لم نعد قادرين على تخيل العالم... ولا أعرف ماذا بعد. أشعر بالاكتفاء وانسداد أفق الكتابة بعد جملة قصيرة كهذه. وثبةٌ قصيرة، ركضٌ حثيث ذهابًا وإيابًا في مترٍ واحد من الكتابة، يتبعه انهيارٌ جسديٌّ كامل. ما الذي يمكن أن يُقال أكثر مما قيل؟ تبدو هذه العبارة الفاتحة كفيلةً لوحدها بأن تسدَّ شهية الكلام، وأن تجعلَ من القول الباقي تعليلًا زائدًا عن الحاجة.

هل هناك من مجال بعدُ للتمرد؟ فلتكن الكتابة إذن تمرينَ تمردٍ على الوضوح الأعجم للعالم وظواهره، ولتكن محاولةً متأخرةً لإعادة بث السحر فيه من جديد، دون التورط في تفسيره وتشريحه على طريقة العلم، كتابةً تسعى لردّ العالم المجنون إلى «معقوليته» أملًا في القليل من العزاء والتوازن النفسي من جهة، بينما تقاوم في الوقت ذاته هوس المهووسين بعقلنة العالم، الداخلين إلى الكتابة بمشارط مختبرات البحث العلمي، المتخصصين داخل التخصص نفسه، المشغولين بتنقيح التاريخ من العواطف، والذين لا يُعجبون بالكلام إلا بقدر ما يبتعد عن الشعر، لأن الشعر نقيض إلحاد الحقائق التي ينشدونها. تلك هي مقاومة اللغة باللغة كما أرى، اللغة التي هي «أخطر الملَكات» كما يقول هولدرلين، وربما آخرها، فليس بعدها سوى الموت. ولا بدَّ من إعادة الاعتبار لهذا الاعتداد المستميت باللغة، شأننا شأن كل المهزومين.

هل شهدت البشرية من قبل لحظة من التجريد العنيف كهذه اللحظة التي نعيشها اليوم في عالم منزوع السحر والقداسة والغموض؟ لا تحتاج الإجابة إلى تردد. لقد طال العدوان كل شيء في الواقع، حتى أن الكلام في الموضوع يبدو أقرب للرثاء. ثمة عجز عن الخيال، عجزٌ مرير وواضح، بعد أن تحول عالمنا إلى ما يشبه الفضيحة. والفضيحةُ لا تحرض المخيلة بقدر ما تثبِّطها بالانكشاف العاري. هو ذا «مجتمع الشفافية» كما وصفه الفيلسوف الكوري الجنوبي بيونغ تشول هان، المجتمع الذي ينتجه النظام النيوليبرالي، والذي يتغذى على الكشف والانكشاف التام للبيانات والمعلومات، سعيًا لتعزيز الثقة المتبادلة كما يروج دعاة الشفافية، وحيث تغدو السرية والانعزال، وحتى الاختلاف (الآخرية) سمات سلبية مذمومة لكونها تعرقل التواصل، في تغافل لحقيقة أن «مجتمع الشفافية ليس مجتمع ثقة، بل مجتمع سيطرة».

بمعنى آخر، يمكن القول إن الشفافية، المضادة للسرية والخصوصية والغموض، هي ضرب من الإباحية التي تقدم بدورها تفسيرًا لما بتنا نعانيه من عُسر في الخيال في مقاربة العالم. وليس علينا أن ننكر بعد اليوم بأن الإمبراطور الأمريكي الأبيض، دونالد ترامب، هو النموذج الأكثر بلاغة في عصرنا لموت السحر وغياب الغموض عبر خطابه الذي يذهب في المباشرة إلى حد الوقاحة، بما يلغي الحاجة حتى للتأويل. فمن دهاء الشر إلى تفاهة الشر، هذه هي أمريكا الجديدة في أقصى درجات التجلي كما يعكسها ترامب.

تنكمش عضلات المخيلة. تزداد الألوان شحوبًا وتموت الحياة، كما سيموت الموت نفسه عمَّا قريب. وكان ريجيس دوبريه قد حذَّر قائلًا: الموتُ في خطر! أوليست إعادة بعث أم كلثوم على مسرح الغناء بواسطة الذكاء الاصطناعي، صوتًا وصورةً ثلاثية الأبعاد، بعد نصف قرن على رحيلها، هو حدث أقرب إلى نبش قبور الأموات؟! ماذا عن «هالة» الفن وأصالته؟ وما هو موقفنا الأخلاقي قبل ذلك من عالم يعيد تصنيع الأموات من أجل الربح؟! ألا يستحق عالم كهذا بيان إدانة شامل ضد هذا العدوان الرأسمالي؟

وإذا كان نزار قباني قد خاطب حبيبته قائلًا: «فإذا بقيتُ أمام حسنكِ صامتًا/ فالصمتُ في حرم الجمال جمالُ»، فإن عالمنا اليوم ينذر بغياب لحظة الصمتِ هذه أمام الجمال المنتهك؛ حيث لم يعد للجمال حرمٌ ولا حرمة. ليس سوى الانتهاك.

سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني