«عمان»: أقبل الاقتصاد العالمي على عام 2026 وسط ضبابية عالية سببتها تقلب السياسات التجارية وتراكم الضغوط المالية بسبب الأزمات السابقة وجميعها عوامل أبقت آفاق النمو العالمي عند مستويات أدنى من متوسطها التاريخي رغم تراجع حدة بعض الصدمات التي سيطرت على المشهد خلال الأعوام الماضية.

ووفقا لتقرير الأوضاع والآفاق الاقتصادية العالمية لعام 2026 الصادر عن إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة فأنه من المتوقع أن يبقى النمو الاقتصادي العالمي دون متوسطه المسجل قبل جائحة كوفيد-19، كما يُتوقع أن يتسم مسار النمو بتباينات واضحة بين الاقتصادات سواء من حيث وتيرته أو مصادره، مع بقاء عدد من الاقتصادات منخفضة الدخل والفئات الأكثر هشاشة في وضع أقل ملاءمة للاستفادة من التعافي العالمي.

ورسم خبراء الأمم المتحدة صورة أكثر تعقيدا مع تسارع التحولات التكنولوجية وخاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والبنية الأساسية الرقمية إلى جانب الطلب المتنامي على المعادن الحيوية وهي تطورات من شأنها أن تعزز موجات جديدة من الاستثمار والابتكار.

وعلى صعيد المخاطر، تحكي توقعات التقرير أن مواطن الضعف لا تزال قائمة في كل الجوانب المالية والتجارية؛ حيث تؤدي التقييمات المرتفعة للأصول وارتفاع مستويات الرافعة المالية إلى زيادة احتمالات حدوث تصحيحات مالية مفاجئة، كما أن تجدد التوترات الجيوسياسية أو التجارية من شأنه أن يربك سلاسل الإمداد العالمية ويؤثر في تدفقات رؤوس الأموال وأسعار الصرف، بما يضيف ضغوطًا إضافية على الاقتصادات الأكثر هشاشة.

استقرار حذر .. و قيود هيكلية

وبصورة عامة تعكس توقعات المشهد الاقتصادي للعام الجاري حالة من الاستقرار النسبي؛ حيث تتأثر بوادر التعافي مع قيود بنيوية ومخاطر كامنة مما يجعل مسار النمو عرضة للتقلب، وتؤكد أن التحدي لا يكمن فقط في تحقيق النمو بل في ضمان استدامته وشموليته في بيئة دولية تتسم بتغيرات متسارعة وعدم يقين متواصل.

وتقول توقعات الامم المتحدة أن الاقتصادات المتقدمة في عام 2026 ستمد بحالة من التوازن الهش بين عوامل الدعم قصيرة الأجل والقيود البنيوية طويلة الأمد، فبينما توفر السياسات التيسيرية وأسواق العمل المستقرة مظلة حماية مؤقتة للنشاط الاقتصادي تظل تحديات الإنتاجية والتحولات الديموغرافية والضغوط الجيوسياسية عوامل تحول دون تحقيق نمو أعلى وأكثر ديناميكية وتُبقي آفاق هذه الاقتصادات محكومة بالحذر والترقب.

أما الاقتصادات النامية خلال عام 2026 فيتوقع لها أن تمر بتفاوت ملحوظ بين المناطق في ظل اختلاف مستويات المرونة الاقتصادية، وتباين القدرة على التعامل مع الصدمات الخارجية، واستمرار تأثير التوترات التجارية والقيود المالية العالمية. ففي الصين مثلا يُتوقع أن يحافظ الاقتصاد على وتيرة نمو قوية نسبيا مقارنة بالعديد من الاقتصادات الأخرى مدعوما بتخفيف مؤقت للتوترات التجارية مع الولايات المتحدة شمل خفضا مستهدفا للرسوم الجمركية والتوصل إلى هدنة تجارية لمدة عام مما أسهم في تعزيز الثقة واستقرار الطلب المحلي، كما انعكس ذلك في أداء الصادرات التي تواصل تسجيل فائض تجاري كبير مدفوعا بمرونة الطلب في الأسواق خارج الولايات المتحدة، ولا سيما في آسيا وأوروبا، غير أن هذا الأداء الإيجابي -على حد قول الخبراء- لا يخلو من مخاطر أبرزها احتمال تجدد الاحتكاكات التجاري وتباطؤ الطلب الخارجي واستمرار الضعف في قطاع العقارات.

