محمد العريان -

من الناحية الإحصائية، سيقدّم العام الجاري توزيعا متعدد القمم للسيناريوهات المحتملة: مسارٌ معقول لنمو قوي تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحيط به من جهة «معجزة إنتاجية»، ومن الجهة الأخرى سيناريو هبوطي محفوف بالمخاطر تقوده أسواق السندات، ويتعيّن على المستثمرين وصنّاع السياسات الاستعداد لجميع هذه المآلات.

قد يبدو التنبؤ بسيناريو مركزي للاقتصاد الأمريكي في عام 2026 تمرينا مباشرا. غير أن احتمال تحقّق هذا التوقع الأساسي لا يتجاوز على الأرجح 50%؛ إذ إن منحنى التوزيع «الطبيعي» على شكل الجرس قد استُبدل بمنحنى ذي «ذيول سميكة» على نحو غير معتاد، ما يعني أن احتمال وقوع نتائج أكثر تطرفا –إيجابية كانت أم سلبية– بات كبيرا ومتكافئا. فالاقتصاد الأميركي لا يسير على مسار واحد بقدر ما هو عالق في شدّ وجذب متوتر بين ثلاثة مستقبلات متميزة: سيناريو مركزي معتدل من نمط «غولديلوكس-لايت»، وسيناريو صعودي مدفوع بالإنتاجية، وسيناريو هبوطي شديد التقلب.

ويفترض السيناريو المركزي اقتصادا قويا نسبيا، يواصل تحدّي التنبؤات بحدوث ركود دوري، ويبني تدريجيا متانة هيكلية طويلة الأجل، مدفوعا أساسا باستثمارات قوية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وبحلول العام المقبل، ستكون الولايات المتحدة قد تجاوزت المرحلة الحالية المهيمنة من ثورة الذكاء الاصطناعي –أي التوسع المحموم في مراكز البيانات والبنية الصلبة– لتنتقل نحو مرحلة أكثر اندماجا. وستظل النفقات الرأسمالية عند مستويات مرتفعة تاريخيا، مدفوعة بازدواجية العمل «على» الذكاء الاصطناعي و«معه».

ويكمّل هذه الديناميكية المؤسسية قطاعٌ استهلاكي لا يزال صامدا، تدعمه سياسات مالية ونقدية تيسيرية. وقد أثبتت الأسرة الأميركية أنها محرك متين للنمو، وإن كان هذا الدور آخذا في الضعف. ومع بقاء الصنابير المالية مفتوحة، واستعداد مجلس الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة، قد يستمر هذا الزخم، رغم مستويات الأسعار المرتفعة التي تثقل كاهل الأسر ذات الدخل المنخفض على نحو خاص.

ومع ذلك، سيظل التضخم اللزج حقيقة قائمة. فبينما قد لا تكون زيادات الأسعار حادة بما يكفي لزعزعة توقعات التضخم، فإنها على الأرجح ستبقى فوق مستهدفات الاحتياطي الفيدرالي، ما يحول دون العودة الكاملة إلى حقبة أسعار الفائدة شديدة الانخفاض التي سادت في عقد 2010. ويشمل هذا السيناريو أيضا تبلور ظاهرة مقلقة، تتمثل في فك الارتباط بين التوظيف والناتج المحلي الإجمالي. تاريخيا، ارتبط النمو الاقتصادي القوي ارتباطا وثيقا بخلق وظائف قوية. غير أن هذه العلاقة تبدو اليوم تحت ضغط متزايد، ما يعني أن نمو عام 2026 قد يترافق مع سوق عمل راكدة نسبيا. ومن شأن هذا «النمو بلا وظائف» أن يعمّق الطابع على شكل حرف K لأداء الاقتصاد. وبناء عليه، ستظل القدرة على تحمّل التكاليف نقطة اشتعال اجتماعية وسياسية، ما يبقي مسألة عدم المساواة في صدارة النقاش الوطني.

