أ.د. سعيد بن مبارك بن سعيد المحرّمي -
النمو الاقتصادي له متطلبات أساسية، ولعل من أهمها الاستدامة المالية للدولة. وإذا أردنا معرفة أسباب استدامة وثبات الاقتصادي في سلطنة عُمان خلال السنوات الأخيرة، فإنه يمكن تلخيصها في محورين رئيسيين: المحور الأول تحسن المؤشرات المالية الكلية عبر إدارة الدين العام وتقوية الميزانية العامة للدولة وحسن استغلال فوائضها، أما المحور الثاني فهو تعزيز الجاذبية الاستثمارية عبر إصلاحات هيكلية وتنويع مصادر الدخل.
حيث شهد الاقتصاد العُماني في السنوات الأخيرة تغيُّرات هيكلية واقتصادية ملحوظة انعكست إيجاباً على عدة مؤشرات رئيسة مثل الدين العام، التصنيف الائتماني، الفوائض المالية والاحتياطات المالية، فضلاً عن تحسن سياسات جذب الاستثمار الأجنبي. ويشرح هذا المقال أهم العوامل والدوافع وراء هذه التحولات ضمن سياق «رؤية عُمان 2040 « وبرامج الإصلاح الاقتصادي.
أولاً: الدين العام وإدارة المالية العامة للدولة، إذ تُعد إدارة الدين العام من أبرز التطورات الاقتصادية في سلطنة عُمان. فقد نجحت في خفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بشكل لافت من مستويات مرتفعة بلغت نحو 68 ٪ في عام 2020 إلى نحو 35٪ إلى 36 ٪ في عامي 2024-2025، نتيجة سياسات التوازن المالي خلال الخطة الخمسية العاشرة وإعادة الهيكلة المالية التي اعتمدتها الحكومة بعد فترة العجز المالي الحاد خلال تداعيات جائحة كورونا وتراجع أسعار النفط منذ النصف الثاني لعام 2014 وحتى عام 2022.
وبالمجمل، فلقد أسهم انخفاض الدين العام في تحسين الأوضاع المالية العامة للدولة وخلق هامش أكبر للإنفاق التنموي والاستثماري، كما ساعد على تقليل التكاليف السنوية لخدمة الدين، وهو بذلك يزيد من قدرة السلطنة على مواجهة الصدمات الاقتصادية مستقبلاً.
ثانيا: التصنيف الائتماني: فلقد حصلت سلطنة عُمان على ثقة وكالات التصنيف الائتماني الثلاث العالمية، وبناءً عليه شهدت تحسينات متتابعة في تصنيفها الائتماني. فقد رفعت كل من وكالة ستاندرد آند بورز ووكالة فيتش ووكالة موديز تقييماتها إلى مستويات استثمارية (BBB- وBaa3) بعد سنوات من التراجع في التصنيف الائتماني، إذ كانت التصنيفات خلال أكثر من عقد من الزمن على السندات والصكوك السيادية الحكومية غير استثمارية إذ تم تقييمها آنذاك على أنها تحمل مخاطر باحتمالية عدم القدرة بدفع الالتزامات المالية المستحقة في وقتها. هذا التطور يعكس ثقة أسواق المال الدولية في قدرة سلطنة عُمان على الالتزام بالمسار المالي المستدام وانخفاض مستويات الدين العام، إضافة إلى تحسن الميزان الجاري والاحتياطيات من العملات الأجنبية والذهب.
ويمكن القول إن التصنيف الائتماني في مستوى الاستثمار يؤدي إلى تقليل تكلفة الاقتراض المستقبلي للحكومة، إن رغبت في ذلك، كما سيزيد من استقطاب المزيد من التدفقات الاستثمارية الأجنبية، كما يدل على متانة الأوضاع المالية وتعزيز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين الجدد بالاستثمار في الاقتصاد العُماني، وتوسع المستثمرين القائمين باستثمارات إضافية.
ثالثاً: الفوائض والاحتياطيات المالية: بشكل عام سجلت السنوات الأخيرة تحسناً في الموازنة العامة للدولة، إذ حققت سلطنة عُمان فوائض مالية في موازناتها بعد سنوات عديدة من العجز، نتيجة ارتفاع أسعار النفط في بعض الفترات والأهم هو تحسن إدارة الإيرادات والنفقات. ففي عام 2022 بلغ الفائض في الميزانية العامة للدولة حوالي +5.63% من الناتج المحلي الإجمالي، وفي عام 2023 بلغ الفائض حوالي +6.30% من الناتج المحلي الإجمالي، وفي عام 2024 بلغ الفائض في الميزانية حوالي +1.3 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي، كما تحسن رصيد الحساب الجاري. واستطاعت من خلال هذه الفوائض خفض الدين العام والتوسع في المشاريع الاستثمارية والتنموية للبنية الأساسية للبلاد.
وفيما يتعلق بالاحتياطيات، تشير البيانات إلى أن الاحتياطيات الأجنبية للسلطنة بقيت قوية، حيث بلغت في حدود 7 مليارات ريال عماني خلال الفترة من عام 2021 إلى عام 2024، كما ارتفعت الاحتياطيات في عام 2025، حيث وصلت في حدود 7.56 مليار ريال عماني حتى نوفمبر من العام الماضي. ولقد ارتفعت الاحتياطيات على الرغم من بعض التذبذبات في أسعار النفط مؤخراً مقارنة بالسنوات الثلاث السابقة.
إن وجود احتياطي قوي من العملات الأجنبية علاوة على المعادن الثمينة كالذهب يوفر شبكة أمان ماليّة ويعزز قدرة سلطنة عُمان على مواجهة تقلبات أسعار النفط أو أية أزمات مالية أو اقتصادية لفترة زمنية معينة، كما يوفر مستوى جيداً من السيولة على مستوى الاقتصاد الكلي.
رابعاً: سياسات جذب الاستثمار والتنويع الاقتصادي: تتبنى حكومة سلطنة عُمان سياسات تسعى لتعزيز جاذبية الاستثمار الأجنبي والمحلي كجزء من استراتيجية أوسع لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على قطاع النفط والغاز. تشمل هذه السياسات:
• تحسين بيئة الأعمال عبر إصلاحات تنظيمية وتشريعية.
• تطوير قطاعات غير نفطية مثل السياحة، الخدمات اللوجستية، التصنيع، والطاقة المتجددة.
• تنفيذ مشاريع بنية تحتية كبرى وبرامج خاصة بدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
• خطوات ضريبية جديدة مثل فرض ضريبة دخل شخصية اعتباراً من 2028 على شريحة الأفراد ذوي الدخل المرتفع، تهدف إلى توسيع قاعدة الإيرادات الحكومية غير النفطية كجزء من استراتيجية التنويع المالي.
إن سياسات جذب الاستثمار والتنويع الاقتصادي، إلى جانب «رؤية عُمان 2040 « والتي تركز على تنمية القطاع الخاص، مع دور الحكومة بالتحفيز المالي والاقتصادي علاوة على الإشراف والتنظيم للقطاعات الاقتصادية المختلفة، ستسهم في تعزيز الثقة الاستثمارية وإحداث بيئة أكثر جذباً لرأس المال الأجنبي لينمو الاقتصاد بشكل متواصل.
وكما بدأنا نختم بالتأكيد بأن النمو الاقتصادي له متطلبات أساسية، ولعل الاستدامة المالية للدولة من أهمها، وهذا ما فعلته حكومة سلطنة عُمان. حيث كان لتحسن المؤشرات المالية الكلية عبر إدارة الدين العام وتقوية الميزانية وفوائضها، وتعزيز الجاذبية الاستثمارية عبر إصلاحات هيكلية وتنويع مصادر الدخل أدت ليست فقط في تحسن ملحوظ في التصنيف الائتماني لسلطنة عُمان، وإنما زيادة قدرتها على التعامل مع الصدمات الاقتصادية الخارجية، مما يضع الاقتصاد العُماني على طريق أكثر استدامة وثباتاً لنمو اقتصادي متواصل بمشيئة الله.
أ.د. سعيد بن مبارك بن سعيد المحرّمي أستاذ دكتور بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة السلطان قابوس