إندرمت غِل وبراين بينتو / ترجمة: أحمد القرملاوي
تُقِر النظريات الاقتصادية بأن الاقتراض والإنفاق الرشيدَين يحققان منافع اقتصادية شتى. إلا أن الأزمات الاقتصادية التي حدثَتْ خلال تسعينيات القرن الماضي، والتي كان الدَّين سببا مباشرا لها يُشير إلى العكس. فضلا عن أزمة الدَّين الخارجي السابقة على هذه الحقبة، والتي أثارت تساؤلات جدية حول جدوى التمويل الخارجي القائم على السوق، في دعم الدول النامية التي تملك إمكانية النفاذ إلى أسواق رأس المال العالمية (MACs).
ومع تعالي الأصوات الزاعمة بأن النفاذ إلى أسواق رأس المال العالمية وارتفاع الدَّين العام، قد عزَّزا من قابلية التأثُّر بالأزمات الاقتصادية أكثر مما دعَّما النمو، تزايدَت أهمية الإجابة عن الأسئلة التالية: ما هي احتمالية حدوث أزمة دَين على غرار ما حدث في الثمانينيات؟ وهل يُقيِّد الدَّين العام النمو الاقتصادي؟ وما هي السياسات المناسبة للتعامل مع الدَّين العام في الدول النامية؟
تقترض الحكومات بهدف تمويل السلع التي تعزز الرفاه وتدعم النمو. وعادة ما يُموَّل هذا الإنفاق من حصيلة الضرائب أو سَكِّ النقود أو الدَّين السيادي. ويُنظَر إلى الدَّين والضرائب باعتبارهما بديلَين لمواجهة الدورات الاقتصادية، بشرط ألا تتجاوز قيمةُ الدَّين قيمةَ الضرائب في دورة اقتصادية كاملة، بهدف تلافي الأزمات والمسارات الاقتصادية غير المستدامة.
ونادرا ما يُدمَج «النمو» في هذه المعادلة؛ حيث تَبني النماذج النظرية فرضيتها على النمو طويل الأجل، مع استبعاد عنصر الإعسار، فتنحصر المسألة في توزيع الضرائب توزيعا زمنيّا لتقليص خسائرها في وجود دَيْن قائم بالفعل. وقد تُؤثر مستويات الدَّين غير المستدامة سلبا على النمو الاقتصادي، حين تتسبب في رفع أسعار الفائدة أو مُزاحمة القطاع الخاص. وفي المقابل، قد يُسهِم الدَّين السيادي في النمو لو حقق وفرة لتمويل السلع العامة مثل: التعليم والبنية التحتية، خاصة حين تكون الحصيلة الضريبية الحالية محدودة ويُتوقَّع تحسُّنها في المستقبل، وأيضا حين تُحفِّز الاستثمارات العامة القطاعات الاستثمارية الخاصة، فتتنامى معدلات النمو. غير أن ذلك مشروطٌ بالاستثمار في مشروعات تفوق عوائدها الاقتصادية كُلفَةَ الدَّين، مع تمويل الفجوة حين تكون العوائد أدنى من كُلفَة الدَّين عن طريق الضرائب وليس المزيد من الاقتراض.
ثمة ثلاثة أسباب تجعل الدَّين العام أفضل من الضرائب في بعض الأحيان، هي:
1- الإمالة الزمنية (Tilting)، لتوزيع كُلفَة الدَّين على نحو أكثر عدالة. إذ ليس من العدل في اقتصاد نام تحميلُ الأجيال الحالية الأقل دخلا كُلفَة استثمارات طويلة الأجل ستَجني ثمارها أجيالٌ مستقبلية أكثر رخاء.
2- التسوية (Smoothing)، أي تنفيذ سياسات مالية أكثر كفاءة لمواجهة الدورات الاقتصادية أو تلبية النفقات الطارئة، حيث إن تكرار رفع وخفض الضرائب يتسبب في خسائر ضريبية ويهز الثقة في السياسات المالية.
3- الاستقرار (Stability)، حيث إن الإفراط في سَكِّ النقود يُؤدي إلى التضخم وتقلُّب الأسعار، فيضُر بالمناخ الاستثماري.
إلا أن الدَّين لا بد وأن يُسدَّد في نهاية المطاف، فالاقتراض ليس إلا «ضرائب مؤجلة» من الناحية النظرية. لذلك تصبح طريقة توظيف الأموال المقترَضة والعوائد المتحققة منها قياسًا لكُلفَة الاقتراض، أمورًا حاسمة في تقييم السياسات المالية، ما لا يَسهُل احتسابه بدقة. فمثلًا، لا تقتصر عوائد الاستثمار في البنية التحتية على الرسوم المفروضة على المستخدِمين، بل تشمل أي زيادة مستقبلية في الحصيلة الضريبية تنتج عن النمو الذي يُسهِم هذا الاستثمار في تحقيقه.
