أنتارا هالدار -
لم يعد السؤال الحاسم في القرن الحادي والعشرين يدور حول ما إذا كانت البشرية قادرة على بناء أنظمة استثنائية، بل حول ما إذا كنا نستطيع مواءمتها ـ تقنيا، ومؤسسيا، وأخلاقيا ـ قبل أن تنفلت من قبضتنا. وبالنظر إلى الاتجاهات الأخيرة في حوكمة الذكاء الاصطناعي والمناخ، فإن أمامنا عملا شاقا.
ها هو وقت الغداء يعود مجددا إلى «قمة العالم». فقد أعاد عدد مجلة «تايم» السنوي الخاص بـ«شخصية العام» إحياء الصورة الأيقونية من حقبة الكساد الكبير، التي تُظهر عمّالَ صلبٍ يتناولون غداءهم بلا اكتراث على عارضةٍ فولاذية معلّقة فوق مانهاتن. ومع المدينة التي تنهض تحتهم، تُقدّم الصورة المخاطرةَ بوصفها أمرا مألوفا، بل مُجمّلا.
لكن هذه المرة، لم يعد الرجال الجالسون للغداء عمّالَ بناءٍ مجهولين. فالفنان الرقمي جيسون سيلر، الذي كُلّف من «تايم»، وضع فوق العارضة صور «معماريّي الذكاء الاصطناعي»: جنسن هوانغ من «إنفيديا»، وسام ألتمان من «أوبن إيه آي»، وإيلون ماسك من «إكس إيه آي»، ومارك زوكربيرغ من «ميتا»، وديميس هاسابيس من «غوغل ديب مايند»، وداريو أموداي من «أنثروبيك»، وفي-في لي من «ستانفورد»، وليزا سو من «أدفانسد مايكرو ديفايسز». الغلاف ذكي ومثير للجدل، إلى حد أن الكوميدي جيمي كيميل وصفه بأنه «ثمانية حمقى من رُسل القيامة». ومن خلال تتبّع القوس التكنولوجي من ناطحات السحاب الفولاذية إلى الآلات المفكّرة، قد يكشف الغلاف أكثر مما قصد المحررون أنفسهم. فالصورة الأصلية، الملتقطة في موقع «مركز روكفلر»، تُجسّد لحظة بعينها من الحداثة: لحظة تُكثّف الاعتقاد بأن البراعة الهندسية قادرة في النهاية على ملاحقة المخاطر وتجاوزها؛ وأن التقدّم التكنولوجي يبرّر كل دوارٍ يخلّفه؛ وأن شخصا ما، في مكان ما، قد حسب هوامش الأمان.
غير أن ما لا تُظهره الصورة هو السقالات، وشباك الأمان، أو المؤسسات -من برامج «الصفقة الجديدة» لفرانكلين ديلانو روزفلت إلى تقرير بيفريدج (الذي مهّد لولادة «الخدمة الصحية الوطنية» في بريطانيا) — التي كانت ستجعل مثل هذه المغامرات قابلة للاستمرار. ولا تُظهر أيضا كثرةَ العمّال الذين سقطوا — كثيرون مجازا، وبعضهم حرفيا- قبل أن تتكوّن تلك الحمايات. وفي وقتٍ يحتدم فيه الجدل حول تنظيم الذكاء الاصطناعي، تصبح هذه الفجوة قريبة من القلب. مرة أخرى، نجد أنفسنا على عارضةٍ ضيقة؛ لكنّها هذه المرة معلّقة بين إمكانات الذكاء الاصطناعي ووقائع الإرهاق المؤسسي واحتباس الكوكب. ومع ذلك، اختار كثيرون الاحتفاء بالبناة، فيما أهملوا السؤال الأكثر إلحاحا: من الذي يحكم عملية البناء، ولأي غاية؟
ضعْ في الاعتبار التباين بين احتفاء «تايم» وبين الإخفاق الصامت لمؤتمر الأمم المتحدة لتغيّر المناخ هذا العام (كوب30)، الذي صادف الذكرى العاشرة لاتفاق باريس. ففي الوقت الذي تُدرَّب فيه أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة، وتُنشر، وتُوسَّع خلال أشهر معدودة، تظل حوكمة المناخ غارقة في تأخيرات إجرائية ممتدة منذ عقود.
