أخطر ما تفعله السياسة في عمل أدبي أنها قد تجرُّ صاحبه إلى فخها، فهي زاعقة ومباشرة، وتحتاج إلى عناية خاصة وجهد كبير لدمجها في العمل الأدبي، وتخفيفها، والتحايل عليها، لتصبح جزءًا من الصورة الفنية، وهو ما نجح فيه الكاتب المصري أشرف العشماوي في روايته الأخيرة "السيمفونية الأخيرة".


رواية العشماوي -في أحد وجوهها- تسرد كواليس أحداث 25 يناير في مصر، لكن الكاتب لم ينجر إلى وحل الوقائع، حتى أن الرواية تنتهي مع اندلاع تلك الأحداث، كأن الكاتب اكتفى بذلك القدر، أو أراد أن يجنّب نفسه اختبارها الصعب، كما أن الناس الغاضبين الذين خرجوا إلى الميدان ظهروا في خلفية الصورة، أصواتهم وهتافاتهم المكتومة بالكاد تُسمَع، فالرواية لا تدور في الميدان، وإنما في دهاليز المؤسسات الرسمية حيث يجد البطل سامي عرفان نفسه خلال حقبة السبعينيات قريب الصلة من الدوائر العليا، أقرب إلى السادات من حبل الوريد، ومن بعده مبارك، وبالتالي كان يعرف كيف تُطبخ السياسة الداخلية والخارجية على نار هادئة.


لكن الرواية أيضًا ليست عن السادات أو مبارك، رغم أنها تمنح ذلك الإحساس في بداياتها، خاصة مع سرد حكايات شديدة الجاذبية بعضها غير معروف، وبعضها الآخر يتعلق بوقائع شهيرة مثل انتفاضة الجياع في نهاية السبعينيات، أو حادثة المنصة، أو محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا. منحنا العشماوي تلك الحكايات من زوايا مختلفة، حيث يقف بطله سامي عرفان في آخر الصفوف، وينقل إلينا أدق التفاصيل، وبعضها يتعلق به، مثل نجاته من الرصاص في حادثة المنصة حيث شعر بتوعك واضطر لدخول الحمام، ثم عاد ليجد الطامة الكبرى ماثلة أمامه.


الرواية أيضًا ليست عن الصعود الوظيفي لبطلها، وقد وجد نفسه بعد أن كان عضوًا في فرقة الموسيقى العسكرية فردًا في مراسم السادات، بسعي من عائلته وكذلك والد زوجته، أي أنه لم يطلب المنصب وإنما قُدِّم إليه على طبق من ذهب، وصولًا إلى عمله -خلال الفترات التي انقلب فيها مبارك عليه- في أعمال روتينية، وأخيرًا حين صار محققًا يعمل في الغرف المقبضة منتزعًا بطريقته الاعترافات من هذا المتهم أو ذاك.


أشرف العشماوي ضفَّر كل ذلك لخدمة نهر الرواية الرئيسي أو سياقها العام، أعني قصة الحب العظيمة بين سامي عرفان ودينا يعقوب، فمن خلال هذه العلاقة نتعرَّف على "عرفان"، ويتعرَّف هو على نفسه، ويكتشف بمرور الوقت أنه ليس ذلك الإنسان المكسور الطيب، الذي ربَّته جدته على السير في خط مستقيم، وكراهية مغادرة المنزل أو الاختلاط بالناس، حتى حولته العزلة إلى رجل لا يحب الكلام، وقد فهمنا كبداية أن دينا يعقوب أيقظت الجزء المحب فيه للحياة، التواق للبهجة والملذات، لكن جدته تقف ضد تلك العلاقة غير المتكافئة إذ إن عائلة دينا لا يمكن بحال أن تقارن بعائلتهم، ثم يرضخ لرغبة الجدة الديكتاتورة بالزواج من ابنة حسب ونسب، وتتسبب زوجته بكآبتها في اشتعال النقمة داخله على بيت العائلة والجدة.


حنَّ سامي دومًا إلى دينا، وسهَّل له العمل في المراسم السفر شرقًا وغربًا، وسهَّل لها العمل كمترجمة فورية للسفراء مقابلته بالصدفة في المدن البعيدة، وكما أصبحت دينا جنته أصبحت جحيمه فقد استغل بعض الزملاء الكارهين علاقته بها ودسوا له عند مرؤسيه. شعر بأن الدنيا تتآمر على حبه ورغبته وفرحه، لكنه أيضًا لم يبذل الكثير ليحافظ عليها، ربما صوَّرت له سهولة عودتها إليه بعد كل فراق أن بإمكانه استدعاءها حين يحن لها، لكن الفتاة الجميلة تمردت عليه أخيرًا وأحبت معارضًا يدعى باهر، وأخلصت له. أكلت الغيرة قلب سامي، وقرر أن يتخلص من ذلك العدو بأي ثمن، واقترن ذلك الشعور الجهنمي داخله بانتدابه كمحقق، بإمكانه أن يلقي بأي إنسان في زنزانة رطبة وخانقة لبقية حياته.


الآن برز له وجه آخر لم يعرفه عن نفسه، إنه رجل يتنفس الكراهية، عنيف وغاضب ولا يؤتمن، خبيث وشرير، لكنه يحاول أن يخترع لنفسه الحجج، إنها حب حياته، وقد سلبها منه ذلك المناضل البائس، فلماذا ترك نساء العالم كلها واقترن بحبيبته هو؟ وماذا يفعلان معًا في لحظاتهما الحميمية؟ وكيف تستقبل كلام الحب منه وكيف ترد عليه؟ إن من حقه أن يغضب وأن يثور لكرامته وأن ينتزع دينا لنفسه بالرغم من أنفه وأنفها.


يبرع العشماوي في تصوير سقوط عرفان، سقوطه في اختبار الحياة، وفي اختبار دينا، ومن قبلهما في اختبار الجدة، وحتى في اختبار الجيتار، لم تعد أصابعه قادرة على العزف ببراعة، إن الجيتار نفسه على ما يبدو قد انقلب عليه، وها هو أيضًا يسقط حتى في اختبار معرفته بنفسه.

عاش حياته بالكامل خائفًا من الجدة، وحين ماتت لم يشعر بالحرية، لكنه استسلم تمامًا لذلك الشوك الشيطاني الذي ينمو بداخله ويؤلم روحه ويجعله إنسانًا آخر لا علاقة له بالموسيقي الماهر. في النهاية يعرف أن جذور الفرد قد تساعده على مواجهة الريح، لكنها أيضًا قد تتحوَّل إلى حبال تشده إلى القاع.

إنها رواية عن مذاق الخطيئة، والحب على حافة السلطة، والعاطفة في غياب الوازع الأخلاقي، وتحول الماضي إلى ثقب أسود بإمكانه أن يبتلع الجميع.