حوار- فاطمة الحديدية -
تزخر أرض عُمان بحكايات خضراء تنبض بالحياة؛ حيث تمتد النباتات من الجبال إلى السهول، حاملة معها إرثا طبيعيا وإنسانيا عريقا.
ففي بيئة تتجاوز فيها الأنواع النباتية 1400 نوع، يبرز ما يقارب 1000 نوع ذي أهمية اقتصادية واجتماعية، تتصدرها النباتات الطبية التي شكّلت عبر الزمن جزءًا من ثقافة الإنسان العُماني ووسائل عيشه وعلاجه.
ومن أعالي جبال محافظة ظفار مرورًا بمرتفعات الجبل الأخضر وصولًا إلى جبل بني جابر بولاية صور وجبال محافظة مسندم، يتوزع هذا التنوع الإحيائي كخريطة للثروة الطبيعية التي ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق.
ومن هذا المنطلق، أجرت «عمان» حوارًا مع الدكتور حسين بن علي اللواتي أستاذ مساعد في مركز أبحاث العلوم الطبيعية والطبية بجامعة نزوى، للوقوف على نتائج دراسته حول النباتات الطبية في سلطنة عُمان، وتسليط الضوء على واقع استدامتها وإمكانات استغلالها اقتصاديًا، بين الحفظ والتطوير.
فوائد النباتات الطبية
قال: «هناك 1407 أنواع نباتية في عُمان، على الأقل 448 نوعًا منها للاستخدام الطبي، وهذا يدل بوضوح على أن سلطنة عُمان لديها كنز كبير من الموارد النباتية الطبية، التي يمكن أن تكون لها فرص تجارية كبيرة».
وأوضح خلال بحثه الفعاليات العلاجية للنباتات الطبية من خلال الأوراق العلمية التي تم نشرها لعشرين نوعًا من النباتات الطبية في سلطنة عُمان، وقد وجد أن لها خصائص علاجية متعددة، منها: مسكن، ومضاد للأكسدة، ومضاد للالتهابات، ومضاد لالتهاب المفاصل، ومضاد بكتيري، ومضاد للفيروسات، ومضاد للفطريات (مضاد للميكروبات بشكل عام)، ومضاد للسمية الكبدية، ومضاد لمرض السكري، ومضاد للتشنجات، واضطرابات الذاكرة، وارتفاع ضغط الدم، ونشاط خفض الدهون، ومضاد للسرطان، ومبيد للبعوض، ومضاد للقرحة، ومضاد لارتفاع درجة حرارة الجسم، ومكافحة الشيخوخة، ومطمث، وملين، ومضاد للربو، ومضاد للحساسية، ومقشع المعدة، ومنشّط المعدة.
وأضاف: «على مدى السنوات القليلة الماضية، كان هناك تغيير جذري على المستوى العالمي في اهتمام الناس بالنباتات الطبية لقدرتها على توفير العلاجات المفيدة، والتي هي من أصل طبيعي، وإذا ما استغل المزارعون العُمانيون ورجال الأعمال وشركات الأدوية العُمانية هذا التنوع الكبير استغلالا مناسبا، فإنهم سيستفيدون من احتياطيات النباتات الطبية المحلية، إلا أن القطاع الخاص ما زال لا يخوض في هذا المجال إلا ما ندر».
وتحدث عن بعض مبادرات الشركات المحلية الصغيرة في إنتاج المياه العطرية والزيوت العطرية من النباتات العُمانية البرية أو المزروعة، التي تشمل الورد والياس وعشبة الليمون والنعناع وزيت اللبان في منتجاتها، وقال: «دعمت سلطنة عُمان خلال العامين الماضيين إنتاج الزيوت الطبيعية من النباتات الطبية، مثل اتفاقية مشروع زراعة الأشجار البرية لإنتاج زيت الشوع بولاية عبري بمحافظة الظاهرة مع شركة قمم عبري، على مساحة (10) أفدنة وبتكلفة إجمالية بلغت (100) ألف ريال عُماني، وبطاقة إنتاجية تصل إلى ألف لتر سنويًا من زيت الشوع.
وبشكل تجاري صناعي كبير، تم افتتاح مصفاة إنتاج حامض السيباسك، وهي من مشروعات الشراكة الناجحة بين القطاع الخاص المحلي والأجنبي، وهو أول مشروع من نوعه يُقام في الشرق الأوسط لإنتاج حامض السيباسك الذي يُستخرج من (زيت الخروع)، ويدخل في العديد من الصناعات الكيماوية وصناعات البلاستيك والأدوية.
