حوار - فيصل بن سعيد العلوي
ليس من السهل أن يستمر برنامج ثقافي مائة حلقة دون أن يفقد دهشته الأولى أو يتحول إلى صيغة محفوظة تعيد إنتاج نفسها، فمع مشهد تلفزيوني يتغيّر سريعا اختار برنامج «ضفاف» الذي يخرجه حسين العلوي ويبث على القناة الثقافية منذ بدايته أن يمشي ببطء محسوب، وأن يمنح السؤال زمنه، وأن يراهن على الإصغاء أكثر من الرغبة في الاكتمال، وعلى امتداد مائة حلقة فتح «ضفاف» مساحته لكتّاب ونقّاد، ومترجمين، وموسيقيين، وسينمائيين، وباحثين من مشارب مختلفة دون أن يُخضع الحوار لقالب ثابت، أو يُفرض على الضيف دور جاهز؛ حيث كان الرهان، في كل مرة، على الإنسان داخل تجربته، وعلى السؤال حين يُطرح في محاولة للفهم وليس اختبارا للمعرفة.
في هذا اليوم وعند الساعة العاشرة مساءً تُبث الحلقة رقم مائة من البرنامج مع المترجم والشاعر السعودي عبدالرحمن السيد رئيس جمعية الترجمة السعودية، ويتحدث الروائي والكاتب سليمان المعمري -مقدّم البرنامج- عن تجربة امتدت على سنوات من الإصغاء وتشكّلت عبر تنوّع الضيوف واختلاف الأسئلة، وتغيّر شروط المشاهدة نفسها... حوار أكثر مما تتوقف عند رقم احتفالي.. يتوقف عند ما تعلّمه «ضفاف» من ضيوفه، وما تعلّمه سليمان المعمري من الجلوس الطويل أمام الكاميرا، ومن الانتقال بين الإذاعة والتلفزيون، وبين الصوت والصورة، وبين السؤال حين يُصيب لحظته، وحين يأتي متأخرا... هو حديث عن برنامج وفي عمّقه حديث عن الحوار حين يؤخذ بجدية، وعن الثقافة حين تُعاش...
بعد مائة حلقة من «ضفاف» إلى أي حد تشعر أن البرنامج بلغ ضفة واضحة؟ أم أن كل حلقة كانت محاولة عبور جديدة؟
أميل إلى القول إن ما حدث في «ضفاف» هو تدريب طويل على العبور أكثر منه وصولًا إلى ضفة نهائية. والسبب الأساسي في ذلك هو تنوع ضيوفه الذي لا يسمح لك -كمُحاوِر- أن تعتمد صيغة جاهزة أو قالبًا ثابتًا. حين تستضيف ناقدًا كسعد البازعي أو صبحي حديدي أو محمد الشحات، فأنت تدخل مجالًا معرفيا، وتحتاج إلى أسئلة دقيقة لا تخلط بين المصطلحات، ويُمنَح فيها الضيف زمنًا كافيًا ليفكّر بصوتٍ مسموع. وحين تجلس في حلقة تالية مع روائي مثل إبراهيم نصر الله، أو سعود السنعوسي أو بشرى خلفان، تجد نفسك أمام تجربة إنسانية وسردية غنية بالحكايات والرؤى، لدرجة أنك تنسى وأنت مندمج في إجابة الضيف أن تذهب إلى سؤال آخر. ثم تفاجئك حلقة مع موسيقي مثل وائل قاقيش أو محمد حداد أو هشام جبر؛ حيث يدخل الإيقاع في صلب السؤال، وتصبح اللغة أقرب إلى السماع والشعور، لا إلى التحليل. وبعدها قد تجلس مع مخرج سينمائي أو مسرحي، أو فنان تشكيلي، أو مترجم، أو فيزيائي، أو مؤرخ، وكل واحد من هؤلاء ينسف المعادلة السابقة، ويدفعك إلى تعديل أسئلتك وطريقتها وتوقيتها، وحتى لحظات صمتك. لهذا لا أستطيع القول إن «ضفاف» وصل إلى ضفة واحدة مستقرة. الضفة الوحيدة التي أراها واضحة هي الرهان على الإنسان داخل التخصص: أن المفكر إنسان قبل أن يكون عقلًا، وأن الفنان تجربة حية قبل أن يكون صورة أو لوحة، وأن الأكاديمي كائن حيّ لا مجموعة مصطلحات تسير على قدمين. أمّا ما عدا ذلك، فكل حلقة كانت عبورًا مختلفًا: أحيانًا نصل فيه إلى الضفة الأخرى بسلام، وأحيانًا نكتفي بأن نبتلّ بالماء ونتعلم شيئًا جديدًا عن النهر نفسه. وعندما أستخدم صيغة الجمع «نصل» و«نبتل»، فلأنني على قناعة أن «ضفاف» كان عملًا جماعيًّا بذل فيه طاقمه جهدا كبيرا، بدءا من المخرج حسين العلوي وليس انتهاء بفني الأوتوكيو.
في زمن تُقاس فيه البرامج بعدد المشاهدات لا بعمق الأسئلة، كيف حافظ «ضفاف» على نبرته الهادئة دون أن يُقصي المشاهد؟
أظن أن المشكلة ليست في الهدوء، بل فيما يمكن أن أسميه «الهدوء الفارغ». المشاهد، حتى لو تغيّرت عاداته وتقلّص صبره بسبب سطوة الهاتف، لا يهرب من الهدوء إذا كان الهدوء ممتلئًا بالمعنى. يهرب من الرتابة، ومن الاستطراد الذي لا يقود إلى شيء، ومن سؤالٍ يظن طارحه أنه «عميق» لأنه ممتلئ بالغموض. فيما يخص تجربتي المتواضعة في هذا البرنامج، كنتُ أحاول الاشتغال على معادلة بسيطة لكنها متعبة: أن يكون السؤال واضحًا دون أن يكون سطحيًّا أو ساذجًا. ثم إن «ضفاف» جاء فعلًا في وقت تغيّر فيه شكل المشاهدة، لم يعد الناس يجلسون أمام الشاشة كما كنا نفعل، بل «ينقرون» على المقاطع، يهربون بسرعة، ويعودون بسرعة. وهذا يفرض على أي برنامج تلفزيوني أن يخلق -منذ الدقائق الأولى- سببًا للبقاء، ولا أقصد بذلك افتعال إثارة مصطنعة، بل إحساس بأن هناك حكاية تُروى، وأن الضيف كائن حيّ من لحم ودم له لحظات صدق، وله جملة قد تُفلت منه بلا قصد فتُضيء كل شيء. أحيانًا أقول لنفسي إننا لم ننافس «عدد المشاهدات» بقدر ما حاولنا منافسة «التشتيت» نفسه، أن نمنح لحظة تركيز وسط هذا القدر من التشتيت.
مع تراكم الحلقات.. ما الأسئلة التي شعرت لاحقًا أنها جاءت في غير توقيتها، أو تلك التي لو طُرحت اليوم لخرجت بصيغة مختلفة؟
كل مقدم برامج صادق مع نفسه لا بد وأنه يحمل في داخله ما يمكن أن أطلق عليه «ندمًا مهنيًّا» لا يراه أحد. ليس ندمًا فقط على سؤالٍ طُرِح لم يكن في محله، بل الندم على سؤال لم يُطرَح رغم أنه كان ينبغي للمحاوِر أن يطرحه. هذا في العموم. وفيما يخص «ضفاف» هناك أسئلة اكتشفتُ بعد الحلقة أنها كانت صحيحة في الفكرة، ولكنها خاطئة في التوقيت. تأتي مثل مفتاح ممتاز، لكنك تحاول فتح الباب به بعد أن يغلق الضيف قلبه، أو بعد أن يُرهَق بسؤالين متتاليين من النوع نفسه. وبعض الأسئلة، خاصة ما يمس الحزن الشخصي أو الموقف السياسي أو الحساسية الاجتماعية، تحتاج أن تُطرح بهدوء لا باندفاع. سأضرب لك مثالا: في حلقة الأكاديمية والباحثة التونسية هاجر حراثي، وبينما كانت تجيب عن سؤال حول طفولتها ذكرت أن هذه الطفولة وُسِمتْ بوجع كبير، وأنها بعد واقعة أليمة عايشتها لم تعد هي الطفلة نفسها، وكان واضحًا أنها تتجنب الخوض في تفاصيل تلك الواقعة، ربما لكي لا تستدعي الحزن فيفقدها تركيزها في الحلقة، لكنني قاطعتُها فجأة دون أن أشعر وقلتُ: «الواقعة التي تقصدينها هي وفاة أختك الصغيرة في حادث سير وأنتما في المدرسة الابتدائية. صحيح؟»، هنا لم تجد بُدًّا من الإجابة بـ«نعم» والاسترسال في سرد حزنها، بل فاجأتني بأن يوم تسجيل الحلقة هو نفسه ذكرى رحيل شقيقتها. عندما تابعتُ الحلقة بعد ذلك كمشاهد عادي شعرتُ أن السؤال كان قاسيا ولم يكن في محله. هذا مثال. هناك أسئلة أخرى بالطبع، ربما لو أعدت تسجيل الحلقات كنتُ سأطرحها بشكل مختلف. نعم. لأن الخبرة تعلمك أن السؤال الجيد ليس الذي «يُحرج» الضيف، بل الذي يُحرّره: يفتح له منفذًا ليقول ما لا يقوله عادةً، أو ليعيد النظر في جملة كان يرددها كحقيقة نهائية. وأحيانًا تكون المشكلة في أنني طرحت سؤالًا مبكرًا جدًّا قبل أن أبني مع الضيف ذلك الجسر النفسي الذي يجعل الصراحة ممكنة.