نظريًّا، إذا تجاوز الناتج المتحقَّق من رأس المال سعرَ الفائدة العالمي، فالنتيجة أن الدول المقترِضة ستستفيد من الاقتراض الخارجي. غير أن الدَّين الخارجي لا يُعزِّز القدرة الكامنة على النمو بقدر ما يساعد على استغلالها. لذا فالنظرية تُقدِّم إرشادًا عامًّا فحسب، مفاده أن عائد الإنفاق ينبغي أن يتجاوز كُلفَة الاقتراض، مع افتراض القدرة على سداد الدَّين في نهاية المطاف.
لقد حفَّز تباطؤ النمو في الاتحاد النقدي الأوروبي نقاشًا موازيًا حول الإنفاق الحكومي. حيث لوحِظَ أن تحقيق مستهدَفَي «الاستقرار» و«النمو» عبر خفض الاستثمار العام، من شأنه أن يُضعِف النمو طويل الأجل، ويقود في النهاية إلى زيادة العجز وتراكم الدَّين. لذا من الضروري أن يتم خفض الإنفاق الجاري بما يسمح بتخفيض الضرائب وتهيئة مجال أوسع للاستثمار. وعليه، يجب أن تُغطي الضرائب كلًّا من الإنفاق الجاري، والدعم الموجَّه للاستثمار العام في مشروعات يتجاوز عائدُها الاقتصادي سعرَ الفائدة العالمي. كما يُشترَط ألا يُموَّل الدعم باقتراض إضافي قصير الأجل. تنطوي هذه النظرية على افتراضات ضمنية، مثل: ألا يكون ثمة هدر في الإنفاق الجاري، وأن يقتصر الاقتراض على الاستثمارات المُجدية اقتصاديًّا، وأن يُموَّل الدعم الموجَّه للاستثمار عبر الضرائب، وهي افتراضات يجب أن توضَع في الحسبان مع إجراء أي تقييم.
الدَّين العام والنمو الاقتصادي
ترى نظريات الاقتصاد الكلي (Macroeconomics) أن الاستقرار شرطٌ للنمو. ويُعتبر البيئة الكلية مستقرةً حين: (1) تنخفض معدلات التضخم وتكون قابلة للتنبؤ، (2) تكون أسعار الفائدة ملائمة، (3) تكون السياسة المالية مستقرة ومستدامة، (4) يكون سعر الصرف تنافسيًّا وقابلًا للتنبؤ، (5) وحين يُعتبَر ميزان المدفوعات قابلًا للاستمرار.
وقد ركَّزت الدراسات على ثلاثة عوامل: التضخم، والعجز المالي، ونسبة ارتفاع العملة الأجنبية في السوق السوداء، وما لهذه العوامل من أثر على النمو في الدول النامية. وخلُصت الدراسات إلى أن «البيئة الكلية المستقرة» -أي التي تتسم بتضخم معتدل وعجز محدود- هي بيئة داعمة للنمو المستدام. كما رجَّحَتْ أن التضخم المرتفع يتسبب في نمو منخفض، وليس العكس، مع ملاحظة أن انخفاض التضخم ليس شرطًا ضروريًّا للنمو، وإن كان ارتفاعه يتعارض بالقطع مع استدامة النمو.
على سبيل المثال، نجحت بولندا في تحقيق الاستقرار بين عامَي 1990 و1999. حيث بدأت باستعمال سعر الصرف الاسمي كأساس لتثبيت الأسعار، ثم تخلَّت عن ربطه بالدولار بعد 17 شهرًا حين صارت التنافسية في موضع شك. ولم يكن خفض معدل التضخم هاجسًا مُقلِقًا آنذاك، بل انصَبَّ التركيز على تقليص العجز المالي وتشديد قيود الموازنة على الشركات، مع الحفاظ على سعر صرف حقيقي تنافسي. ثم ارتفعت معدلات النمو، ومع زيادة الحصيلة الضريبية وخفض الإنفاق، تراجع العجز والتضخم بالتدريج وعلى نحو يوحي بالثقة.