ومع ذلك، بات العلم أوضح. لم يعد الخطر مجرد احترار تدريجي؛ بل إننا نقترب مما يسميه يوهان روكستروم «سيناريو أرض البيت الزجاجي»: نقاط تحوّل (ذوبان الصفائح الجليدية، وذوبان الجليد الدائم، وانهيار الغابات) تُطلق حلقات تغذية راجعة تدفع الكوكب نحو حالة أشد حرارة واضطرابا، على نحو يتعذر معه فرض أي سيطرة بشرية ذات معنى. سيكون ذلك فشلا لا في الذكاء، بل في عنصر آخر ضمن استعارة غلاف «تايم»: «المواءمة». في العمارة، تشير المواءمة إلى ما إذا كان شكل البنية ووظيفتها وقيمها تشير في الاتجاه نفسه. فالمبنى المحكم المواءمة يوجّه الحركة، ويوزّع الأحمال، ويعلن غايته بتناسق؛ أما المبنى المختلّ المواءمة فيُنتج اختناقات وتوترات ومخاطر انهيار، حتى لو بدا مذهلا. وعلى هذا النحو تحديدا، تبدو المجتمعات الحديثة أكثر اختلالًا في المواءمة. تقنياتنا تتسارع أسرع من مؤسساتنا، وقدراتنا التقنية تتجاوز ـ بصورة متكررة ـ حدود رضانا وموافقتنا.
هذا الخيط المعماري ملائم أيضا للحظةٍ بات فيها كثير من المعلّقين ـ من يوني أبِلباوم في «ذا أتلانتيك» إلى عزرا كلاين في «نيويورك تايمز» ـ يستدعون فعل «البناء» استعارة لـ«الوفرة». فالبنية التحتية اللازمة لدعم الذكاء الاصطناعي تُشاد داخل «بيتٍ زجاجي» خاص بها: منافسة سوقية محمومة، ورأس مال وفير، وتنافس جيوسياسي، وثقافة سرعة. هذه القوى مصطفّة بإحكام بعضها مع بعض، لكنها على نحو كارثي غير مصطفّة مع الآليات القائمة التي تضمن المساءلة الديمقراطية، وإدارة المخاطر على المدى الطويل، والشرعية العامة.
وبالمثل، فإن مؤسسات حوكمة المناخ مصفوفة على إيقاع عالمٍ أبطأ وأكثر تساهلا من العالم الذي وصفه روكستروم. وتزداد هذه الاختلالات حدةً بفعل الغموض. نحن، على نحو متزايد، تحت رحمة أنظمة «الصندوق الأسود» ـ سواء كانت خوارزميات تشكّل تدفقات الائتمان والمعلومات، أو نماذج مناخية يجب أن تُترجم إلى لغة دبلوماسية ـ تمنح سلطة بلا تفسير. وعندما لا يمكن فهم النتائج أو الطعن فيها، تتآكل الشرعية. وتزدهر الشعبوية لا لأن الناس يرفضون الخبرة، بل لأنهم يُحكمون بأنظمة تطالبهم بثقة عمياء.
صورة «الغداء على العارضة» تلتقط هذا تماما. فهي توحي بأن الحسابات أُنجزت مسبقا. وأن المطلوب منا أن نعجب بجرأة قادة الذكاء الاصطناعي من دون طرح أسئلة مزعجة عن مخططاتهم. هنا يقدّم التاريخ تحذيرا. فقد فضّلت ثقافة الثورة الصناعية هي الأخرى البنّائين على الحوكمة. سبقت الآلاتُ قوانينَ العمل، وسبق التمويلُ التنظيمَ. لكن، على قسوة الاضطرابات التي نتجت، ظلّ الضرر في نهاية المطاف قابلا للاحتواء.
أما مع مخاطر الذكاء الاصطناعي والمناخ، فهامش الخطأ أضيق، والعواقب أشدّ دواما. لقد غدا نهج «الأرض المحروقة» القائم على استخراج القيمة بأقصى سرعة تهوّرا وجوديا. لم يعد السؤال الفاصل في القرن الحادي والعشرين ما إذا كانت البشرية تستطيع بناء أنظمة استثنائية؛ بل ما إذا كنا نستطيع مواءمتها ـ تقنيًا، ومؤسسيًا، وأخلاقيًا ـ قبل أن تنفلت من سيطرتنا.
نجا الرجال الجالسون على العارضة؛ لأن مجتمعهم شيّد، في نهاية المطاف، «العمارة غير المرئية» (المعايير، والضمانات، وثقافة المسؤولية المشتركة) التي تجعل الجرأة ممكنة. الرجولة الاستعراضية وحدها لم تكن لتكفي. وقد منحتنا «تايم» صورة قوية، وإن كانت مقلقة. إنها تصل ازدهار الذكاء الاصطناعي اليوم، بما فيه من نشوة، بأكثر انهيارات الرأسمالية رسوخا في الذاكرة، لتطرح سؤالا ضمنيا: هل سنبني المؤسسات اللازمة؛ كي تصبح هذه الارتفاعات قابلة للنجاة، أم سنواصل الخلط بين الدوار وبين بُعد النظر؟