بين تجربة إذاعية عُرف بها صوتك طويلًا، وتجربة تلفزيونية تقوم على الصورة والحضور.. ما الذي تغيّر في سليمان المعمري اليوم؟
الإذاعة علّمتني أن أصدّق الأذن. أما التلفزيون فعلّمني أن أُراعي العين دون أن أخون الأذن. في الإذاعة كنتُ أستطيع أن أختبئ خلف الصوت: خلف الإيقاع، ووراء الصمت، خلف الموسيقى التي تُسعِف الجملة إذا تعثرت. التلفزيون يفضحك بهدوء: يريك نفسك كما هي، بترددك، بابتسامتك، بنظرتك حين تفاجَأ، وبالشرود الذي قد تظنه لحظة تفكير بينما يراه المشاهد لحظة انقطاع، وهذه النقطة الأخيرة ينتبه لها المخرج حسين العلوي دائما، فما إن يراني شاردًا حتى يهمس لي في أذني: «رئاكشن» لأعود للإنصات للضيف بتركيز. ما تغيّر فيَّ أنني أدركت أن الحضور أمام الكاميرا ليس إضافة شكلية، بل جزء أساسي من الرسالة. وفي الوقت نفسه صرت أكثر انتباهًا إلى ألا تتحول الصورة إلى قناع يخفي الأسئلة الحقيقية. أخطر ما في التلفزيون أنه قد يدفعك لأن تبدو «مقدم برامج» أكثر مما تكون محاوِرًا. وفي «ضفاف» حرصت قبل كل شيء على أن أكون باحثًا عن إجابة، لا صانع عبارات لامعة؛ أن أطرح السؤال بدافع الفضول الإنساني، لا من أجل لقطة عابرة.
إلى أي حد يمكن النظر إلى «ضفاف» كمحاولة لكسر صورة شائعة عن البرامج الثقافية: نخبوية مغلقة أو بعيدة عن أسئلة الحياة اليومية؟
في الحقيقة هذا سؤال يستطيع المشاهد الإجابة عنه أكثر مني، خصوصًا أنني داخل أتون التجربة وقد لا أستطيع الحكم عليها بموضوعية أو حيادية. ولكني سأقول إنني بحكم عملي سنين طويلة في البرامج الثقافية في الإذاعة ما عدتُ أؤمن أصلًا بثنائية: «ثقافة للنخبة» مقابل «ثقافة للناس». الثقافة ليست ناديًا مغلقًا، وليست أيضًا وجبة سريعة تُقدَّم بلا أسئلة. هي ببساطة طريقة لفهم العالم، والناس كلهم -بدرجات متفاوتة- يحاولون فهم العالم. «ضفاف» حاول أن يقول إن الكاتب الذي يكتب عن السرد واللغة، هو نفسه الذي يخاف ويحب ويخسر ويشيخ ويغار ويضحك من نفسه. وأن «الأسئلة «الكبرى» التي يطرحها مفكر أو أكاديمي أو باحث لا تنفصل عن تفاصيل المعيشة اليومية: عن الخيبة، عن المدينة، عن الأم، عن السلطة، عن الحب، عن معنى أن تستيقظ صباحًا وتجد نفسك شخصًا آخر. باختصار؛ لستُ متأكدًا تمامًا من الإجابة عن هذا السؤال، لأن الحكم في مثل هذه الأمور يظل في يد المتلقي لا مقدم البرنامج. كل ما أستطيع قوله إنني وطاقم «ضفاف» لم ندخل البرنامج بنيّة كسر صورة مسبقة عن البرامج الثقافية بقدر ما دخلناه بدافع رغبة صادقة في طرح أسئلة تمسّ حياتنا اليومية من داخل الثقافة نفسها. فإذا شعر المشاهد أن البرنامج اقترب منه، أو أنه لم يحتج إلى مسافة ذهنية كبيرة لمتابعته، فذلك نعدّه مكسبًا، من دون أن نقدّمه كادعاء، أو كنتيجة مخطَّط لها سلفًا.
