في هذا العالم المعقد من المعادلات السياسية، والاقتصادية، والأمنية تطل سلطنة عمان كركن أساسي ولكنه موضوعي ومحايد، يستقطب كل الخلافات، ويصب الماء على نار الخلافات، ويحاول أن يكون في منتصف المسافة بين كافة الأطراف المتصارعة، لذلك ظل وجه عمان مشرقا في كل المناسبات، بعيدا عن التجاذبات السياسية، وفي منأى عن الخلافات العابرة بين الدول، فكانت دائما منارا للسلام، والاستقرار، والأمان؛ لأنها تؤمن بأن لغة العنف لا تولّد إلا عنفا، ولغة التصعيد لا تولّد إلا القرارات العاطفية، والمتسرعة، وردّات الأفعال لا تزيد إلا نار الخلافات اضطراما.
فكانت سلطنة عمان حاضرة في كل مناسبة للسلام، والصلح، والتوافق بين المتنازعين، تشهد لها بذلك المناسبات التي كانت طرفا في الجلوس على طاولة المفاوضات، فتمخض عنها نزع فتيل الأزمات، وتهدئ الصراعات، وتذكي روح التصالح، والوئام، فوقفت على الحياد في حرب العراق مع إيران، رغم أن بعض عديمي الرؤية اتهموها بالانحياز لطرف دون آخر، ولكن حين اشتدت الكروب، وعظمت الخطوب تمنى الجميع أنه كان من الصواب لو وقفوا وقفتها، وحكّموا منطق العقل، وتجنبوا لغة السلاح، وحدث مرة أخرى في غزو الكويت، فحين لم يجد الساسة مخرجا لجأوا لسلطنة عمان؛ لأنها البلد الذي يحظى بثقة جميع المتنازعين، وحين بدأت حرب اليمن لم تزج عمان باسمها دون وعي، ولم تَنْسق وراء الدعوات العاطفية للحرب، بل وقفت موقف المحايد، وتواصلت مع جميع الأطراف المتصارعة، رغم كل الهمز واللمز الذي حاول البعض استفزازها من خلاله، ولكنها وقفت دون أن يهتز لها طرف، ودون أن تفقد حيادها، واستقلالية قرارها، وحين تعقدت الأزمة، وتشابكت الأمور، كانت سلطنة عمان هي واحة السلام التي قصدها المتحاربون.
ولا ننسى موقف سلطنة عمان أثناء (سنوات العزل) لسوريا، والتي لم تتخل فيها عن دورها القومي، والعروبي، ولا يغيب عن الذاكرة موقفها الراسخ والثابت من (الأزمة الخليجية)، وعدم انجرارها وراء الخلافات العابرة، وكم من مرة نزعت سلطنة عمان فيها فتيل الحرب، والأزمات بين إيران، والولايات المتحدة والغرب، وجنّبت المنطقة كوارث الصراع العسكري، ولذلك تبقى هذه البلاد صانعة للسلام، تدار بحكمة حكامها، وثبات مبادئها، وقيمها الحازمة، وتاريخ طويل من الحضارة والتجربة السياسية التي لا يمكن الطعن فيها، إلا ممن هو جاهل في متاهات الصراعات الإقليمية، التي لا تولد إلا صراعات متتالية، ونتائج كارثية لا يمكن التنبؤ بها مستقبلا.
ستظل سلطنة عمان واحة للسلام، وركنا عصيا على التجاذبات، والصراعات السياسية العاطفية، وستكون دائما الملجأ الأخير الذي يلجأ إليه إن تفاقمت الأزمات، ولم يجد إلا الحياد العماني بلدا يثق به، ويضع على طاولة سياسته أوراقه مطمئنا، آمنا بإدارة ملفاته الشائكة دون انحياز، بأيدٍ عمانية أمينة تصنع السلام، وتطفئ نار الصراعات مهما عظمت.