سبق أن كتبت مقالًا في هذه الجريدة الرصينة بعنوان «البلطجة السياسية في الحد من الأسلحة النووية»، رأيت فيه أن تعبير «البلطجة السياسية» أصبح يتردد على استحياء في أدبيات لغة السياسة، وخاصةً في وصف السياسة الأمريكية. ولقد تبدى لنا ذلك في دعم العدوان الإسرائيلي على إيران بأسلحة فتاكة وجهت ضربة قوية لإيران، بحجة الحد من انتشار الأسلحة النووية بالقضاء على البرنامج النووي الإيراني! بينما الهدف الحقيقي -كما هو معلوم- هو القضاء على نفوذ دولة معادية لإسرائيل في المنطقة، ومن ثم تعوق طموحات إسرائيل في التمدد في منطقة الشرق الأوسط والهيمنة عليها (ولا فرق هنا بين أمريكا وإسرائيل؛ لأن السلاح المستخدم لدى الطرفين هو سلاح أمريكي متطور).
ولهذا فإن سياسة إخضاع إيران متواصلة إلى الآن من خلال محاولة تفجيرها من الداخل بتأجيج المظاهرات الداخلية ضد نظام الحكم، وربما بتوجيه ضربة عسكرية أخرى قد تُعجِّل بانهيار النظام (ولكن الخوض في هذا الأمر ليس هو موضوعنا الآن).
ولقد تبدت أيضًا سياسة البلطجة الأمريكية في فرض عقوبات على الدول، بما في ذلك فرض الضرائب على الصادرات التي تأتي منها في نوع من الابتزاز السياسي الذي يهدف إلى إخضاع هذه الدول، وهي سياسة أثبتت فشلها.
أما الآن، فقد أصبح مفهوم البلطجة السياسية واضحًا ومعلنًا بشكل فج كنهج للسياسة الأمريكية؛ فالسياسة الأمريكية الراهنة كما تجري على أرض الواقع تنتهج البلطجة مسلكًا لها من دون حياء أو خجل أو مواربة.
ولقد تجسد ذلك بوضوح في مطلع هذا العام، حينما قامت قوات أمريكية خاصة بضرب محيط مقر رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، واختطافه مع زوجته، وترحيله إلى نيويورك بهدف محاكمته بتهمة الاتجار بالمخدرات وترويجها في الولايات المتحدة الأمريكية! يعرف القاصي والداني، بل يعرف حتى الناس البسطاء من العوام، أن هذا المسلك الذي اتخذته الإدارة الأمريكية هو نوع من البلطجة، بل نوع من القرصنة- التي لا تحدث إلا في مسلك المافيا والعصابات- من أجل الاستيلاء على نفط فنزويلا التي لديها أكبر احتياطي نفطي في العالم.
وحينما انكشف على الفور هذا الدافع الحقيقي للقرصنة أمام الرأي العام سواء على مستوى الساسة أو عموم الناس، راح بعض الساسة الأمريكيين يصرحون بفجاجة بأحقية الولايات المتحدة في الاستيلاء على نفط في فنزويلا بترويج مبررات واهية لا تنطلي على أحد. فما دلالة ذلك الحدث الجلل الذي جرى منذ أيام، وما تداعياته على مستقبل عالمنا، وعلى مستقبل أمريكا نفسها؟
أظن أن تاريخ هذا الحدث هو تاريخ فارق يهدد مستقبل العلاقات الدولية في عالمنا؛ ذلك أن الطريقة التي تمت بها هذه القرصنة غير مسبوقة؛ إذ إنها عمدت إلى اعتقال رئيس دولة أخرى والإتيان به مكبلًا من أجل تصدير رسالة إلى العالم كله بأن مثل هذا قد يكون مصير آخرين ممن لا ترضى عنهم الإدارة الأمريكية بزعامة ترامب، وتعتبرهم شخصيات يجب اعتقالها أو تصفيتها جسديًّا لكونها مناوئة للمصالح الأمريكية.
فلا شك في أن هذا المسلك يمكن أن يشجع دولًا قوية أخرى على أن تستند إليه باعتباره سابقة تاريخية، فهو يمكن ـ على سبيل المثال ـ أن يشجع روسيا على ابتلاع أوكرانيا بأكملها واعتقال رئيسها غير الشرعي بحسب توصيف روسيا له؛ بل يمكن أن يشجع بعض القوى على استخدام دولًا أخرى كمخلب للهيمنة والسيطرة تحت غطائها، مثلما يحدث الآن في سعي إثيوبيا إلى الهيمنة على القرن الإفريقي، خاصةً باب المندب، ومن الواضح أن أيادي إسرائيل هنا غير خفية.
حقًّا إن روسيا ومعها كثير من الدول كبيرها وصغيرها قد أدانت هذا العدوان، مثلما أدانته الأمم المتحدة نفسها، لكن الأمر لا يتجاوز حدود الإدانة والشجب! وهذا أمر يدعو إلى الدهشة والعجب؛ لأن الأمم المتحدة نفسها التي أسهمت الولايات المتحدة بقوة في نشأتها عند نهاية الحرب العالمية الثانية، قد أصبحت منظمة عاجزة بلا صلاحيات حقيقية، وبلا آليات رادعة، وهو ما يستدعي تغيير منظومتها كما سبق أن نوهت إلى ذلك في مقالات عديدة.
حقًّا إن أمريكا في الأصل هي وليدة استعمار وحشي قام على إبادة الأوروبيين المستعمرين للسكان الأصليين، ولكنها مرت بتطورات عديدة في سعيها نحو تأسيس دولة عظمى متحضرة. ولقد أصبحت أمريكا التي خرجت منتصرة في الحرب العالمية الثانية تعلن عن حضورها باعتبارها قوة عظمى مناصرة للديمقراطية والحرية والعدالة وحقوق الإنسان.
ولهذا أصبحت أمريكا نموذجًا للحياة التي ينبغي أن تُحتذَى، فشاع تعبير «الحُلم الأمريكي» باعتباره حُلم كل شخص يتوق إلى الحياة التي تحكمها هذه المبادئ السامية. لم يدم هذا الحلم طويلًا وسرعان ما تبدد عبر عقود قليلة من الزمان، بحيث يحق لنا القول بأن أمريكا قد تحولت إلى دولة إمبريالية بامتياز، وكأنها تعود بذلك إلى سيرتها الأولى أو إلى أصل نشأتها. ولقد أنتجت أمريكا هذه السياسة الإمبريالية خلال العقود الأخيرة، ولا ينبغي أن ننسى في هذا الصدد حروبها الوحشية في فيتنام وأفغانستان والعراق على سبيل المثال، وهي حروب لم تحقق فيها انتصارًا سوى دمار وتخريب الدول التي شنت عليها الحروب.
وعلى هذا يمكن أن نتساءل: ما مردود ذلك كله على مكانة أمريكا خصوصًا؟ في ضوء ما تعلمناه من كبار فلاسفة التاريخ، فإن هذا لا يحدث إلا في مرحلة الانحطاط الحضاري؛ ومن ثم، فإن استمرار هذه السياسة سوف يهدد بأفول الحضارة الغربية الأمريكية باعتبارها نموذجًا لم يعد مقبولًا، بل أصبح مفلسًا؛ لأنه فقد قوته الروحية المتمثلة في المبادئ التي قام عليها؛ إذ أصبح يشرعن سياسة منطق القوة والهيمنة على حساب منطق القانون والعدالة.