هنا تبرز أهمية «الموازنات الصارمة» للنمو والاستقرار، خاصةً عند تأمُّل تجربة نقيضة حدثت في روسيا بين عامَي 1995 و1998. حيث نجحت روسيا في خفض التضخم إثر إطلاق «برنامج استقرار» قائم على سعر الصرف منتصف عام 1995. غير أنها تعرَّضت لأزمة كلية بعد ستة أشهر فقط، وتبيَّن أن المشكلة كانت في «الموازنات الرخوة» المتجسدة في نظام «عدم السداد» الذي تفاقم أثناء البرنامج. فقد تلقَّى قطاع التصنيع دعمًا يعادل 7% إلى 10% من الناتج المحلي، تم تمويله بمزيج من الاقتراض الحكومي والفواتير غير المدفوعة الممنوحة من الشركتين المحتكرتين للغاز والكهرباء. وقد استلزم تحقيقُ الاستقرار رَفْعَ أسعار الفائدة، ما دفع الشركات لتقليص التعاملات النقدية ومُراكمة المتأخرات، فأسفر عدمُ السداد عن انخفاضٍ في الإيرادات الضريبية، وارتفاعٍ للدَّين العام وأسعار الفائدة، وبالتالي تراجُع النمو، في حلقة مفرغة انتهت بأزمة 1998.
تؤكد هذه التجارب أن خفض التضخم على نحو مستدام، يستلزم إحكامَ السيطرة على العجز المالي وديناميات الدَّين العام، وهو ما يعتمد بدوره على توليد إيرادات مالية كافية، الأمر الذي يتطلَّب أُسُسًا متينةً للنمو: قطاعًا خاصًّا صحيًّا وقطاعًا ماليًا قائمًا على موازنات صارمة ومنافسة فعالة.
ومما لا شك فيه أن تذبذب الناتج العام يؤثِّر بالسلب على النمو طويل الأجل. لكن كيف يرتبط الدَّين العام بتذبذب الناتج؟ يأخذنا هذا السؤال في اتجاهين: (1) عدم اليقين على المستوى الكلي وأثره في الاستثمار، (2) وزيادة قابلية التعرُّض للأزمات. فالبلد المثقَل بالدَّين يكون أكثر عرضة للأزمات الكلية عند وقوع صدمات أو تحوُّل تدفقات رأس المال. وغالبًا ما تتسبب هذه الأزمات في انهيار سعر الصرف، والاندفاع إلى المصارف، وأحيانًا في إخفاق سيادي، ثم تعقُبها فتراتُ ركود تام. ومن الضروري الإحاطة بهذه التأثيرات، لأن قياس تذبذب الناتج على المدى الطويل يمزج بين فترات التذبذب الدورية وفترات الأزمات الطارئة. وتمنح هذه المعرفةُ أولويةً لتطوير الأُطُر المالية والمؤسسية وتجنُّب الأزمات، بوصفها عوامل حاسمةً للحد من أثر التذبذب السلبي على النمو.
ماذا تفعل الدول النامية لخفض قابلية التأثر بالأزمات؟
تحافظ الدول التي تتسم بقابلية عالية للتأثر بالأزمات -مثل البرازيل وتركيا وجامايكا- على فوائض مالية غير مسبوقة. وقد استمر هذا المسار لفترات كان يُظن قبل سنوات بأنها غير ممكنة، ما يعكس إدراكها أن مستويات الدَّين باتت مرتفعة ومُعيقة للتنمية، وأن تكرار التعثُّر وإعادة الهيكلة ينطويان على كُلفَة باهظة على المدى الطويل. فيما لا يمكن استبعاد أثر انخفاض أسعار الفائدة العالمية لفترة طويلة في أعقاب 11 سبتمبر 2001 في تبنِّي هذا المسار، وأيضًا التحوُّل النسبي في أدوار القطاعَين العام والخاص بما يتناسب مع خفض نسبة الدَّين العام إلى الناتج المحلي.
في الوقت نفسه رفعت هذه الدول احتياطياتها قياسًا إلى الدَّين الخارجي قصير الأجل بما يقلِّل من قابليتها للتأثر بتقلُّبات السوق. يؤدي هذان الإجراءان -الفوائض الكبيرة لكبح الدَّين، وتعزيز السيولة المالية- إلى تقليص التأثُّر بديناميات الدَّين غير المستدامة، وتناقص السيولة. كما يُعَدُّ الانتقال إلى أسعار صرف مرنة وسياسات كلية متحفظة خروجًا صريحًا عن نُظُمِ الصرف الثابت والسياسات التوسعية التي سادت من قبل.
ثمة إجراء إضافي طُبِّقَ في عدد من الدول التي شهدت أزمات التسعينيات من بينها الهند والبرازيل يتمثَّل في التحوُّل نحو الاقتراض المقيَّد بالعملة المحلية. تتوقَّف فائدة هذا التحوُّل في خفض قابلية التأثر بالأزمات على اقترانه بإجراءات أخرى تعزِّز الملاءة المالية للدولة، مثل الحفاظ على فوائض مالية أكبر عن طريق الإصلاحات التي تُوجَّه إلى الإنفاق الحكومي والإيرادات، لا عبر المواءمة السياسية المتمثلة في خفض الاستثمار في البنية التحتية.
