة التي جعلت شعوب تلك المناطق ترضى بحكام عرب من خارج بلادها.
أما عن عصرنا فالواقع أكبر شاهد على ذلك؛ فانتشار الإسلام في بقاع الأرض ودخول الناس في دين الله أفواجا كان لأسباب من أهمها الأخلاق الإسلامية، ولك أن تنظر إلى الأعداد التي دخلت الإسلام بعدما تعرف الناس على الإسلام وأخلاقه في قضية الصور المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، ثم قضية غزة العزة، وكيف تحول التشويه الإعلامي المنهجي من قبل أعداء الإسلام إلى صفارة إنذار نبهت شباب العالم أجمع، ودعتهم للبحث عن الحقيقة، وكيف أثر صمود أهل غزة وتعاملهم مع الأسرى بأخلاق الإسلام في نشر الإسلام والتعريف به وأخلاقه، بل تأمل اعترافات أسرى الصهاينة عن أخلاق المقاومين وكيف تعاملوا معهم بخلاف ما كانوا يتصورنه عن المسلمين.