أطلق حمد الغيثي قبل ثلاثة أشهر برنامج البودكاست الذي أسماه «Metamorphosis» وأسماه بالعربية «تحوّلات».

لكن ما أنتجه للآن، والحلقة الأخيرة منه بشكل خاص، تدعونا لفهم الاسم ليس بالمعنى البيولوجي الذي أراده، بل بالمعنى الكافكوي: صورة للتحول الممسوخ. تحول ممسوخ، والغفران للمجرم، بل وإعطاؤه «المايك» والمنصة (مع أنها بالكاد يمكن أن تسمى منصة ولم يتجاوز عدد مشاهدات الحلقة في اليوتيوب باللغتين الخمسمائة مشاهدة). التحول الذي يرجوه الغيثي كما يبدو، هو تحولنا نحن في الشرق الأوسط إلى فراشات عبر دخول الشرنقة الحريرية التي يلفها أرباب الحضارة وأصحاب القوة في العالم.

يبدأ لقاء حمد الغيثي مع عاموس يادلن Amos Yadlin الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، بالقول إنه «يتشرف» بالترحيب برجل قضى أربعة عقود في قمة المشهد الأمني الإسرائيلي، وهو يصفه بـ«الطيار المرموق»، الذي يفشل في عد إنجازاته بابتسامة زهو في مقدمته: مشاركته في الغارة التي دمرت مفاعل «أوزيراك» النووي في بغداد (ينسى أن يُخبرنا أنها فوق ذلك قتلت 10 عراقيين)، مخطط عملية تدمير مفاعل الكوبر النووي بسوريا، قبل أن يترقى في المراتب، ويُحقق إنجازات استخباراتية كاغتيال العناصر القيادية في حركات المقاومة الفلسطينية. كطيار شارك ضيف الغيثي أيضا في حرب الثلاثة وسبعين، والاجتياح الإسرائيلي للبنان.

يتضح من المجاملات التي تلت المقدمة أن ثمة علاقة قائمة تربط الرجلين عبر أستاذ حمد وصديقه -بكلية فليتشر للقانون والدبلوماسية The Fletcher School- ريتشرد شولتز Richard H. Shultz المتخصص في دراسات الأمن الدولي، والداعم لإسرائيل والسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

لاحقا في المقابلة، عندما يتحول الحديث لقصف إسرائيل للدوحة، سيُذكّر الغيثي ضيفه -بمزاج مرح- نكتة ألقاها يادلن في إحدى المحاضرات التي حضرها الغيثي له، عندما ترجم اسم خليل الحية إلى Khalil the snake.

ثمة أرضية تفاهم تقوم عليها المقابلة:

كون أمن إسرائيل هو الأولوية

تحميل حماس مسؤولية الدمار في غزة، بل ومطالبتها اليوم بإعادة الإعمار

لإسرائيل الحق في «التخلص» من أعدائها حتى وإن عنى ذلك خرق سيادة بلدان أخرى كما في حالة قطر، وقد انحصر النقاش هنا في كون الطريقة والتوقيت هو الخاطئ، وتجنب الغيثي متعمدًا الحديث عن شرعيته.

إن ما حدث (نعني الإبادة) جلبت السلام إلى غزة، جلبت نهاية الحرب.

الهجوم على إيران ولبنان مبرر.

السابع من أكتوبر لم يكن مبررا لا أخلاقيا ولا استراتيجيا (كلمة غير أخلاقي لم توجه مرة لوصف أي من أفعال إسرائيل طوال المقابلة)

يعتقد الكثيرون أن إسرائيل تريد التوسع في المنطقة خصوصًا سوريا ولبنان، وتسعى لإقامة لإسرائيل الكبرى. هذه المداخلة من الغيثي سمحت للضيف بالتأكيد على أن التدخلات في سوريا لا تتجاوز كونها إجراءات أمنية لا تحمل أي نوايا توسعية.

المكاسب (ويعني التفوق الأمريكي والإسرائيلي) التي يجب حمايتها عبر تسوية مع الفلسطينيين.

ليست هذه المقابلة الوحيدة التي يكشف فيها الغيثي توجهات «تحولاته»، ففي مقابلة سابقة (الحلقة الثانية) مع الدبلوماسي السابق جيرارد راسل Gerard Russell والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط، يُحرك الغيثي في المقابلة (التي أعترف بأني لم أكملها، ولن أفعل) أفكار استعمارية ركدت منذ دهر، ويبعث للحياة أعذار كولنيالية لم يعد المستعمر نفسه يستخدمها، فالمستعمر اليوم يركب على أعلى صهوات الفخر، مزهوًا برفعته الأخلاقية القادمة من اعترافه بذنوب الماضي والتكفير عنها عبر التبرعات الهزيلة، وعبر إشغال أكاديمييه بنقد الاستعمار ونقضه. بينما يجلس حمد الغيثي ليسأل ضيفه حول عبء الرجل الأبيض (The White Man›s Burden) مشرعا الباب للحديث عن كيف اهتم البريطانيون بالشعوب الأصلية، وكيف حسّن الاستعمار ظروف الهنود.

وما إن ينتهي من هذا يذهب «صاحب التحولات» إلى السياسة الاستعمارية في منطقتنا، ويلتفت لما يُسميه المنظور الشائع (يقولها بمعنى أنه يتبرأ منه) حول الوعود المتضاربة التي منحتها بريطانيا لسكان المنطقة، ويجتهد فيقول إن ما يبدو «وعودًا متضاربة» ناتج عن التعقيد البيروقراطي في إدارة الأقاليم. ويتحدث عن منظور شائع آخر حول دور بريطانيا في تقسيم المنطقة، ويدعو الضيف لتفنيد ذلك عبر النظر في الشواهد التي تناقضه: إنشاء اللورد كرومر لإمبراطورية مصرية ضمت السودان، توحيد أقاليم الدولة العثمانية في دولة العراق. حتى أن الضيف نفسه لم يبدو مستعدا لهذا الحد من «الانبطاح»، وتعذر بأن أخطاء بريطانيا قادمة من جهل بالمنطقة وتعقيد تكويناتها العرقية والطائفية.

ولا أدري -مثلي مثل القليلين الذين شاهدوا المقابلة- ما مغزى هذا المشروع/ «التحولات»، الذي من الواضح إلى أنه لا يرمي لفهم العدو، إنه يتفق مع أطروحات العدو ويُدورها. وكل هذا يحدث فيما تغرق بيوت الغزاويين، وتتطاير خيمهم في العواصف، ويموت -من نجى منهم من القصف- بردا وجوعا، ويتآكل القطاع والضفة، فيما تغلق المعابر، ويُلوح بتهديد عودة الحرب.

نوف السعيدي

كاتب عمانية وباحثة في فلسفة العلوم