ودخلت المصفاة حيز الإنتاج التجاري في عام 2019، وتعد أول مشروع صناعي في قطاع الصناعات الثقيلة يُشغّل في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، وبلغ إنتاج الشركة خلال هذه المرحلة 12 ألف طن سنويًا، ويعد حامض السيباسك أبرز منتجات الشركة، إلا أن هناك منتجات أخرى تنتجها المصفاة، كمادة الغلسرين التي تُستخدم في الصناعات الغذائية والطبية، ومادة الأوكتانول التي تُستخدم في الصناعات البلاستيكية».
وسرد شرط استدامة واستقرار إيجاد المواد الخام للصناعات التي تعتمد على النباتات الطبية والعطرية، وهو زراعة الأنواع النباتية الطبية والعطرية بدلًا من حصادها من البر بشكل مباشر، وذلك خوفًا من تعرضها للاندثار من موائلها الطبيعية بسبب الاستغلال المفرط.
كما استرسل في حديثه عن أهمية تطوير التقنيات الزراعية للعديد من النباتات الطبية، والتقنيات الحيوية البديلة، لأن هذا التطوير يؤدي إلى فهم بيولوجية البذور والزهور، وتطوير التقنيات الزراعية وإدخالها في الموائل الجديدة، مما يؤدي إلى تحسين توافر المواد النباتية الطبية الخام المرتبطة بعملية الحصاد المحسّنة التي يمكن أن تؤثر على نسب الإنتاج العالية.
وبالمثل، فإن استخدام طرق الكشف المتطورة، وطرق الفحص عالية الإنتاجية، وعلم الجينوم والبروتيوميات، يمكن من خلالها تسليط الضوء على الجينات المعنية في إنتاج المواد الفعالة أو المستقلبات العلاجية من النباتات، وأنواع الجزيئات الحيوية، والمصادر الجديدة للأدوية المعروفة.
وأكد أنه يمكن أن تساعد طرق التكنولوجيا الإحيائية، بما في ذلك تحرير الجينات، في تحسين نظام الإنتاج، ومن ثم فإن تدجين النباتات البرية الطبية جنبًا إلى جنب مع التقنيات الإحيائية الجديدة هو مطلب للوقت الحالي لمواجهة التحدي المتمثل في توريد المواد الخام ذات الصفات المعيارية في الصناعة.
استغلال الموارد الطبيعية
نصّت «رؤية عُمان 2040» في مجال القيمة المضافة والموارد الطبيعية واقتصاد المعرفة على أنه «حان الوقت الذي ينتقل فيه الاقتصاد والمجتمع من مرحلة الاعتماد على الموارد «الناضبة» إلى مرحلة الابتكار والمعرفة».
لذا كان من أهداف التوجه الاستراتيجي للبحث العلمي في الرؤية تطوير منظومة وطنية فاعلة للبحث العلمي والإبداع والابتكار تسهم في بناء اقتصاد المعرفة.
وذكر أنه من أولويات سلطنة عُمان خلال العقدين القادمين أن يكون هناك اقتصاد متنوع ومستدام قائم على التقنية والمعرفة والابتكار، أطره متكاملة وتنافسيته متحققة، مستوعب للثورات الصناعية، ويحقق الاستدامة المالية.
وذكر اللواتي مفهومًا مهمًا وهو «تتجير» الابتكار والملكية الفكرية من مخرجات البحث العلمي في مجال النباتات الطبية؛ حيث من المعروف لدى الجميع أن أغلب طبيعة مخرجات البحث العلمي غير تجارية، لذلك فإن التتجير هو الوسيلة التي تحولها إلى قيمة تجارية.
وقال: «إن الاستثمار في براءات الاختراع والابتكارات هو قرار استراتيجي، ولا بد أن يندرج مع الاستراتيجيات العامة للمؤسسات والدولة؛ حيث إن عدم القدرة على تتجير براءات الاختراع ناتج عن الانفصال بين الباحثين والصناعة والمجتمع، فلذلك يجب التركيز على إنشاء براءات اختراع متسقة مع نمط الإنتاج المطلوب من القطاع الصناعي سواء المحلي أو الدولي».
وأكد أن المؤسسات الأكاديمية والبحثية التي لها مخرجات من بحوث النباتات الطبية يجب أن يكون لديها وحدة للتسويق والاستشارات، وهذه الوحدة بدورها ستحدد المشاريع المشتركة وفرص الاستثمار وتأمين الدعم لتطوير مخرجات البحث العلمي، وفي الوقت المناسب تحقيق الدخل من منتجات أبحاث النباتات الطبية. وقد تكون مثل هذه الوحدات أو الأهداف ضمن مراكز نقل التكنولوجيا في بعض الجامعات الوطنية في سلطنة عُمان.
