طريقة مُـهمَـلة لسد الفجوات الصحية في أفريقيا

نديدي أوكونكو نونيلي - إيكوسوهي إياهين

في كل عام، ينزلق ملايين الأفارقة إلى براثن الفقر لمجرد إصابتهم بالمرض. فقد يتسبب حمل عالي الخطورة، أو عدوى الملاريا، أو عملية جراحية غير متوقعة في دفع أسرة بأكملها إلى حافة الهاوية، لأن دولا أفريقية عديدة تعاني من عجز في تمويل الرعاية الصحية.

والأسباب وراء هذه الفجوات معروفة جيدا: نقص الاستثمار المزمن، والحيز المالي المحدود، وأسواق التأمين المجزأة، ونظام تنمية دولي يركز على الاستجابة للأزمات أكثر من تركيزه على منعها. ورغم أن قادة العالم تعهدوا مرارا وتكرارا بتوفير التغطية الصحية الشاملة، تظل أسر أفريقية عديدة مضطرة إلى دفع تكاليف الرعاية الصحية من جيوبها الخاصة، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى وقوعها في ضائقة مالية أو الاضطرار إلى الاستدانة لمجرد طلب الرعاية الطبية.

لكن الأمر ينطوي على قصة أخرى تستحق قدرا أعظم من الاهتمام. يمول الأفارقة بالفعل حصة كبيرة من الحماية الاجتماعية في القارة، ليس من خلال الميزانيات العامة أو أموال المانحين، بل عن طريق التزامات استثنائية من مجتمعات المغتربين في الشتات. في السنوات الأخيرة، أرسل الأفارقة في الخارج أكثر من 100 مليار دولار في هيئة تحويلات مالية، متجاوزين بذلك مجموع الاستثمارات المباشرة الأجنبية ومساعدات التنمية الرسمية مجتمعة. هذه التحويلات ليست مجرد أفعال محبة ومسؤولية اجتماعية. إنها محرك اقتصادي لا يحظى بالتقدير الكافي وخط حياة أساسي تعتمد عليه ملايين الأسر. بيد أن الاعتماد على التحويلات المالية يسلط الضوء على فشل المؤسسات الرسمية في أفريقيا. على الرغم من تحسن النتائج الصحية على مدار العقدين الأخيرين، لا تزال المدفوعات النقدية تشكل ما يصل إلى 40% من إجمالي الإنفاق الصحي في كثير من البلدان الأفريقية. في الوقت ذاته، تنامت التحويلات المالية على نحو مضطرد وثابت؛ وهي على عكس المساعدات، تذهب مباشرة إلى الأسر، لتتجاوز بذلك البيروقراطية والتقلبات السياسية.

ومع ذلك، تظل إمكانات هذه التدفقات غير مستغلة بشكل كامل. فهي لا تصل عادة إلا بعد أن تدفع حالة طبية طارئة الأسرة إلى أزمة ــ عندما تكون الفاتورة ارتفعت إلى خارج نطاق السيطرة، أو عندما يكون أحد أفراد الأسرة في صراع مع الموت ــ بدلا من تجميعها أو تنظيمها على النحو الذي يسمح ببناء أنظمة صحية مستدامة.

يتمثل الحل في ابتكار طريقة لتحويل التحويلات الطارئة الحالية إلى أداة تمويل صحي أكثر ديمومة. لهذا الغرض، اجتمع فريق عمل يضم خبراء بارزين في تمويل الصحة، والإبداع في مجال التأمين، بمشاركة المغتربين، والدعوة العالمية، كجزء من مبادرة 17 غرفة لتطوير ما نسميه مبادرة HealthBridge (جسر إلى الصحة).

تعيد المبادرة تصور التحويلات المالية إلى أفريقيا ليس باعتبارها حوالات طارئة، بل كأساس لتمويل الرعاية الصحية الاستباقية. والفكرة بسيطة: إنشاء آلية تسمح لمجتمعات المغتربين بتوجيه جزء صغير من تحويلاتهم المالية طواعية إلى صندوق مشترك لتمويل الخدمات الصحية الأساسية لأسرهم ومجتمعاتهم في الوطن. بدلا من التسابق لإرسال الأموال بعد وقوع أزمة صحية، بوسع المغتربين في مختلف أنحاء العالَم ضمان تغطية عائلاتهم قبل وقوع الكوارث.

يتكون نموذج المبادرة من أربعة مكونات أساسية. الأول هو المساهمات التحويلية المجمعة. بوسع المغتربين في الشتات اختيار المساهمة بمبلغ متواضع بانتظام ـ على سبيل المثال، 10-20 دولارا شهريا ـ في صندوق تضامن إقليمي، والذي بدوره يمكن مضاهاته من قِـبَل أرباب العمل، أو المنظمات الخيرية، أو الحكومات.