وتبدو التوقعات في جنوب آسيا أكثر إيجابية نسبيا، رغم الاتجاه نحو اعتدال النمو مقارنة بالعام السابق، وذلك بسبب قوة الطلب المحلي في عدد من اقتصادات المنطقة، واستمرار دور الاستثمارات العامة في دعم النشاط الاقتصادي، وفي الهند بشكل خاص يتوقع أن يظل النمو مدعوما بالاستهلاك المرن والاستثمار العام القوي، مع مساهمة الإصلاحات الضريبية الأخيرة والتيسير النقدي في توفير دعم إضافي على المدى القريب بما يساعد على امتصاص أثر الضغوط الخارجية المرتبطة بالرسوم الجمركية الأمريكية.

وفي إفريقيا تشير توقعات الأمم المتحدة إلى تحسن طفيف في وتيرة النمو مع تحسن استقرار الاقتصاد الكلي وزيادة الاستثمار ومرونة الطلب الاستهلاكي، كما أسهم تنويع شركاء التصدير في تعزيز قدرة بعض الاقتصادات على مواجهة الاضطرابات التجارية، غير أن الاعتماد المستمر على عدد محدود من المنتجات التصديرية، وتباين أداء السلع الأساسية، واستمرار ارتفاع تكاليف خدمة الدين وتراجع المساعدات الإنمائية الرسمية، تشكل تحديات جوهرية تقيد آفاق النمو في عدد من دول القارة.

ونستطيع القول إنه بصورة أشمل يعكس المشهد الاقتصادي في الاقتصادات النامية خلال عام 2026 حالة من التعافي غير المتكافئ؛ حيث تتمكن بعض الدول من الاستفادة من مرونة الطلب المحلي والإصلاحات الهيكلية في حين ستواجه أخرى قيودا حادة بسبب محدودية الحيز المالي وارتفاع أعباء الدين واستمرار عدم اليقين التجاري. ويؤكد هذا التباين أن مسار النمو في العالم النامي سيظل مرهونا بقدرة الدول على تعزيز مرونتها الاقتصادية وتنويع قواعدها الإنتاجية، والتكيف مع بيئة دولية تتسم بتقلبات متزايدة.

التجارة العالمية وسلاسل الإمداد

أظهرت التجارة العالمية خلال الفترة الأخيرة درجة من المرونة رغم تصاعد حالة عدم اليقين في السياسات التجارية وعودة النزعات الحمائية إلى الواجهة فقد استفادت حركة التجارة في المدى القريب من تسريع الشحنات قبل تطبيق زيادات جديدة في الرسوم الجمركية، إضافة إلى استمرار الزخم في تجارة السلع والخدمات، ولا سيما في مجالات السفر والخدمات الرقمية والمهنية.

الا ان هذه المرونة وفقا لاقتصاديو الأمم المتحدة تعد مؤقتة بطبيعتها؛ حيث يشير التقرير إلى أن زخم التجارة العالمية مرشح للتراجع خلال عام 2026، مع انحسار أثر تسريع الشحنات وتزايد ترسخ الرسوم الجمركية والإجراءات الحمائية،كما أسهمت حالة عدم اليقين المرتفعة في إرباك بيئة التجارة الدولية مما انعكس على قرارات الاستثمار والإنتاج، وأضعف آفاق التوسع في التبادل التجاري خصوصا في الاقتصادات الأكثر انكشافا على الطلب الخارجي.

وعلى الرغم من هذه التحديات يظل التكامل التجاري العالمي «عميقا» كما تصف التوقعات حيث لا تزال التجارة في السلع والخدمات تشكل جزءا محوريا من النشاط الاقتصادي العالمي، وتستمر نسبة كبيرة من حركة التجارة الدولية في الخضوع لنظام الدولة الأولى بالرعاية ويشير ذلك إلى أن البنية الأساسية للنظام التجاري العالمي لم تتفكك، رغم الضغوط المتزايدة التي تواجهها.

