يمثل نظام الأفلاج أحد أعظم المنجزات الحضارية في تاريخ عُمان، وأحد أعمدة استقرارها الاجتماعي والاقتصادي عبر القرون، فالأفلاج لم تكن مجرد قنوات لريّ الأراضي الزراعية، بل كانت منظومة متكاملة من القيم والتنظيم الاجتماعي والضبط الفقهي الذي شكّل جوهر الحياة في القرى والمدن العُمانية، وتُعدّ كتب النوازل الفقهية العُمانية التي أُلِّفت بين القرنين الثالث والسادس الهجريين سجلا دقيقا لتلك الحياة؛ إذ تفيض بمسائل فقهية تعكس في جوهرها مظاهر التعاون، والعدل، والإدارة الاجتماعية للمياه، ومن خلال هذه النصوص يمكن قراءة ملامح المجتمع العُماني وفهم أسس تماسكه واستدامة استقراره.

يقوم نظام الأفلاج في عُمان على بنية هندسية واجتماعية معقدة في آنٍ واحد، فإلى جانب القنوات والعيون والسواقي، ثمة نظام دقيق لتوزيع الحصص المائية بالساعات والأثر يضمن العدالة بين الشركاء، غير أن البعد الأهم لهذا النظام لا يكمن في هندسته بل في قيمه الاجتماعية؛ فالفلج كان محورا لتشكل القرى وتعاون الأسر وتبادل المنافع، وقد عكست النوازل الفقهية هذا الجانب عندما تناولت قضايا إصلاح الفلج، وتقسيم الماء، وحماية الحقوق، فقد ورد في كتاب المصنف: «وعن قوم اختصموا في ساعة الماء فادّعى كل أن له التقديم، ولم يكن هناك بيّنة، فالحكم أن يُقسم الماء بينهم بالسوية حتى تقام الحجّة» وقد كانت القرارات المتعلقة بالمياه تُتخذ بالشورى وتُنفذ بروح جماعية؛ فصيانة الفلج مسؤولية عامة، والاعتداء على مجراه يُعدّ إخلالا بالعدل الاجتماعي والديني، وتشير النوازل إلى أن الماء كان محورا للعلاقات الاجتماعية بين الجيران والمزارعين، بل تعدى ذلك ليكون بين الأفراد من رجال ونساء في المجتمع والبيئة الواحدة، كما تُظهر الوثائق حضور قيم التسامح والتنازل للمصلحة العامة، فالفقيه لم يكن حَكما في النزاع فحسب، بل راعيا لسلام المجتمع واستقراره ووحدته.

أدّى فقهاء عُمان في تلك الفترة دورا يتجاوز الإفتاء إلى التنظيم الاجتماعي والإداري، فقد استنبطوا من واقع الأفلاج قواعد لضبط الحقوق ومنع الضرر، مثل قاعدة «العدل في الماء كالعدل في المال»، فيذكر صاحب المصنف: «وسُئِل عن إصلاح مجرى الفلج إذا تطلب نفقات، فقيل يلزم الشركاء جميعا فإن امتنع أحدهم أُخذ من ماله بقدر حصته» وتناولت النوازل أحكاما حول صيانة الأفلاج وتقسيم ساعات السقي وتنظيم العمل الجماعي للحفر والإصلاح، ولقد جسّد هؤلاء الفقهاء نموذجا مبكرا لما يمكن تسميته بـ«الفقه الاجتماعي»، القائم على المصلحة العامة والمشاركة الجماعية، فالماء مورد مشترك وعدالة توزيعه تعني عدالة الحياة نفسها، لذلك ارتبط نظام الأفلاج في عُمان ارتباطا وثيقا بالقيم الدينية التي تردع الظلم وتحض على التعاون.

شكّل الفلج العمود الفقري للاقتصاد الزراعي العُماني، فارتبطت به ملكية الأراضي، وحركة الأسواق، ونظام الوقف، والمعاملات التجارية، وتُظهر النوازل قضايا بيع حصص الماء، والرهن، والإرث، ما يدل على أن الفلج كان أصلا ماليا ذا قيمة عالية، وكان للأوقاف المائية كذلك دور اجتماعي بارز؛ إذ خُصصت بعض الحصص لسقي المساجد والمقابر والطرقات، وهكذا تحوّل الماء من مورد خاص إلى أداة لخدمة الجماعة وتعزيز روح التكافل، كما أسهمت طبيعة التوزيع العادل للمياه في الحد من التفاوت الطبقي، فالماء يُقسَّم بالساعات لا بالمكانة أو النفوذ.