وتتجير مخرجات البحث العلمي له مردود في استدامة المراكز البحثية والمؤسسات التي تحتضنها في رفد الموارد المالية المناسبة لديمومتها، بالإضافة إلى مساهمتها في الاقتصاد الوطني.
وأوصى المراكز البحثية والأكاديمية بضرورة التخطيط لإنشاء شركات مرتبطة بها يتم من خلالها إدارة الدخل التجاري، وسيتم استخدام الأرباح الناتجة عن مثل هذه الأنشطة لدعم أنشطة البحوث والتشغيل في تلك المراكز، وإجراء المناقشات مع الضامنين والشركاء لوضع آليات لاقتناء الملكية الفكرية وتسويقها لاحقًا؛ حيث تتعلق الملكية الفكرية بنتائج الأبحاث التي أنجزتها مخرجات البحث العلمي أو من خلال التمويل الخاص.
وستضع المراكز البحثية والأكاديمية استراتيجية للتسويق والملكية الفكرية تفي بمتطلباتها ومتطلبات الضامنين وشركاء البحث والجهات الراعية. ومن المهم جدًا أن يدخل القطاع الخاص، سواء المحلي أو الدولي، في مجال البحوث على النباتات الطبية بحيث يكون من المستقبلين لنتائج البحث ومكمّلًا لمشوار التطوير التجاري.
مخاطر الموارد الوراثية النباتية
وفي سياق الحديث عن التهديدات التي تواجه النباتات الطبية، أشار اللواتي إلى أن تغيّر المناخ بات يشكّل خطرًا متصاعدًا على النباتات الطبية والأنواع البرية وسلالات المحاصيل المحلية، مرجحًا أن تكون هذه المكونات الطبيعية من أكثر القطاعات تأثرًا خلال العقود المقبلة.
وأوضح في تحليل علمي أجراه عام 2020م بالتعاون مع عدد من الباحثين، أن إحدى النباتات الطبية المعروفة محليًا باسم «الراي» أو «الراع» مهدد بفقدان ما يقارب 95% من نطاق انتشاره المتوقع خلال الفترة من 2020م إلى 2050م، نتيجة التغيرات المناخية المتسارعة.
ولم تتوقف المؤشرات عند هذا الحد؛ إذ كشفت دراسة أخرى عن مستقبل مقلق لشجرة الصنوبر العربية المعروفة باسم «العلعلان»؛ حيث يتوقع أن تشهد تراجعًا ملحوظًا في أعدادها مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتغيّر نمط هطول الأمطار في الجبل الأخضر.
وأشار إلى أن من المهددات الأخرى للنباتات الطبية والمنتجة النباتات الغازية وتأثيرها على فقدان الموائل الطبيعية للنباتات الطبية في مواقعها، وحاليًا في جبال ظفار وسهل صلالة ومرباط يظهر تأثير النبات الغازي المسمى «البارثينيوم» على النباتات الطبية، وبالذات الأنواع العشبية أكثر من الأنواع الشجرية، ومنافستها في موائلها.
وأضاف: إنه بالرغم من تصاعد النشر العلمي حول النباتات الطبية في سلطنة عُمان، إلا أنه ما زال هناك نقص في المعرفة فيما يتعلق بسعة وموقع وإمكانات الاستخدام الحقيقي للنباتات الطبية. فعلى سبيل المثال، عملت سلطنة عُمان على إيجاد قوائم جرد للنباتات الطبية، إلا أن نقص المعرفة بشأن عدد الأنواع للنباتات الطبية المحفوظة في بنوك البذور، وكذلك بشأن الممارسات التقليدية في استخداماتها، غير متكامل ومشتت. ويحتفظ كبار السن عادة بالمعرفة التقليدية للنباتات الطبية، التي قد لا تتوافر مع أحفادهم وأبنائهم.
إذ يوجد في سلطنة عُمان حوالي 485 نوعًا من النباتات الطبية، وهناك عدد قليل جدًا من الدراسات التي تدرس قيمتها الاقتصادية الفعلية والاستخدامات المحتملة لها وكيفية حصادها بشكل مستدام واستخلاص المادة الفعالة بطرق صناعية.
ومن المهددات الأخرى التي سردها اللواتي جمع النباتات الطبية على نطاق واسع من خلال ممارسات الحصاد البرية والمدمرة جنبًا إلى جنب مع التوسع الزراعي وضغط الرعي والتحضر، وكل ذلك يهدد بقاء النباتات الطبية.