ويلفت التقرير إلى تحولات هيكلية متسارعة تعيد تشكيل أنماط التجارة العالمية، إذ تتجه الشركات هذا العام إلى تنويع سلاسل الإمداد وتقليص الاعتماد على موردين أو أسواق بعينها إلى جانب نقل بعض مراحل الإنتاج جغرافيا وتوسيع الروابط التجارية بين دول الجنوب، وستسهم الرقمنة السريعة والتقدم التكنولوجي في تعزيز حصة الخدمات الرقمية في التجارة العالمية مما يفتح مجالات جديدة للاندماج في سلاسل القيمة العالمية، خاصة أمام الاقتصادات القادرة على الاستثمار في البنية الأساسية الرقمية.

وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة بالنسبة للاقتصادات النامية؛ حيث يبرز التقرير فرصا محتملة لاندماج أوسع في قطاعات ناشئة من التجارة العالمية، سواء في التصنيع أو الخدمات، شريطة توافر بيئة استثمارية داعمة وقدرة مؤسسية على التكيف مع المتغيرات الجديدة. غير أن هذه الفرص تقابلها مخاطر حقيقية، تتمثل في اتساع الفجوات بين الدول القادرة على مواكبة التحول التجاري الرقمي وتلك التي تفتقر إلى الموارد والبنية الأساسية اللازمة.

وبصورة عامة يعكس مشهد التجارة العالمية في عام 2026 مرحلة انتقالية تتسم ببروز اتجاهين متوازيين أولهما استمرار الترابط التجاري العالمي رغم الضغوط، وثانيهما تسارع التحولات البنيوية التي قد تعيد رسم خريطة التجارة الدولية. وبينما تفرض النزاعات التجارية وعدم اليقين السياسي قيودا واضحة على النمو، تبرز في المقابل فرص جديدة لإعادة هيكلة سلاسل الإمداد وتعزيز أنماط أكثر تنوعا ومرونة في التجارة العالمية، وإن كانت هذه الفرص موزعة بشكل غير متكافئ بين الدول

التضخم والسياسات النقدية

تجمع التوقعات لهذا العام أن يواصل التضخم العالمي مساره الانخفاضي بعد أن بلغ ذروته في أعقاب الصدمات المتتالية التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال الأعوام الماضية، ويعكس هذا التراجع تحسن أوضاع سلاسل الإمداد وانحسار الضغوط المرتبطة بأسعار الطاقة والغذاء إلى جانب أثر التشديد النقدي الذي تم تطبيقه على نطاق واسع في معظم الاقتصادات الكبرى.

ويشير التقرير إلى أن تراجع التضخم يتيح للبنوك المركزية في عدد من الاقتصادات المتقدمة والنامية على حد سواء مساحة أكبر لاعتماد نهج نقدي أكثر تيسيرا، أو على الأقل أقل تشددا، مقارنة بالفترة السابقة. غير أن هذا التحول يجري بحذر شديد، في ظل إدراك صناع السياسات للمخاطر المرتبطة بتخفيف الأوضاع النقدية على نحو سريع، لا سيما مع استمرار بعض مصادر الضغوط السعرية، ووجود فجوات واضحة بين معدلات التضخم الأساسية والمستويات المستهدفة في عدد من الاقتصادات.

وفي الاقتصادات المتقدمة، يظل مسار التضخم متفاوتا؛ حيث تقترب بعض الدول من تحقيق استقرار سعري نسبي، بينما تواجه أخرى ضغوطا مستمرة ناجمة عن ارتفاع تكاليف الخدمات، ونمو الأجور، واستمرار اختناقات هيكلية في أسواق العمل. ويعني ذلك أن السياسات النقدية، وإن اتجهت نحو قدر أكبر من المرونة، ستظل مقيدة بالحاجة إلى تثبيت توقعات التضخم والحفاظ على مصداقية البنوك المركزية.