مع هذا التنوع الواسع في الضيوف والتجارب، ما الحلقة التي شعرتَ أنها كانت الأصعب إعدادًا أو إدارةً على مستوى الأسئلة والإنصات، ولماذا بدت لك أكثر تعقيدًا من غيرها؟
ربما كانت حلقة المترجم الكندي الأرجنتيني ألبرتو مانجويل من أصعب حلقات «ضفاف»، لا على مستوى الجهد الذي تطلبتْه في الإعداد فقط، بل على مستوى الإحساس بالمسؤولية. فنحن أمام واحد من أكبر القرّاء في زماننا، شخص عاش عمره بين الكتب، وكتب عنها، وعلّمنا كيف نقرأها كأنها حياة موازية. هذا وحده يفرض تحضيرًا للحلقة يليق بمكانة ضيفها، ويجنب الوقوع في أسئلة عابرة لا تضيف إليه ولا إلينا. ثم إن التواصل معه في الحلقة لم يكن مباشرًا كما في بقية الحلقات، بل عبر الترجمة الفورية، أي عبر وسيط. وهذا يغيّر إيقاع الحوار كله: السؤال يُقال، ثم يُنقل، ثم تُعاد صياغته، والإجابة تمر بالمسار نفسه، ما يتطلب تركيزًا مضاعفًا وصبرًا أطول، وانتباهًا دائمًا إلى ألا تضيع الفكرة أو دفء اللحظة بين اللغتين. وفوق ذلك، كانت تجربة الاستعانة بمترجم فوري (وهو هنا الأستاذ همّل البلوشي) جديدة تمامًا على البرنامج، ما استدعى وقتًا أطول من المعتاد قبل بدء التصوير، رغم وجود مانجويل في الاستوديو. ومع ذلك أبدى قدرًا كبيرًا من التفهّم والصبر، وانتظر معنا حتى دارت الكاميرا. لهذا بدت تلك الحلقة تحديًا مركبًا: معرفيًا، وتقنيًا، وإنسانيًا في آن واحد.
على ذكر مانجويل، حضر في «ضفاف» عدد لافت من المترجمين والمستعربين، من بينهم الأمريكية مارلين بوث، والألمانية كلاوديا أوت، والسويدي تيتز روك؛ إلى أي حد كان حضور هؤلاء خيارًا مقصودًا في بنية البرنامج، وما الذي أضافته هذه التجارب القادمة من لغات وثقافات مختلفة إلى طبيعة الأسئلة، وإلى طريقة النظر في الثقافة العربية نفسها؟
بصراحة، لم يكن حضور المترجمين والمستعربين في «ضفاف» نتيجة تخطيط مسبق أو مشروع مبرمج بقدر ما كان ثمرة انتباه للفرص التي أتاحتها زياراتهم إلى سلطنة عُمان. البرنامج يقتنص ضيوفه غالبًا من المثقفين الزائرين، وكنا محظوظين بأن بعض هذه الزيارات كانت لمترجمين ومستعربين لهم وزنهم وتجاربهم العميقة، مثل هؤلاء الذين ذكرتَهم في سؤالك، وأضيف لهم أيضا المترجمة والباحثة البريطانية أليس جوثري، والباحث والمترجم الأمريكي لوك ليفجرين. ما جعل استضافة هؤلاء مغرية هو الإحساس بأن وجودهم في عُمان فرصة لا ينبغي تفويتها، لا أكثر ولا أقل. هؤلاء يأتون إلى العربية بدافع الشغف والعمل الطويل، لا من موقع المراقبة البعيدة، وحواراتهم تفتح بطبيعتها زوايا مختلفة للغة والثقافة، وتمنح الحوار مسارات غير متوقعة من دون جهد إضافي منا.