وهناك خطر آخر مهم يتمثل في الإفراط في حصاد النباتات الطبية، مما يؤدي إلى انخفاض عدد الجماعات النباتية وعدم استدامتها، كما هو الحال في سلطنة عُمان؛ حيث اختفت نبتة الزعتر العُماني من جبال مسندم.
وأكد اللواتي أن للتأثير العمراني ونموه أثر كبير على نباتات محافظة ظفار؛ فمن ضمن 27 نوعًا قد تكون قد تأثرت بالعمران في خمس ولايات من محافظة ظفار ذات التنوع النباتي العالي خلال الفترة من 1978 إلى 2018، وهناك نوعان طبيان قد يكونان قد تأثرا بالبناء، وهما نبات المخملية من العائلة النجمية، والثمام من العائلة النجيلية. وتم استخلاص هذه المعلومات من تحليل بيانات الورقة العلمية حول تأثير العمران على التنوع النباتي في محافظة ظفار.
حفظ الموارد الوراثية
النباتية الطبية
وتحدث عن طرق حفظ الموارد الوراثية النباتية وأنواعها لاستدامتها فقال: «الحفظ خارج النطاق هو عملية حماية الأنواع من الانقراض، أو حتى تنوعها أو سلالتها، من النباتات أو الحيوانات خارج بيئتها الطبيعية؛ كأن يتم إزالة جزء من الموائل المهددة ووضعها في مكان جديد، قد يكون منطقة برية أو في إطار رعاية البشر. بينما الحفظ داخل النطاق هو حفظ الموارد الوراثية للأنواع داخل بيئتها أو موئلها الطبيعي».
وأضاف: «لا يوجد في سلطنة عُمان حاليًا مناطق محمية في الموقع أو احتياطيات وراثية تحافظ على تنوع النباتات بشكل عام على نحو فعال، سوى في بعض المحميات التي تقع إدارتها تحت إدارة هيئة البيئة. وهناك محميات ما زال عدد الأنواع النباتية فيها لم يُسجّل، كمحمية رأس الشجر الطبيعية في محافظة مسقط وجنوب الشرقية، ولا توجد تقارير تفصيلية عن الأنواع المنتشرة في تلك المحميات الطبيعية. وستساعد هذه التقارير الباحثين في معرفة الأنواع الاقتصادية والاجتماعية، ومنها النباتات الطبية الموجودة في تلك المناطق ومدى تنوعها الوراثي ضمن المحمية وبين المحميات. لذا من الأهمية إجراء دراسات تفصيلية عن التنوع الوراثي للنباتات في تلك المحميات ونشرها في تقارير أو بحوث علمية».
وخلصت نتيجة الحوار إلى أن المشروع الذي قام به اللواتي يهدف إلى تطوير نموذج عملي لزراعة النباتات الطبية والعطرية في بيئتنا الجافة باستخدام الزراعة دون تربة وإعادة استخدام المياه المعالجة ثلاثيًا. وسيتم التركيز على نوعين اقتصاديين عاليي القيمة: عشبة الليمون والزعتر.
وأضاف: إنه في حال تنفيذ المشروع، فإن الخطة ستشمل ثلاث حزم رئيسية:
الحزمة الأولى: التجارب الزراعية، وتشمل إنشاء منظومتين متوازيتين: بيتًا محميًا ونظامًا دون تربة في الحقل المفتوح، مع تحكم دقيق بالري والتسميد عبر حساسات تقيس الرطوبة ودرجة الحرارة وثاني أكسيد الكربون وملوحة المحاليل، مع مقارنة النمو والإنتاجية وجودة الزيوت العطرية بين البيئتين، وتتبع كفاءة استخدام المياه.
الحزمة الثانية: السلامة والجودة، وتشمل الفحص الدوري للمياه المعالجة، واستخلاص الزيوت العطرية معمليًا، وقياس مؤشرات الثبات والأكسدة لضمان مطابقة المواصفات الصناعية.
الحزمة الثالثة: الأثر الاقتصادي وبناء القدرات، وتتضمن إعداد بروتوكولات إنتاج قابلة للتوسع للمؤسسات الصغيرة والشراكات مع القطاع الخاص، وتحليل جدوى مالية (التكاليف والاسترداد)، وتدريب الطلبة والفنيين عبر ورش ودورات قصيرة.
وأشار إلى أن النتيجة المتوقعة هي بروتوكولات موثقة تقلل استهلاك المياه، وتزيد موثوقية وجودة المنتج، وتفتح مسارًا صناعيًا محليًا ومستدامًا.