أما في الاقتصادات النامية، فيُظهر التقرير صورة أكثر تعقيدا، فعلى الرغم من تراجع معدلات التضخم في عدد من هذه الدول، لا تزال الضغوط السعرية مرتفعة في دول أخرى، متأثرة بعوامل داخلية مثل ضعف العملات، وارتفاع تكاليف الاستيراد، وضغوط التمويل الخارجي، كما تواجه العديد من الاقتصادات النامية تحديا إضافيا يتمثل في محدودية الحيز النقدي والمالي، ما يقلص قدرتها على استخدام أدوات السياسة النقدية لدعم النمو دون المخاطرة بعودة التضخم أو تفاقم اختلالات الاقتصاد الكلي.

ويلفت التقرير الانتباه إلى أن مسار السياسات النقدية في عام 2026 لن يكون موحدا عالميا، بل سيعكس تباين الظروف الاقتصادية بين الدول والمناطق. فبينما قد تتجه بعض البنوك المركزية إلى خفض تدريجي لأسعار الفائدة أو الإبقاء عليها عند مستويات مستقرة، ستضطر أخرى إلى الحفاظ على سياسات أكثر تشددا لفترة أطول، تحسبا لمخاطر التضخم وتقلبات أسواق الصرف.

ويعكس مشهد التضخم والسياسات النقدية في عام 2026 مرحلة انتقالية دقيقة تتراجع فيها الضغوط السعرية مقارنة بالسنوات السابقة، دون أن تختفي تماما، ويؤكد التقرير أن التحدي الأساسي أمام صناع السياسات لا يتمثل فقط في خفض التضخم بل في تحقيق توازن دقيق بين دعم النمو الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار السعري في بيئة عالمية لا تزال مثقلة بعدم اليقين والمخاطر المتداخلة.

توجهات الاستثمار العالمي

وفي قراءته لتدفقات الاستثمار هذا العام ترى إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة أن يظل الاستثمار العالمي خلال عام 2026 دون مستويات التعافي المأمولة، في ظل استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي، وارتفاع تكاليف التمويل، وتزايد المخاطر الجيوسياسية والتجارية. ويعكس هذا الضعف تردد الشركات في توسيع استثماراتها طويلة الأجل، إلى جانب تحفظ الحكومات في زيادة الإنفاق الرأسمالي في بيئة تتسم بقيود مالية متزايدة.

ويشير التقرير إلى أن الاستثمار الخاص لا يزال متأثرا بمستويات الفائدة المرتفعة نسبيا، رغم بدء التحول التدريجي نحو سياسات نقدية أقل تشددا في بعض الاقتصادات، كما أن الغموض المرتبط بالسياسات التجارية، واحتمالات تصاعد النزاعات الجيوسياسية، يدفع الشركات إلى تأجيل قرارات التوسع أو إعادة توجيه استثماراتها نحو مجالات أقل مخاطرة، ما يحد من دور الاستثمار كقاطرة للنمو الاقتصادي.

وفي الاقتصادات المتقدمة على وجه التحديد يُتوقع أن يظل الاستثمار ضعيفا نسبيا، رغم بعض التحسن في القطاعات المرتبطة بالتقنيات المتقدمة والتحول الرقمي والطاقة النظيفة، غير أن هذا التحسن يظل غير كافٍ لتعويض التراجع في استثمارات أخرى، لا سيما في القطاعات التقليدية والبنية الأساسية؛ حيث تؤدي القيود المالية وارتفاع تكاليف الاقتراض إلى تقليص حجم المشاريع الجديدة.

أما في الاقتصادات النامية فقد أظهر التقرير تباينا حادا في تدفقات الاستثمار. فبينما تستفيد بعض الدول من إعادة توجيه سلاسل الإمداد العالمية ومن الاستثمارات المرتبطة بالتصنيع والخدمات الرقمية، تواجه دول أخرى تراجعا ملحوظا في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، نتيجة ضعف الثقة، وارتفاع المخاطر، وتزايد أعباء الدين. كما يشكل انخفاض المساعدات الإنمائية الرسمية وتراجع التمويل الميسر تحديا إضافيا أمام الاقتصادات الأشد احتياجا للاستثمار.