كما تكشف النوازل الفقهية عن حضور لافت للمرأة في نظام الأفلاج؛ إذ كانت تمتلك حصصا مائية وتبيعها، فتبيعها أو تشتريها أو توكل من يديرها، كما ساهمت وبشكل واضح في الأوقاف المائية الخيرية، ويعني ذلك أن المرأة العُمانية كانت طرفا فاعلا في الدورة الاقتصادية والاجتماعية، تشارك في إدارة الثروة الزراعية ضمن بيئة تحترم حقوقها الشرعية، وهذا الحضور النسائي في المعاملات المائية يكشف عن درجة من النضج الاجتماعي والتوازن بين الجنسين، قلّ أن نجد مثيلها في المجتمعات المعاصرة لتلك الفترة.

لم يكن نظام الأفلاج في عُمان مجرد آلية مائية لتنظيم الري، بل كان مدرسة متكاملة في بناء القيم الاجتماعية والإنسانية، فمن خلاله تبلورت مجموعة من المبادئ التي أسست لشخصية المجتمع العُماني عبر القرون، في مقدمتها قيمة العدالة التي ظهرت في التوزيع المنصف للمياه بين الشركاء دون تمييز، وقيمة التكافل التي تجسدت في التعاون الجماعي لإصلاح القنوات وصيانة المجاري، وقيمة الانضباط والمسؤولية التي تجلّت في احترام أوقات السقي والالتزام بالأنصبة المقررة لكل طرف كما برزت قيمة الشورى والمصلحة العامة في القرارات التي تُتخذ بشأن إدارة الأفلاج وصيانتها، حيث كان الرأي الجماعي هو المرجّح دائما. وإلى جانب ذلك، ترسخت قيمة الاحترام المتبادل بين الأهالي نتيجة التفاعل اليومي حول موارد المياه المشتركة، كما نجد قيمة التكاتف الاجتماعي بين أبناء المجتمع في الاستجابة للحالات الطارئة، فقد ورد في جامع أبي الحواري مثال واضح على ذلك، يتمثل في إجازة استخدام مياه الفلج لإطفاء الحرائق، وهو استخدام طارئ يخرق الترتيب المعتاد لتوزيع الحصص لكنه مشروع عند الضرورة، مع التأكيد على تعويض أصحاب المياه المتضررين لاحقا، وهو ما يجمع بين الفقه والعدالة وروح التعاون، وبالتالي نستطيع القول أنه من خلال هذه المنظومة الأخلاقية والعملية، أسهم نظام الأفلاج في بناء مجتمع منظم ومتوازن، تسوده روح المشاركة والتعاون، وتستمر قيمه في وجدان العُمانيين حتى العصر الحديث.

وفي ذات السياق، يعدّ نظام الأفلاج شاهدا على عبقرية الإنسان العُماني في توظيف بيئته الجافة لتشييد حضارة مائية مستدامة، فالأفلاج التي أنشئت قبل أكثر من ألف عام ما زالت تجري حتى اليوم، شاهدة على وعي حضاري مبكر بمفهوم «الاستدامة»، وقد نشأت حول الأفلاج الحارات، والمساجد، والأسواق، مما جعلها مركزا للحياة الثقافية والاجتماعية، ولذا فدراسة الأفلاج ليست مجرد بحث في التراث، بل في بنية المجتمع العُماني نفسه، الذي ظل وفيا لقيم التوازن والاعتدال عبر الزمن.

كما يمكن القول إن نظام الأفلاج في عُمان لم يكن مجرد بنية مائية هندسية فحسب، بل شكّل منظومة اجتماعية متكاملة أسهمت في صياغة هوية المجتمع العُماني وقيمه عبر قرون طويلة؛ فقد أثبتت النوازل الفقهية أن الأفلاج كانت محورا لتنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات، ومصدرا لظهور أعراف دقيقة في تقاسم المياه وتحديد الحقوق والواجبات، بما يعكس وعيا مبكرا بمفهوم العدالة المائية والملكية الجماعية، كما يبرز لنا بشكل واضح الدور المحوري للفقهاء في ضبط التفاعلات الاجتماعية المرتبطة بالأفلاج، إذ كانوا المرجع في فضّ النزاعات وتوثيق الأعراف التي تضمن استمرار النظام واستقراره، ومن النتائج البارزة كذلك أنّ الأفلاج شكّلت مركزا للتكافل الاجتماعي، إذ ساهم الأهالي جماعيا في صيانتها، مما عزّز روح التعاون والمسؤولية المشتركة، كما تبين أن المرأة كان لها حضور غير مباشر في هذا النظام من خلال أدوارها الأسرية والاقتصادية الداعمة للحياة الزراعية المرتبطة بالمياه.

ختاما يؤكد نظام الأفلاج العُماني كما توثقه كتب النوازل، أن العدل في الماء هو العدل في الحياة؛ فقد استطاع العُمانيون عبر هذا النظام أن يحوّلوا الندرة إلى استقرار، والاختلاف إلى تعاون، والفقه إلى حياة، وهكذا ظلّ الفلج رمزا لوحدة المجتمع وتماسكه، وعنوانا لحضارة تؤمن بأن استدامة الموارد لا تتحقق إلا بالعدل، وبأن الماء «كما قال الأوّلون» «سرّ البقاء، وعصب العمران».