في نهاية العام المُنصرم، طلبت مني إحدى قريباتي، أن أُقيّم إلى أي حد تغيرت طباعُها وشخصيتها. بدا لي سؤالها مُفاجئا، فظهر عليها الحزن، لمجرد أنّي لم ألحظ فرقًا!
فطوال عام كامل، أدمنت قريبتي تسجيل نفسها في محاضرات بيع الوهم -إن صحّ التعبير- تلك الطرق بالغة الركاكة لبلوغ سلوك تشتركُ فيه مع بشر من أنحاء شتى من العالم، ليكونوا شيئًا واحدًا، ينظرون لمشاكلهم ببلادة قاتمة ويستخدمون نفس المعجم من الكلمات مثل: الذات العليا، الذات السفلى، الطاقة الداخلية، التوازن الروحي، القوة الكونية، الندوب العاطفية، البرمجة العقلية، وغيرها من المصطلحات التي تُلغي تمايزنا البشري، فنغدو على شاكلة واحدة وبغيضة!
عندما حاولتُ أن أشرح لها أنّ صنيعها لم يتعدَّ: إخفاء الجراح تحت ابتسامة صفراء وتقديم مقاومة عرجاء تحت طبقات التجميل النفسي المصطنع، انفعلت وغضبت، فكيف أكون مُقربة منها إلى هذا الحد ولا أُدرك ما تغير فيها!
تذكرتُ قريبتي وأنا أتابع مسلسل Pluribus؛ حيث يحيا البشر في سعادة جماعية وانسجام غير محدود، باستثناء قلّة نجت من التحول الجارف، لتحافظ على سماتها وهويتها الفردية. تنجذبُ الأغلبية الساحقة إلى نمط حياة يُلغى فيه شعور الفرد، ليتشارك الجميع عقلًا واحدًا، تنصهرُ فيه كل المعارف، ويعلنون بواسطته اعتلاء سعادة غير مُجرَّبة من قبل!!
ولعليّ لا أخفيكم، شعرتُ بمللٍ شديد أثناء متابعة الموسم الأول، بسبب إيقاعه الخافت، وكأنّ المخرج تعمّد أن يُقحمنا -نحن المشاهدين- في الإحساس ذاته الذي تعيشه البطلة الوحيدة المُدافعة عن خصائص بشريتها. فهي -وعلى غير المألوف- لا تواجه وحوشًا دموية ولا كائناتٍ فضائية ولا لصوصًا وقتلة، وإنما تُجابه ما هو أشد قسوة: كائنات خاضعة، مُنتهكة الإرادة، مُطمئنة لفقدانها ذاتها، كائنات تُقدم لها دعوة صريحة ومُستمرة لتكون واحدة من الجميع!
تصطدمُ البطلة بضرورة حسم قرارها: فإمّا الانتصار لطبيعتها البشرية بكل عنفها وتقلباتها وفوضاها ومزالقها، أو الانسياق وراء جماعةٍ تدّعي معايشة حياةٍ مُجرّدة من الصراع! غير أنّ حياة الجماعة هذه -وعند أدنى قدر من التبصّر فيها- لا تخلو من تناقضٍ فادح أيضا، فعلى الرغم من تهديد المجاعة، تُحَرِّم الجماعة على نفسها قطف الفاكهة أو تناول الحيوانات كطعام، في سبيل مثاليةٍ مقيتة، تُقايض البقاء بوهم الطُهر!
يتقاطع المسلسل مع واقعنا المعاصر: أولئك المحاطون بالوصفات السريعة لإخفاء الحزن، الذين يُفضّلون تجاوز همومهم كمن يُتجاوز مقطع مؤلم بضغطة زر. يلوذون بادّعاء السيطرة على حياتهم المُعقّدة ويمضون بإيمانٍ مُطمئن نحو سلامٍ داخليٍّ مُتخيَّل، لا يُفضي إلى الطمأنينة بقدر ما يقود إلى تبلّدٍ مريض يختزل الخبرة الإنسانية في كبسولات مضغوطة!
وليس بعيدًا عن هذه القصّة، نلاحظ أنّ «المرض النفسي»، وبفضل وسائل التواصل الاجتماعي، انتقل من كونه عيبًا اجتماعيًا يجعلُ أحدنا يخجل من مجرّد الإشارة إلى زيارة طبيب -وهو أمرٌ فادح- إلى نمطٍ عبثيّ يجعلنا نُبالغ في تسليع فروقاتنا الشخصية عبر اختراع مُسمّياتٍ لها. بعض الاضطرابات النفسية باتت جزءًا من الصناعة الإعلامية؛ إذ نرى المنصّات وهي تُسمّي كلّ فعل وكلّ حركة وكلّ تذبذبٍ شعوريّ باسم مرضٍ ما، فيستجيب بعضنا لذلك، بل وقد يُفرط في تشخيص نفسه وكأنّ تسمية الأشياء وتصاديها مع معتقداتنا يكفي لمنحها شرعيةً ما!
لا أنكرُ أهمية الطبّ النفسي في سياق حياتنا المعاصرة، إلا أنّ تحويله إلى «موضة» يُفضي به إلى نتيجةٍ مُقلقة، تُضعفُ صلابةَ المجتمعات وتدفعها نحو هشاشةٍ جامحة، فتُدمن الأجساد المهدّئات وتلوذ النفوس إلى محاضرات التهدئة السطحية و«المُطبطِبة»، عوض مواجهة الأسئلة القاسية التي يفرضها الوجود!
عندما بحثتُ عن دلالة عنوان المسلسل Pluribus، وجدته يعني "المتعدّد"، أو "الواحد من الكثير"، وهو معنى مستوحى من الأصل اللاتيني. وكما يبدو على هذا "الواحد" منا أن يخوض معركته، مُدجّجًا بالشك وبالتصلب في وجه اليقين الجماعي الذي يَعِدُ بالسعادة الزائفة!