ويلفت اقتصاديو الأمم المتحدة الانتباه إلى أن الاستثمار العام، الذي يُفترض أن يلعب دورا تعويضيا في دعم النشاط الاقتصادي، يظل مقيدا في العديد من الدول بسبب الضغوط على المالية العامة وارتفاع مستويات الدين. ويحد ذلك من قدرة الحكومات على توسيع الإنفاق على البنية الأساسية والتعليم والصحة، وهي مجالات أساسية لتعزيز الإنتاجية والنمو طويل الأجل.

وبشكل عام يعكس مشهد الاستثمار العالمي في عام 2026 حالة من التباطؤ الهيكلي؛ حيث ستتقاطع القيود المالية مع حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي لتقويض الزخم الاستثماري، ويؤكد التقرير أن تعافي الاستثمار يتطلب بيئة أكثر استقرارا من حيث السياسات وتحسين الثقة وتوسيع أدوات التمويل، خاصة في الاقتصادات النامية، بما يضمن دورا أكثر فاعلية للاستثمار في دعم النمو الشامل والمستدام.

أسواق العمل والبعد الاجتماعي

ويُرى لأسواق العمل العالمية خلال عام 2026 على درجة من الاستقرار النسبي، مدعومة بمرونة النشاط الاقتصادي في عدد من الاقتصادات الكبرى، وتحسن تدريجي في مستويات التوظيف مقارنة بمرحلة ما بعد الجائحة. غير أن هذا الاستقرار الظاهري يخفي وراءه اختلالات هيكلية عميقة، تظل مصدر قلق على المدى المتوسط والطويل.

ويشير التقرير إلى أن معدلات البطالة العالمية من المرجح أن تبقى مستقرة إلى حد كبير، مع استمرار الطلب على الأيدي العاملة في قطاعات الخدمات والرعاية الصحية والتقنيات الرقمية، إلا أن هذا التحسن لا ينعكس بالتساوي عبر جميع الفئات حيث لا تزال مشاركة القوى العاملة أقل من مستوياتها السابقة في عدد من الدول خصوصا بين النساء والشباب نتيجة عوامل ديموغرافية واجتماعية، إضافة إلى التغيرات في أنماط العمل.

وفي المقابل يستمر شح الأيدي العاملة في الاقتصادات المتقدمة يستمر شح الأيدي العاملة في بعض القطاعات، ما يسهم في دعم نمو الأجور الاسمية، ويعزز القدرة الشرائية للأسر. إلا أن التقرير يلفت إلى أن هذا التطور لا يخلو من تحديات؛ إذ يؤدي ارتفاع تكاليف الأجور إلى ضغوط إضافية على الشركات، ويحد من قدرتها على التوسع والاستثمار، كما قد يساهم في إبقاء بعض الضغوط التضخمية قائمة، خاصة في قطاع الخدمات.

أما في الاقتصادات النامية، فتتسم أوضاع أسواق العمل بهشاشة أكبر. فعلى الرغم من تحسن معدلات التوظيف في بعض الدول، لا يزال العمل غير الرسمي يشكل جزءًا كبيرًا من النشاط الاقتصادي، ما يحد من جودة الوظائف، ويضعف شبكات الحماية الاجتماعية. كما يواجه الشباب تحديات مستمرة في الاندماج في سوق العمل، في ظل فجوات المهارات، وعدم مواءمة أنظمة التعليم مع احتياجات الاقتصاد الحديث.

ويبرز التقرير كذلك البعد الاجتماعي للنمو الاقتصادي، مشيرا إلى أن تباطؤ النمو العالمي واستمرار الضغوط على المالية العامة يحدان من قدرة الحكومات على توسيع برامج الحماية الاجتماعية. ويؤدي ذلك إلى تفاقم التفاوتات داخل الدول وبينها، لا سيما في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، واستمرار ضعف الدخول الحقيقية لبعض الفئات، رغم تحسن المؤشرات الكلية.

