ثنائيّة الدّولة هي الجغرافيا والشّعب، فلا وطن أو دولة بدون جغرافيا، وهي العنصر الثّابت، والمتحرّك هو الشّعب، وثلاثيّة إدارة الدّولة: الجغرافيا والشّعب والسّلطة، والسّلطة هيئة تنظيميّة في أجوائها الثّلاثة (التّشريع والتّنفيذ والرّقابة)، فالسّلطة من الشّعب، والشّعب هم السّلطة الحقيقيّة، فلا سلطة في هواء أو جغرافيا بلا شعب، ورباعيّة بقاء الدّولة هي: الأرض والشّعب والسّلطة والجيش (الأمن بشكل عام)، والأخير غايته حفظ الدّولة أرضًا وشعبًا وسلطة، فإذا انحاز لحماية استبداد السّلطة على الشّعب هو معرّض ذاته لانقسامات؛ لأنّه من الشّعب ذاته، وهذا ما يحدث اليوم في اليمن والسّودان، والّذي قد يجرّ إلى حروب أهليّة، لولاءات قبليّة أو طائفيّة تبعا للانقسامات العسكريّة، أمّا إذا وقف الجيش (الأمن بشكل عام) مع استبداد السّلطة، وضدّ الشّعب؛ هنا يكون الدّمار كبيرًا بمقدار قوّة الاستبداد، كما حدث في سوريا وليبيا بعد أحداث 2011م، أمّا إذا كان الجيش حافظًا للجغرافيا، وعلى درجة واحدة من الشّعب والسّلطة، لا أن يكون أداة لاستبداد السّلطة، هنا يكون الضّرر أخف، كما حدث في مصر بعد 25 يناير 2011م.

والسّؤال: أين قوّة رأس الهرم الحقيقيّة، كان حاكمًا ملكيّا بسبب وراثة، أو رئاسيّا جمهوريّا، أم ديمقراطيّا مؤقتًا، هؤلاء جميعا لا يختلفون، في العصر شبه الشّموليّ السّابق، أو في دولة المؤسّسات والإنسان اليوم، أنّ قوتهم الحقيقيّة في شعوبهم، فكم من مقرّبين انقلبوا على رأس السّلطة، وكم من في السّلطة تخابروا مع جهات خارجيّة لإحداث انقلاب داخليّ، ولكن يبقى الرّهان ليس على التّظاهر بالقوّة ضدّ الشّعوب، ولا بالوطنيّة المغنّاة، ولا بشعارات الوعود والتّجميل، إنّ القوّة الحقيقيّة تكمن في الشّعب ذاته، الّذي يعرف الجميع قدره وقت الأزمات، فإمّا أن يقف مع سلطته، أو أن ينقلب عليها أيضا.

إنّ الشّعوب لا تحتاج إلى كثير من الأغاني الوطنيّة الممجدة، أو الخطب الوعظيّة المملة، أو التّرهيبات القانونيّة المتكرّرة؛ الشّعوب تحتاج إلى الرّحمة والعدالة الاجتماعيّة، وإلى تحقيق المساواة الفرديّة بين الجميع، فغالب الشّعوب تعيش على الخطّ الأفقي الماديّ العام، فإذا ما أدركت ذلك، شعرت بولائها الحقيقيّ مع السّلطة عن حبّ ورحمة، وليس عن خوف من الاعتقالات والسّجون، فهذه في وقت الشّدّة لا قيمة لها، وسرعان ما تنكسر.

