شهدت سلطنة عمان منذ عام 2020 تطورًا كبيرًا وتصاعدًا ملحوظًا في كافة المؤشرات التنموية، وقد كان لتطوير منظومة التشريعات والقوانين وتحديثها ضمن رؤية واضحة تتواكب مع التطلعات المستقبلية والتغيرات العالمية الأثر البالغ في تسريع وتيرة ذلك التطوُّر، إضافة إلى ما تشهده من تعزيز للعلاقات الدولية بما يخدم المصالح العامة المشتركة بينها وبين بلدان العالم.

إن تلك التطوُّرات واكبها تخطيط استراتيجي قائم على الاحتياجات المجتمعية من ناحية والطموحات المستقبلية من ناحية أخرى، ليس فقط من أجل تقديم رؤية واعدة لبناء الوطن، بل سعيًا إلى تطوير القطاعات التنموية وتعظيم القيمة المضافة منها، ولذلك فقد حقَّقت خلال السنوات الماضية نموًا واضحًا في استثمار الموارد الطبيعية وتعزيز قيمتها، وتنمية الموارد البشرية والدفع إلى تطوير الإبداع والابتكار من خلال العديد من البرامج التنموية، إضافة إلى ما قدمته منافع الحماية الاجتماعية من دعم لأفراد المجتمع وتحسين مستويات العيش الكريم.

لقد وصف المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة في تقرير له «رؤية عمان 2040» بأنها (رؤية جريئة للتغيير)؛ إذ تتخذ أنماطا حديثة قائمة على المعرفة، لتكون قادرة على المنافسة اقتصاديا ومجتمعيا، فقد عملت على تمكين أفراد المجتمع وتطوير المنظومة التنموية بما يتواءم مع الاستثمار في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية المستدامة.

وقد حقَّقت أهداف خطة التنمية الخمسية العاشرة (2021-2025)، الكثير من التطلعات المنشودة سواء كان على مستوى النمو الاقتصادي، أو الاجتماعي أو الثقافي، مما مهَّد إلى استكمال هذا التطوير في خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة (2026-2030).

إن هذه الخطة تقوم على اللامركزية والتحوُّل الرقمي وتنويع في مصادر الدخل، بما يعزَّز التنمية البشرية ويعظِّم فوائد الموارد الطبيعية في الدولة؛ إذ تقوم على الاستخدام الأمثل لتلك الموارد البشرية والطبيعية بما يحقِّق الأهداف ويخدم التطلعات، ودعم التوازن الاقتصادي المنشود، إضافة إلى أنها تضع المواطن في قلب تلك التطلعات من خلال تحقيق الاستدامة وجذب الاستثمارات التي تجعل من الاقتصاد العماني في الطليعة وبالتالي استدامة الرعايات التعليمية والصحية والاجتماعية التي تضمن لأفراد المجتمع عيشا صحيا وتعليما يتواكب مع المستجدات وحماية اجتماعية مستدامة، وصولا إلى تحقيق الرفاه الاجتماعي وتحسين جودة الحياة.

ولعل القطاع الثقافي واحد من تلك القطاعات الواعدة التي شهدت نموا متصاعدا خلال السنوات الست الماضية، ولأن الثقافة أصلا من أصول المجتمع وقاطرة تنموية تربط بين الحياة الاجتماعية والاقتصادية، فإنها ركيزة من ركائز «رؤية عُمان 2040»، وأولوية تقوم على أهداف وتطلعات تجعل منها أساسا في (بناء مجتمع معرفي قادر على مواكبة التحولات التقنية والمعرفية)، الأمر الذي يدفع إلى الاهتمام بالمهارات والقدرات والتأهيل التعليمي والثقافي الواعي من خلال تقديم برامج تهدف إلى تنمية ذلك الوعي المعرفي المنشود.

ولقد ظهرت أولوية (المواطنة والهُوية والتراث والثقافة الوطنية) في الخطة الوطنية الحادية عشرة (2026-2030)، بوصفها عنصرا يقوم على تلك المبادئ الراسخة في تمكين أفراد المجتمع من أدوات (المعرفة) باعتباره هدفا أساسيا للرؤية الوطنية 2040، من حيث الإنتاج المعرفي، والتقييم والتوظيف؛ فهي أدوات توصل المجتمع إلى القدرة على الإبداع والابتكار من ناحية، والتحليل والنقد من ناحية أخرى، الأمر الذي يجعل أفراده قادرين على الإسهام بفاعلية في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، والمشاركة بثقة ووعي في العالم المنفتح عبر كافة منصاته.