وقد يتطلب تحقيق نمو أكثر شمولا وفقا للتقرير معالجة الجوانب الهيكلية لأسواق العمل من خلال تعزيز الاستثمار في التعليم والتدريب، وتحسين جودة الوظائف، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي، كما شدد اقتصاديو الأمم المتحدة على أهمية دمج الفئات الأكثر تهميشا في النشاط الاقتصادي، باعتبار ذلك عنصرا أساسيا لضمان استدامة النمو وتقليل المخاطر الاجتماعية والاقتصادية في بيئة عالمية تتسم بعدم اليقين.

فرص تقنية وتفاوتات في الجاهزية

ولا يخفى على أحد دور الذكاء الاصطناعي والتحول التكنولوجي المتسارع وأهميتهما بوصفهما من أهم العوامل التي يمكن أن تؤثر في آفاق النمو الاقتصادي العالمي خلال عام 2026، سواء من حيث تعزيز الإنتاجية أو إعادة تشكيل أنماط العمل والاستثمار، غير أن التقرير يشير بوضوح إلى أن الاستفادة من هذه التحولات تظل غير متكافئة بين الدول، وتعتمد بدرجة كبيرة على مستوى الجاهزية المؤسسية والتكنولوجية.

وتمتلك تقنيات الذكاء الاصطناعي إمكانات ملموسة لرفع كفاءة الإنتاج وتحسين تخصيص الموارد في قطاعات متعددة، تشمل الصناعة والخدمات واللوجستيات، كما تسهم هذه التقنيات في تسريع الابتكار ودعم نماذج أعمال جديدة، ما قد يعزز النمو على المدى المتوسط. إلا أن هذه المكاسب المحتملة تظل مشروطة بتوافر البنية الأساسية الرقمية، ورأس المال البشري المؤهل، والأطر التنظيمية القادرة على مواكبة التطورات التقنية.

وفي الاقتصادات المتقدمة على الأخص يُتوقع أن تلعب الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية دورا داعما للنمو خاصة في ظل سعي الشركات إلى تعويض نقص الأيدي العاملة واحتواء ضغوط التكاليف عدا أن التقرير يلفت إلى أن هذه التحولات قد تفضي في الوقت ذاته إلى تغييرات هيكلية في أسواق العمل، مع احتمال تراجع الطلب على بعض الوظائف التقليدية، مقابل ارتفاع الطلب على مهارات متقدمة مما يستدعي سياسات نشطة لإعادة التأهيل والتدريب.

أما الاقتصادات النامية فيشير التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل سيفا ذا حدين بالتسبة لها فمن جهة يتيح لها فرصا لتجاوز بعض مراحل التطور التقليدي، وتحسين كفاءة الخدمات العامة وتعزيز الاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي، وومن جهة أخرى فإن محدودية الاستثمار في البنية الأساسية الرقمية، وضعف أنظمة التعليم والتدريب، قد تحول دون الاستفادة الواسعة من هذه التقنيات، بل وقد تسهم في تعميق الفجوات القائمة بين الدول وداخلها.

كما يتناول التقرير الأبعاد التنظيمية والأخلاقية المصاحبة لتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي، مشيرا إلى الحاجة إلى أطر حوكمة فعالة توازن بين تشجيع الابتكار والحد من المخاطر بما في ذلك قضايا الخصوصية والأمن السيبراني وتأثير التقنيات الجديدة في التفاوت الاجتماعي، ويؤكد أن غياب هذه الأطر قد يقوض الثقة ويحد من الأثر الإيجابي المتوقع للتحول التكنولوجي على النمو.

ويخلص التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي والتحولات التكنولوجية يشكلان عنصرا محوريا في تشكيل آفاق الاقتصاد العالمي في عام 2026، غير أن أثرهما سيظل متفاوتا إلى حد كبير، فبينما تملك بعض الاقتصادات القدرة على تحويل هذه التقنيات إلى محركات حقيقية للنمو والإنتاجية تواجه أخرى تحديات جدية في مواكبة هذا التحول ما يجعل الاستثمار في الجاهزية الرقمية والمؤسسية شرطا أساسيا لضمان أن تكون ثمار التقدم التكنولوجي أكثر شمولا واستدامة.