ويمثّل هذا السيناريو المركزي حالة تتسم بدرجة عالية من «التشتت»، ليس داخليا فحسب، بل دوليا أيضا. فعلى الصعيد العالمي، تتفوق الولايات المتحدة بشكل ملحوظ على الاقتصادات الكبرى الأخرى. إذ يظل كل من منطقة اليورو والمملكة المتحدة، المقيدتين بجمود هيكلي، عالقين في توازن منخفض النمو والاستثمار. ومع تقدم الصين ببطء في مساعيها لتحديث نموذج نموها، ستغدو الولايات المتحدة المحرك الرئيسي للاقتصاد العالمي بفارق كبير – وهو تركّز ينطوي بدوره على مجموعة خاصة من المخاطر.

أما سيناريوهات «الذيل السميك»، فتبدو احتمالاتها متقاربة، ما يبرر مشاعر الأمل والقلق في آن واحد. فعلى الجانب الأيمن، تبرز رؤية مغرية لاقتصاد لا يكتفي بالنمو، بل يتسارع، مع توسيع قدرته المستقبلية. وفي هذا السيناريو، تُترجم وتيرة تبنٍ أسرع من المتوقع للذكاء الاصطناعي، مقترنة بالروبوتات، إلى مكاسب إنتاجية ملموسة على مستوى الاقتصاد ككل، ما يمكّن الولايات المتحدة من توسيع الفجوة مع الاقتصادات الكبرى الأخرى.

وإذا ما تحقق هذا «الوعد الإنتاجي» بسرعة كافية، فقد تشهد الولايات المتحدة طفرة غير تضخمية. فمع توسع جانب العرض بالسرعة التي تواكب ارتفاع الطلب، يبقى التضخم تحت السيطرة. ويشكّل هذا سيناريو «غولديلوكس» معزّزا: توسع تقوده التكنولوجيا، يرفع هوامش أرباح الشركات ويزيد الإيرادات الضريبية، ما قد يخفف الضغوط المالية العامة ويمكّن الاحتياطي الفيدرالي من خفض أسعار الفائدة بوتيرة أكثر جرأة.

غير أن السيناريو الهبوطي يبدو مرجحا بالقدر نفسه: ليس ركودا تقليديا ناجما عن نضوب الطلب، بل تصاعدا في التقلبات، مصدره عدم الاستقرار المالي، أو أخطاء السياسات، أو حسابات عام انتخابي، أو تطورات جيو-اقتصادية. ويكمن أحد المخاطر الرئيسة في سوق السندات. ففي ظل استمرار العجوزات الأميركية عند مستويات مرتفعة، وارتفاع كلفة خدمة الدين، وحاجة الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى تمويل إضافي، قد يعود «حرّاس السندات» إلى الواجهة. ومن شأن قفزة مفاجئة في العوائد أن تزعزع استقرار النظام المالي، وتقوّض النشاط الاقتصادي إلى ما يتجاوز حدود الولايات المتحدة بكثير. فما يحدث في سوق سندات الخزانة الأميركية نادرا ما يبقى محصورا فيها.

وتتعزز هذه الهشاشة المالية باحتمال وقوع أخطاء في السياسات –سواء على الصعيد المالي أو النقدي– في وقت بات فيه هامش المناورة المتاح لصنّاع القرار دقيقا للغاية. ومع اقتراب الانتخابات النصفية، يتحول هذا الخطر إلى عامل ذي تداعيات على الاقتصاد العالمي بأسره، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على المحرك الأميركي. وعندما تتقاطع هذه العوامل مع التوترات الجيوسياسية –من حروب تجارية وتسليح لسلاسل الإمداد إلى صراعات مباشرة– يصبح احتمال حدوث صدمة ركودية تضخمية أمرا مطروحا بقوة.

ومع بداية عام 2026، يجب ألا نسمح لتوقع مركزي مريح بأن يغذي حالة من التراخي. فمن الناحية الإحصائية، نحن لا نواجه توزيعا طبيعيا، بل توزيعا متعدد القمم: مسارا معقولا لنمو قوي تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي في المنتصف، تحيط به من جهة معجزة إنتاجية، ومن الجهة الأخرى سيناريو هبوطي مثقل بالمخاطر. وعلى المستثمرين وصنّاع السياسات أن يأخذوا في الحسبان جميع هذه المآلات – وكذلك درجة التشتت الحادة بين الدول والقطاعات والأسر، التي تجمع بينها.