ولهذا فقد اتخذت الخطة مجموعة من (السياسات والتدابير)، التي يمكن من خلالها تحقيق أهداف هذه الأولوية من بينها: ترسيخ الهُوية الوطنية وتعزيز القيم العمانية، وثقافة التعايش والتسامح، وتمكين الشباب، وتعزيز ثقافة المواطنة الفاعلة والمسؤولة، وكذلك صون التراث الثقافي المادي وغير المادي، وتصدير الثقافة العمانية.

إنها سياسات تتخذ أشكالا متعددة من حيث البرامج والمبادرات التي يمكن أن تنطلق اعتمادا على خبرة عُمان باعتبارها نموذجا في تحقيق التوازن المجتمعي القائم على الأصالة والمعاصرة، وعلاقاتها الإقليمية والدولية الراسخة على مبادئ الحوار والتعايش والتسامح وحسن الجوار، إضافة إلى إمكاناتها وما حققته في مجال صون التراث الثقافي ودعم الإبداعات الثقافية.

إن ما قدمته عُمان خلال السنوات الماضية كفيل بأن تنطلق منه خلال خطة التنمية الحادية عشرة إلى منطلقات جديدة بناء على ما تم إنجازه، ولعل الانتعاش الثقافي الذي شهدناه خلال الفترات الماضية يدفع إلى بناء برامج واعدة وأكثر جرأة للمضي قدما نحو تأسيس منظومة ثقافية تقود الصناعات الإبداعية والاستثمار في الثقافة عموما؛ خاصة وأن عُمان تشهد تطورا ملحوظا في القطاعات الاقتصادية والتقنية، الأمر الذي يمهِّد للثقافة إمكانات المشاركة الواعدة في هذه القطاعات والاستفادة مما تقدمه في فتح آفاق جديدة مساندة للدور المحوري الذي تقدمه في المجتمع.

ولعل تخصيص خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة التركيز على ثلاثة قطاعات ذات أولوية اقتصادية في المرحلة القادمة من بينها قطاع السياحة والاقتصاد الرقمي، يمثِّل فرصة كبرى لنمو القطاع الثقافي؛ ذلك لأن السياحة الثقافية من بين أهم المجالات السياحية الواعدة التي يمكن أن تفتح فرصا للاستثمار الثقافي من ناحية والوظائف الإبداعية من ناحية أخرى، إضافة إلى الخدمات الثقافية المساندة لهذا القطاع المهم؛ حيث تقوم السياحة الثقافية على مجالات الثقافة المجتمعية المتنوِّعة، سواء تلك الخاصة بالتراث الثقافي والأماكن الطبيعية والمعمارية، أو تلك المرتبطة بالفنون والآداب واللغات وطرائق العيش والعادات والتقاليد وغيرها.

إضافة إلى ذلك فإن التوجهات الحديثة للسياحة الثقافية تقوم على استخدام التقنيات الحديثة في دعم تجارب الزوار وتعزيز علاقتهم بالأمكنة التي يزورونها، كما هو الحال في استخدام الواقع المعزز (AR)، والواقع الافتراضي (VR)، وكذلك ترسيخ مفاهيم الاستدامة الثقافية من خلال تلك المبادرات والبرامج التي تدعم المجتمع المحلي وتحمي الأصول الثقافية وترسِّخ مفاهيم استدامتها.

كما تمثل الثقافة جوهرا أساسيا للاقتصاد الرقمي باعتباره أساسا للإبداع والابتكار، خاصة في مجال الصناعات الثقافية الإبداعية، الذي يُعد قوة ناعمة لتحريك القطاع الاقتصادي؛ فهذه الصناعات قائمة على الرقمنة والتحوُّل الرقمي، وحماية الملكية الفكرية الرقمية، ونحن نتحدث اليوم عن التنوع الثقافي الرقمي، وصون التراث الرقمي وغيرها من المفاهيم التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالاستثمار في الثقافة وصونها من ناحية، وربطها بالتقنيات الحديثة بما يعزِّز دورها المتنامي ويعظِّم قيمتها المضافة من ناحية أخرى، ويُسهم في تنمية المبدعين في القطاع من ناحية ثالثة.

إن خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة واعدة للقطاعات عموما وللقطاع الثقافي بشكل خاص، إذا ما تم الاستفادة من مجالات النمو والتطوير الشاملة التي تحدث في البلاد، وإذا ما تمكَّن القطاع من استثمار تلك الفرص الواعدة من أجل تحقيق أهدافه؛ فالثقافة اليوم تحتاج إلى تحريك على مستوى الإبداع وبناء شراكات قطاعية تُسهم في دعم المبدعين وخلق فرص جديدة للتنمية الثقافية.

عائشة الدرمكية باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة مجلس الدولة