وماذا تقول الأسواق؟
مهما كانت عيوب الأسواق، وما يُوجَّه إليها من اتهاماتٍ بقِصَر النظر والجشع وسلوكيات «الرعي التجاري» والإفراط في المخاطرة فإنها تظل المُقرِّر النهائي لمصير الدَّيْن في الدول النامية. كما أن أسواق اليوم تختلف عن أسواق الثمانينيات، حيث حلَّت أسواق السندات محَلَّ البنوك الكبرى بنسبة كبيرة، وصار الدَّين السيادي مُوزَّعًا على مَحافظ منوَّعة. وفوق ذلك، تغيَّرت طبيعة قاعدة المستثمرين في الدول النامية على نحوٍ يُنتِج المزيد من الاستقرار، مع تزايد الوعي بالقواعد التي تحكُم كُلَّ بلدٍ وتوافر المعلومات عن السوق.
اختلفَت الحوافز أيضًا على وجهَين؛ فقد لعب الخوف من حدوث أزمة مالية دولية خلال عقد الثمانينيات دورًا سياسيًّا حاسمًا في حشد دعمٍ رفيع المستوى من الدول الدائنة من أجل التوصُّل للتسوية، خاصةً مع تَركُّز الدَّين في عدد محدود من البنوك الكبرى. وعلى الرغم من التنسيق عالي المستوى فقد استغرق التوصُّل إلى حل نهائي عدة سنوات. أما مؤخرًا فقد تبيَّن خطأ التوقعات بإنقاذ روسيا أو الأرجنتين. ومع تحمُّل المستثمرين خسائر ضخمة فإنه يُفترض أن تتراجع المخاطر الأخلاقية المرتبطة بهذه التوقعات، ما يعني أن مشكلات الدَّين ستُعالَج كلًّا على حدة مع تحمُّل الدول المدينة نفسها عبء الحل.
ثمة اعتبار مؤثر على الدول النامية هو كيفية تقييم الأسواق لاستدامة الدَّين. يُمكن الاستدلال على هذه الكيفية من فارق عائد مؤشرEMBI Global لكل بلد؛ إذ يقيس هذا الفارق مخاطر التعثُّر بالمقارنة بدول مَرجعية متقدمة -عادةً ما تكون الولايات المتحدة- عن طريق قياس الفارق الحسابي بين عائد سند البلد وعائد سند مماثل في الأجل بالبلد المرجعي. يُشير الفارق الضئيل إلى قلة احتمالية التعثُّر، والعكس. مع ذلك قد يقِلُّ الفارق نتيجة هبوط عائد السند المرجعي نفسه. ولتجنُّب هذا الالتباس يُنظَر إلى الفوارق في بعض البلدان التي شهدت أزمات التسعينيات، وإلى فارق «السندات عالية العائد» للشركات تلك التي يُطلَق عليها «سندات الخردة».
ختامًا: نخلُص إلى أن الدَّين العام ليس معوِّقًا للتنمية في الدول النامية، ولا ضامنًا لها، بل هو أداة مالية في يد الحكومات تتوقف فائدتها على حُسن توظيفها وإدارتها. فحين يتم توجيه الاقتراض إلى استثمارات مُجدِية في إطار سياسات مالية منضبطة وبيئة اقتصادية مستقرة فإنه يُعزِّز التنمية ويزيدها استدامةً. وعلى النقيض لو انعكست الظروف فقد يزيد الاقتراض من قابلية الدولة للتأثر بالأزمات.
تشير الدراسات إلى أن نجاحَ النموذج القائم على السوق يتطلَّب مزيجًا من الانضباط المالي، ومرونة سعر الصرف، وتطوير السوق المحلية، وتجنُّب الاعتماد على الدَّين الخارجي قصير الأجل. وفي ظل عالمٍ متقلب تتبدل فيه أمزجة المستثمرين واتجاهات رأس المال تبقى مسألة استدامة الدَّين اختبارًا لقدرة الدول النامية على تحقيق التوازن بين متطلبات الاستقرار وأهداف النمو طويل الأجل.
إندرمت غِل: اقتصادي هندي-أمريكي، يشغل منصب الاقتصادي الرئيس في قطاع الاقتصاد التنموي بمجموعة البنك الدولي منذ سبتمبر 2022. له إسهامات بارزة في اقتصاد التنمية مثل مفهوم «فخ الدخل الوسيط» وأبحاث عن الديون والنمو والفقر في الدول النامية.
براين بينتو: اقتصادي دولي ذو خبرة طويلة، عَمِلَ بالبنك الدولي في مجالات «سياسات النمو»، و«الديون» و«السياسات الاقتصادية للدول النامية»، ويشغل حاليًا منصب مستشار أول في شبكة الحد من الفقر وإدارة الاقتصاد داخل البنك الدولي.