المكون الثاني هو الوصول المدفوع مسبقا. يحق للمستفيدين المحددين في أفريقيا (غالبا من الأقارب) الحصول على حزمة من الخدمات الصحية الأساسية، خاصة الرعاية العاجلة أو الطارئة، والتي تُـقَدَّم إما من خلال الأنظمة العامة، أو مقدمي الخدمات الخاصة المعتمدين، أو الشبكات الإقليمية. المكون الثالث هو قابلية النقل عبر الحدود. لأن التهديدات الصحية لا تعرف حدودا وطنية، فسوف تضمن مبادرة «جسر إلى الصحة» تغطية إقليمية تتبع الشخص، وليس جواز السفر. هذا الشرط مهم بشكل خاص للأسر التي تعيش في مناطق حدودية، والمهاجرين، والمجتمعات المتضررة من النزاعات.

يتمثل المكون الأخير في الشفافية والمساءلة. سوف تسمح منصة رقمية جديدة للمساهمين بتتبع المدفوعات، والتسليم، والنتائج، وبالتالي بناء الثقة وضمان أن هذا النموذج يعزز الأنظمة الصحية الحالية ولا يتسبب في تفتيتها.

يعتمد اقتراحنا على ابتكارات ناجحة مثل نموذج التأمين الصحي المجتمعي في رواندا ومحفظة M-TIBA الصحية في كينيا. وهو يعكس أيضا حقيقة بسيطة: أن الأفارقة في الشتات يدفعون بالفعل تكاليف الرعاية الصحية، ولكن بطرق لا تعزز الأنظمة الصحية، ولا تضمن المساءلة، ولا تولد المرونة في الأمد البعيد.

الواقع أن تكاليف التقاعس عن العمل هائلة؛ فمع الدفع بملايين الأسر الأفريقية إلى براثن الفقر بسبب النفقات الطبية كل عام، تجد الحكومات نفسها في كثير من الأحيان تستجيب للأزمات دون الموارد المسبقة اللازمة للاستجابة بفعالية. ومن الممكن أن تساعد مبادرة «جسر إلى الصحة» في عكس هذه الديناميكيات من خلال توفير طريقة عملية تستطيع من خلالها مجتمعات المغتربين في الشتات المشاركة في الاستثمار في الأنظمة الصحية. هذا من شأنه أن يقلل من النفقات الصحية الكارثية؛ ويوسع نطاق التمويل الصحي المسبق الدفع القابل للتنبؤ؛ ويعزز الطلب على خدمات صحية عالية الجودة وخاضعة للمساءلة؛ ويربط أنظمة الدعم غير الرسمية بآليات التمويل الصحي الرسمية؛ ويقدم نموذجا جديدا لتمويل التنمية بقيادة المواطنين.

لكن تحويل هذه الرؤية إلى واقع يتطلب شراكات جديدة وأكثر قوة. يتعين على الحكومات أن تعمل على توفير أطر السياسات اللازمة لتمكين التمويل المشترك والتغطية القابلة للنقل. ويتعين على البنوك المركزية والهيئات التنظيمية العمل على تسهيل المساهمات عبر الحدود بأقل قدر من الاحتكاك. ويجب أن يساعد القطاع الخاص، وخاصة مزودي خدمات التكنولوجيا المالية والرعاية الصحية، في تصميم منصات سهلة الاستخدام. وقد يحتاج شركاء التنمية إلى الحد من المخاطر في المراحل المبكرة من خلال التمويل والدعم الفني. في المقام الأول من الأهمية، يجب أن يكون الأفارقة في الشتات في قلب هذه العملية ــ ليس كمانحين سلبيين، بل كمشاركين في تصميم نظام يعكس تطلعاتهم.

لن تكون مبادرة «جسر إلى الصحة» حلا سحريا. لكنها ستوفر طريقة جديدة وجذابة لإطلاق العنان لقوة التحويلات المالية، ليس فقط من أجل البقاء، بل وأيضا من أجل التغيير الجهازي. إنها تطلب منا أن نتخيل مستقبلا لا تؤدي فيه نداءات الاستغاثة الطارئة إلى كوارث متفاقمة. لن يضطر الملايين بعد الآن إلى الخوف من طلب الرعاية. سيُقال لهم: «نحن نوفر لكم الحماية».

الأفارقة يقودون بالفعل، ويبدعون، ويستثمرون في تنمية أنفسهم بأنفسهم. أكثر ما يحتاجون إليه الآن هو أنظمة مصممة لتعزيز قدرتهم كقوى فاعلة.

نديدي أوكونكو نونيلي المؤسس المشارك لشركة Sahel Consulting Agriculture & Nutrition وسفير لتحالف الغذاء واستخدام الأراضي.

إيكوسوهي إياهين هو الأمين العام لمنتدى تطوير التأمين.