شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة تمثلت في الانتقال نحو الاقتصاد القائم على المعرفة وبروز المجتمع القائم على التَعلُم؛ حيث أصبحت المعرفة والتعلم المستمر عنصرين أساسيين في تحقيق التميز المؤسسي، والقدرة على المنافسة والاستدامة.

وفي ظل تسارع التغيرات والتحولات الاقتصادية والتقنية لم تعد النماذج التنظيمية التقليدية قادرة على الاستجابة الفاعلة لمتطلبات هذه التحولات، الأمر الذي أدى إلى بروز مفهوم المؤسسة المتعلمة بوصفه استجابة تنظيمية لتلك التحولات.

وتُعد مُساهمة المفكر بيتر سينج (1990) منطلقًا تأسيسيًا لهذا المفهوم؛ إذ دعا إلى الانتقال من مؤسسات جامدة إلى مؤسسات قادرة على التعلم والتكيّف المستمر عبر بناء قدرات جماعية ومنهجية للتعلم. ويرى المفكر الإداري بيتر سينج أن المؤسسة المُتعلِّمة هي تلك التي تطوّر باستمرار قدرتها على التعلّم بما يمكّنها من صناعة مستقبلها، وهو ما يعكس تحوّل التعلم من نشاط ثانوي إلى عنصر جوهري في بقاء المؤسسات وقدرتها على التكيّف مع المتغيرات المُتسارعة.

تتجلى أهمية المؤسسة المُتعلمة في السياق المؤسسي المعاصر في قدرتها على تحسين الأداء المؤسسي، وتعزيز الإنتاجية والمرونة التنظيمية، فضلًا عن دعم رأس المال الفكري، وتنمية القدرات البشرية. فالمؤسسة التي تتبنى التعلم المؤسسي بوصفه ممارسة مستدامة تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات، واستثمار الفرص وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد.

كما يرتبط مفهوم المؤسسة المتعلمة ارتباطًا وثيقًا بمبادئ الحوكمة الرشيدة؛ حيث يُسهم التعلم التنظيمي في تعزيز الشفافية والمساءلة، وتحسين جودة اتخاذ القرار، وضمان الأداء المؤسسي المستدام على المدى البعيد.

وقد قدّم بيتر سينج نموذج «التخصصات الخمس» الذي يركز على التفكير النظمي، وبناء الرؤية المشتركة والتعلم الجماعي والتمكن الشخصي ونماذج التفكير الذهني. وفي هذا السياق يربط المفكران نوناكا وتاكيوتشي (1995) بين التعلم التنظيمي وخلق المعرفة مؤكدين أن المؤسسة المتعلّمة لا تقتصر على تبادل المعرفة، بل تشكّل إطارًا مؤسسيًا لتوليد المعرفة الجديدة واستبقائها ونقلها.

ويشير تسارع التحولات التقنية -ولا سيما الذّكاء الاصطناعيّ والتحول الرقمي- إلى حاجة متزايدة لمؤسسات قادرة على التعلم السريع، وتحديث مهارات موظفيها باستمرار. ويبرز في هذا السياق الطلب المتنامي على المهارات الرقمية ومهارات الذكاء الاصطناعيّ إلى جانب المهارات الناعمة مثل التفكير النقدي وحل المشكلات والتعلم الذاتي والعمل التشاركي، وهي مهارات لا يمكن ترسيخها إلا ضمن بيئة تنظيمية متعلمة. كما يؤكد المنتدى الاقتصادي العالمي (2023) أن فجوات المهارات المستقبلية تفرض على المؤسسات تبنّي التعلم المؤسسي بوصفه خيارًا استراتيجيًا.

وفي سياق الجهاز الإداري للدولة تمثل المؤسسة المتعلمة مدخلًا حوكميًا فاعلًا؛ إذ تتيح مواءمة التعلم المؤسسي مع التخطيط الاستراتيجي والتنظيم الإداري المرن وآليات المتابعة والتقويم المستمر.

ويُسهم هذا النهج في رفع كفاءة إدارة الموارد والمشاريع الحكومية، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وتحسين جودة الخدمات العامة. كما تدعم المؤسسة المتعلمة بناء جهاز إداري مرن ومبتكر يتسم بالفعالية والإنتاجية قادر على التكامل المؤسسي وصناعة المستقبل. ويُعد التعليم المستمر ركيزة أساسية في بناء المؤسسة المتعلمة؛ حيث ينتقل التركيز من التدريب التقليدي المحدود إلى التعلم المؤسسي المستدام بما ينعكس إيجابًا على كفاءة الموظفين والأداء العام للمؤسسة.

ويرتبط ذلك ارتباطًا وثيقًا بتنمية رأس المال الفكري من خلال إدارة المعرفة، واستبقاء الخبرات، ونقل المعرفة، وتوليد معرفة جديدة قادرة على دعم الابتكار المؤسسي.

ففي العمل المؤسسي تنمو وتنشط المؤسسة المتعلمة من خلال المعرفة التي تولدها والمعارف التي يتم تبادلها وتنشرها بين منسوبيها. لذلك من الأهمية بمكان ترسيخ ثقافة القيادة التنظيمية داخل المؤسسة لضمان ديمومتها وتميزها واستمراريتها وقدرتها على مواكبة المتغيرات المحيطة بها.

وفي ضوء «رؤية عُمان 2040» تتقاطع المؤسسة المتعلمة مع محور الحوكمة والأداء المؤسسي ومحور الاقتصاد والتنمية، ولا سيما التوجه الاستراتيجي نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة والتقنية والابتكار؛ إذ تمثل أداة استراتيجية لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص والمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني والأفراد. ومن ثم يبرز الاحتياج إلى تطوير نموذج محلي للمؤسسة المتعلمة يقوم على قيادة داعمة للتعلم وسياسات تعليم مستمر وبيئة تنظيمية محفزة على الابتكار. إن المؤسسة المتعلمة لم تعد خيارًا تنظيميًا فحسب، بل أصبحت خيارًا استراتيجيًا لضمان الأداء المؤسسي المستدام، والقدرة على المنافسة والجاهزية للمستقبل.

ومن هذا المنطلق فإن تبنّي التعلم المؤسسي كمنهج حوكمي يُعد رافعةً رئيسةً لتحقيق مستهدفات «رؤية عُمان 2040»، وبناء جهاز إداري مرن ومبتكر قادر على المواكبة والتكيّف في عالم سريع التغّير.