الكثير تحدّث عن اعتقال الرّئيس الفنزويليّ نيكولاس مادورو، وعن طغيان الولايات المتحدة الأمريكيّة، وجميعنا هنا ضدّ هذه القرصنة غير الأخلاقيّة إنسانيّا ولا دوليّا، ولكن يبقى السّؤال: ما موقف الشّعب الفنزويليّ ذاته؟ القليل من تحدّث عن هذا الواقع، وهو واقع يتكرّر بين حين وآخر، ونرى بعض ملامحه حاليا في إيران، إنّ نيكولاس مادورو الّذي وصل إلى الحكم في مارس 2013م، والّذي مال إلى الاشتراكيّة البوليفاريّة، لكنّها لم تكن تحمل روح العدالة الاشتراكيّة في توسيع العدالة الاجتماعيّة والاقتصاديّة في الشّعب، وتحقيق الشّراكة المدنيّة والسّياسيّة، بل كانت الكفّة للحزب الواحد، وللجيش والعسكر، من حيث النّفوذ والامتيازات، هذه الفجوة كانت لصالح الإمبريالية الأمريكيّة، هذه الإمبريالية لا تخلو من ذكاء سياسيّ، يحتاج أن يواجه بذكاء سياسيّ أيضا، هذا الذّكاء السّياسيّ قوته في الشّعب ذاته، لا في الشّعارات والتمظهرات العسكريّة؛ لأنّ الشّعوب هي رهان الدّفاع وقت الأزمات، والّتي تحترم الشّعوب الأخرى ـ ولو تجاوز طغيانها ـ إرادتها.

رغم تبني نيكولاس مادورو الاشتراكيّة البوليفاريّة القائمة على ثورة هوغو تشافيز (ت: 2013م)، والّذي يعرف بمحبوب الفقراء، هذه الثّورة القائمة على العدالة الاشتراكيّة، وعلى استقلاليّة الدّول اللّاتينيّة من الهيمنة الأمريكيّة، والّتي تعاني منها الدّول اللّاتينيّة عموما، وغالب شعوب العالم، لكنّها إن لم تتبع بذكاء سياسيّ من خلال الاهتمام بالشّعوب ذاتها، ولا يقتصر عند القوة العسكريّة؛ لن يكون زمن ثمرتها أطول، حيث لابدّ من تحقّق ثورة اشتراكيّة ناعمة وطويلة المدى، هذا لم يتحقّق في عهد نيكولاس مادورو، حيث توسع الاستبداد، وكثرت المعارضة، وضجّت السّجون بها وبمعتقلي الرّأي، بجانب تمدّد الفقر، والفساد الماليّ والاقتصاديّ، وكثرت الهجرات إلى الخارج، وتشكل جماعات سياسيّة مناهضة ضدّ النّظام الفنزويليّ ذاته، والّذي استغلت الولايات المتحدة الأمريكيّة وجودها، ويظهر هذا من فرحهم بعد اعتقاله في 3 يناير الماضي.

لست هنا في تبرير هذه الاعتقالات ـ كما أسلفت ـ ؛ لكن لابدّ من الإشارة إلى أمرين، أنّ السّياسة الأمريكيّة لابدّ أن تواجه بالأمر الواقع المرتبط بالذّكاء السّياسيّ، وليس بالتّظاهرات الرّمزيّة غير المتعقلة، كما حدث عند صدّام حسين (ت: 2006م) في العراق، ولا بالتّحالفات الخارجيّة مهما بلغت قوّتها، فهذه يشغلها مصالحها الذّاتية، واليوم المتحالفون مع نيكولاس مادورو في سكوت رهيب ـ حسب ما يبدو ـ ولديهم ما يشغلهم.

كذلك تواجه برهان الشّعوب، فهي القوى الحقيقيّة النّاعمة في نجاح الثّورات، وديمومة آثارها الإيجابيّة، فالشّعب هم الجغرافيا والسّلطة والجيش، إذا تمثلت فيهم القوة من خلال العدالة الاجتماعيّة والاقتصادية، والمشاركة السّياسيّة، وتوسيع الحرّيّات، ومحاربة الاستبداد؛ شكل طبيعي أن تتقوى الجهات الأخرى، أي السّلطة والجيش، وإن كنت موقنًا أنّ اعتقال نيكولاس مادورو لا يعني موت ثورة هوغو تشافيز، فقد عانت هذه الشّعوب من هيمنة الآخر عليها، وأكل خيراتها، وجعلها مستعبدة لما يريده الآخر لا إرادة لها، لكن في الوقت نفسه أنّ النّفس الاشتراكيّ والثّوري يحتاج إلى مراجعة ذاته، فكثيرا ما يفشل بسبب تمدّد الحزب العسكريّ الواحد فيه، ومع مرور الزّمن يتحول إلى طبقيّة اقتصاديّة لصالح هذا الحزب، وليس إلى عدالة اجتماعيّة لصالح الشّعب، ولهذا كثيرا ما تثور الشّعوب عليها.