لاحظنا أيضا حضورًا لافتًا في البرنامج لمثقفين عُمانيين، مثل الشاعر سيف الرحبي، والسينمائي عبدالله حبيب، والروائية هدى حمد، وغيرهم؛ إلى أي مدى كان هذا الحضور خيارًا واعيًا في هوية «ضفاف»، وما الذي يضيفه حضور الصوت المحلي إلى حوارات البرنامج؟
نعم. كان هذا الحضور العُماني خيارًا واعيًا ومقصودًا في هوية «ضفاف»، انطلاقًا من قناعة بأن أي برنامج ثقافي يُنتَج من عُمان ينبغي أن يُصغي بجدية إلى أصواتها الثقافية، ويضعها في حوار مفتوح مع الأسئلة الكبرى نفسها التي نطرحها على الضيوف العرب من خارجها. حضور مثقفين عُمانيين كالذين تفضلتَ بذكرهم، ويمكن أن نضيف إليهم المترجم أحمد المعيني والروائي زهران القاسمي والقاص يحيى سلام المنذري، وسواهم، أضاف إلى «ضفاف» قدرًا من الألفة والخصوصية؛ لأن هذه الأصوات تتحدث من تجربة معيشة في المكان، ومن اشتباك مباشر مع أسئلته الثقافية والفنية. كما أنه كسر أي تصور بأن البرنامج نافذة على الخارج فقط، ليصبح مساحة تفاعل متبادل بين المحلي والعربي، بين التجربة العُمانية وأسئلتها، وتجارب أخرى تتقاطع معها أو تختلف عنها. الأهم أن الصوت المحلي، عندما يُستضاف بالمعايير نفسها، يضيف للحوار توازنًا طبيعيًّا، ويجعل «ضفاف» مساحة ثقافية حيّة متعددة الاتجاهات.
الحلقة المائة رقم يحمل دلالة خاصة.. هل هي لحظة مراجعة أم تحدٍّ يفرض مسؤولية إضافية؟
هي الاثنان معًا. الرقم مائة مثل لافتة على الطريق تقول لك: «انتبه؛ لقد قطعت مسافة معتبرة، لكن لا تتوهم أنك وصلت». هي لحظة مراجعة لأن الزمن نفسه يغيّر زاوية النظر. تنوّع الضيوف وتعدّد مجالاتهم يحمي البرنامج بطبيعته من التكرار، لكن تراكم الحلقات يفتح بابًا للتوقف أمام المسار كله: ماذا أضفنا؟ وأين أصغينا جيدًا؟ وأين كان يمكن للإنصات أن يكون أعمق؟ المراجعة هنا قراءة للتجربة في كليّتها، ومحاولة لرؤية الصورة الواسعة بعد أن ظلّت تُرى، حلقةً حلقة، من مسافة قريبة. وكنا قد أجرينا هذه المراجعة مع نهاية السنة الأولى من البرنامج. فلعلك لاحظت أن الحلقات الستين الأولى كانت تكتفي بمحاورة الضيف فقط، ولكننا استحدثنا بدءا من الحلقة 61 مع المترجم ألبرتو مانجويل صيغة الشهادات التي يقدمها مثقفون مجايلون لضيف الحلقة أو مطلعون بشكل جيد على تجربته الثقافية. هذا ما يخصّ المراجعة. أما إجابة الشق الثاني من سؤالك، فالمائة حلقة تمثّل تحدّيًا لأن الرقم نفسه يرفع سقف التوقّع. بعد هذا التراكم، لا يعود البرنامج يُقاس بما يقدّمه في حلقة واحدة، بل بما يضيفه إلى مساره العام. يصبح السؤال: كيف نحافظ على حسّ الاكتشاف؟ وكيف نمنع الاطمئنان من التسلل إلى التجربة؟ التحدي هنا أن يظل «ضفاف» مساحة مفتوحة للمفاجأة والإنصات، لا تجربة تكتفي بما حققته، ولا برنامجًا يعيش على رصيد حلقاته السابقة.