كتب الكثير عن نظرية القنفذ للفيلسوف الألماني شوبنهاور، وغالبا ما أسقطت هذه النظرية على العلاقات الإنسانية الصحية، تلك التي تقوم على مبدأ دقيق بين الاقتراب والابتعاد. فكلما احتجت إلى الدفء، اقتربت ممن تحب، وكلما شعرت بالوخز، لجأت إلى الابتعاد. هذا هو محور النظرية، وربما محور الحياة نفسها. القنافذ، كما صورها شوبنهاور، كائنات تتآلف فيما بينها وتقترب عندما تشعر بالحاجة إلى الدفء، خاصة في قسوة الشتاء، لكنها ما أن تبدأ في الشعور بوخز إبر بعضها البعض، حتى تفضل الابتعاد والصبر على لسعات البرد بدلا من الاستمرار في الإيذاء.
هذه الفكرة البسيطة، في عمقها، تقدم تصورا واضحا لما يجب أن تكون عليه الحياة الإنسانية الصحية: مسافة أمان ذكية بين الإنسان وكل ما يحيط به، سواء كانوا بشرا أم أفكارا أم حتى آلات صماء. الاقتراب يكون متى ما شعرنا بالدفء والمعنى، والابتعاد متى ما أدركنا أن الثمن هو الوخز والإرهاق. ليست دعوة إلى العزلة، ولا إلى القطيعة، بل إلى وعي المسافة وإدراك حدودنا مع الآخرين ومع العالم من حولنا.
كما هو الحال عند البشر في تقمصهم غير الواعي لدور القنافذ، هناك أيضا دول ومجتمعات تعيش المعضلة ذاتها، أو تسير في الاتجاه نفسه. فهي تتقارب مع جيرانها ومع باقي دول العالم متى ما رأت أن هذا التقارب يزيد من دفء العلاقات ويحقق لها قدرا من الاستقرار والمصلحة المشتركة. وحين يتحول هذا القرب إلى مصدر للوخز، أو حين تتداخل المصالح وتتشابك الأزمات، تختار التباعد، وتقرر أن تنأى بنفسها عن الخوض في معضلات الآخر، ذلك الآخر الذي قد يكون صديقا أو حليفا في يوم ما.
هذا التباعد، في معناه الأكبر، لا يعني بالضرورة عداء الآخر، ولا يشير إلى رغبة في العزلة التامة أو الانكفاء، بل هو شكل آخر من أشكال الحكمة السياسية، ومسافة أمان تفرضها التجربة والواقع. فالعلاقات الدولية، تماما كالعلاقات الإنسانية، لا تبنى على العاطفة وحدها، ولا تستمر بالاندفاع الدائم نحو القرب. هي علاقات تحكمها المصلحة، ويضبط إيقاعها الوعي بالحدود، ومعرفة متى يكون الاقتراب ضرورة، ومتى يصبح الابتعاد حماية.
وكما قلت سابقا، فإن إسقاط القنفذ على فكرة التقارب والتباعد يكاد يصلح لكل شيء من حولنا، وربما كان الإعلام ووسائل التواصل الحديثة أكثر الأمثلة وضوحا على ذلك. نحن نقترب من هذه الوسائل حين نشعر بالحاجة إلى المشاركة أو الفضول أو حتى الهروب، ونتباعد عنها متى ما أحسسنا أنها صارت مصدرا للضيق أو الوخز. نفتحها حين نريد الدفء، ونغلقها حين نتعب، تماما كما تفعل القنافذ في حكاية شوبنهاور.
وسائل التواصل الاجتماعي، كما نعيشها اليوم، جعلت فكرة القرب والبعد أسهل مما هي عليه في الواقع. هنا، يعزل الإنسان نفسه عن الآخرين، لكنه لا يشعر أنه ينعزل، بل يظن أنه اختار ذلك براحة. يجلس لساعات طويلة يتنقل بين صور ومقاطع ونصوص تشبهه أو تعجبه، يدخل في أحاديث سريعة مع أشخاص كثيرين، يعرف عنهم القليل، ولا ينتظر منهم أكثر من ذلك. علاقات خفيفة، لا تثقل القلب، تمنح شعورا عابرا بالقرب دون أن تطلب ثمنا حقيقيا.
وحين يشعر الإنسان أن هذا القرب الرقمي تجاوز حدّه، أو أن الكلمات بدأت تتحول من دفء إلى وخز، يصبح الانسحاب هو الخيار الأسهل دائما. إلغاء متابعة، كتم، أو حظر، قرارات سريعة لا تتطلب مواجهة ولا تفسيرا ولا حتى ترددا. ومع الوقت، يتحول هذا السلوك إلى عادة يومية: نقترب متى ما أردنا، ونبتعد متى ما ضاق بنا الأمر، دون أن نفكر كثيرا في أثر هذا النمط علينا.
البشر يشبهون القنافذ خصوصا في سلوكهم، فهذه المخلوقات الصغيرة المغطاة بالأشواك تستخدم دفاعاتها فقط عند الشعور بالخطر. فهي تتكور على نفسها في دائرة صغيرة لتحمي جوهرها الداخلي، بينما يكون جسمها الخارجي محميا بالأشواك. القنفذ لا يبدأ بالهجوم على الآخرين، ولا يستخدم أشواكه للشر، بل للدفاع عن نفسه ولتجنب أذى أعدائه. ونحن، كبشر، لا نسعى بطبيعتنا إلى الصراعات، بل نحاول تجنبها بطرقنا الخاصة.
ليتنا نتعلم منه كيف نكون قنافذ في بعض جوانب حياتنا، نحمي أنفسنا دون أن نفقد القدرة على الاقتراب والدفء حين يحين الوقت، وندرك أن المسافة أحيانا ليست قطيعة، بل شكل من أشكال الحكمة التي تحمي القلب وتترك له الحرية في اختيار من يقترب ومتى.