كتب - عامر بن عبدالله الأنصاري
تثبت فرقة الدن للثقافة والفن أن العمل الجاد والمتواصل هو من أساسيات النجاح، فلا تزال تكسب الرهان في عدد الجمهور الحاضر بمجرد الإعلان عن عمل مسرحي ما، وليس بغريب أن يشهد مسرح كلية الدراسات المصرفية والمالية مساء أمس حضورا جماهيريا غفيرا، إذ قدّمت الفرقة عرضها المسرحي «رماد» ضمن العروض المشاركة في مهرجان الشفق التجريبي الأول.
في عرض «رماد» عاد الفنان عبدالحكيم الصالحي إلى الخشبة السمراء بعد انقطاع ظلّ لسنوات، إلا أن تلك السنوات لم تكن عائقًا أمامه، بل سجّل حضورا قويا، وكان محور العمل الرئيسي وصاحب نصيب الأسد من الحوارات، مؤديا دور «حنظلة»، هذا الشاب المكافح من أجل أن يوفّر له مصدر دخل، يمتاز تارة بالطيش والعنفوان، وتارة باليأس والانكسار، ليجسّد تقلبات الإنسان الطبيعي، وكيف يمكن للحياة القاسية أن تحطّمه وأن تبنيه من جديد، ثم تدمّره وتشيّده، وهكذا.
«حنظلة» الذي يواجه التهم في مكتب التحقيق، يعود بذاكرته العشوائية إلى أزمنة غاب عنها الترتيب، فنجدُه يعود في الذاكرة حينما قابل المسؤول عن توظيفه، مؤكدًا في حواره أن الأدلة والمقابلات والتقييمات تُثبت أنه الأجدر بالوظيفة، فلماذا مُلئ الشاغر بشخص آخر؟ يعود في الذاكرة إلى موقف مع أحد أقربائه، الذي غرّته فتاة فأخذ أموال «حنظلة» ليدخل في مشروع وهمي، فيخسر الجميع أموالهم. يعود في الذاكرة إلى لحظات كثيرة أدّت إلى تقلباته المزاجية والفكرية، منتقلا من الشاب الطائش إلى الرجل الصالح المتدين، إلى مغني الراب، إلى المنعزل في الوحدة، إلى متفائل، إلى المحطّم، فتأخذه حياته القاسية نحو تجارب عديدة، لعلّ واحدة منها تفتح له باب الراحة.
في مكتب التحقيق يواجه «المحققة»، التي جسّدت دورها الفنانة تاج البلوشية، اتسمت بالهدوء والسمت الراكز والسلطة الجائرة، ويُحتجز «حنظلة» في غرفة ضيقة يصفها بالقبر، يصرخ بأنه يختنق ويكاد يموت، إلا أن الأعذار سرعان ما تصل مسامعه: «أنت تهذي». ينادي المحققة بـ«أمي» مرارًا، وتردّ عليه: «أنا هنا محققة»، فهل كان يرجو عطفها، أم هي أمه فعلًا، أم أنه فعلا كان «يهذي»، أم حملت الشخصية رمزية أخرى؟
لم يكن لـ«حنظلة» أن يصل إلى قفص الاتهام لو لم يقترف في حياته العديد من المشكلات التي افتعلها؛ دخول مكتب المسؤول عنوة، وشجاره مع جماعته، وتسريب معلومات حساسة إلى الإعلام، وغيرها من مواقف الحياة التي يراها من منظوره الشخصي «حرية تعبير» و«حقوق مدنية» بغية أن يعيش حياة كريمة ويحصل على وظيفة براتب مجزٍ، لكنه يلجأ إلى «المشاكيك» كبديل مؤقت عن الوظيفة، وذات يوم لم يجد ما يُشعل به جمر الشواء، فيحرق شهادته من أجل ذلك، ولسان حاله يقول: ما تلك الشهادة إلا ورقة بلا فائدة، وحرقها يُشعل النار في الجمر، وهذا مصدر دخل!
وفي ختام المشهد يبرّر كل ذلك بعبارة هزّت المسرح: «كنت جائعًا»!
العمل من إخراج وتأليف محمد خلفان الهنائي «عن نص شهادة من رماد»، وفي التمثيل إلى جانب عبدالحكيم الصالحي وتاج البلوشية كلٌّ من الفنانين أحمد الرواحي، هيثم المعولي، أحمد الصالحي، وليد الدرعي، طالب الوهيبي، عمر البلوشي، وقد كان للجميع دور مميّز في العمل، واستطاع المخرج تقسيم الأدوار بتوازن ملفت.
وفي الجانب الفني، تولّى رئيس فرقة الدن محمد النبهاني الإشراف العام، وسالم الرواحي مساعدًا للمخرج والموسيقى، ومحمود المخرومي السينوغرافيا، ومحمود البلوشي الأزياء والديكور، وأمجد الشريقي الأزياء، وخالد العبري إدارة المسرح، ومحمود الأغبري الإضاءة، والحسين السالمي التصميم الجرافيكي، ورقية البريدية الصياغة الشعرية لمشهد الراب، وشميسة النعمانية كاتبة قصيدة المجد.
رؤية شخصية
بالحديث عن رؤيتي الشخصية للعمل المسرحي، لا يمكنني إنكار إبداعية العمل وقدرته على جذب الانتباه من البداية إلى النهاية، وروعة اللوحات الفنية البصرية التي قدّمها المخرج بعناية كبيرة ودراسة أحسبها هندسية، طابعًا هويته الفكرية في هذا العمل، إذ لو لم يكن اسمه موجودًا لعرفت شخصيًا أن هذا العمل من إخراج «محمد خلفان». حتى أداء الفنان عبدالحكيم الصالحي لم يتأثر بسنوات توقفه عن المسرح، بل كان أداؤه ممتازًا، حتى إن المتحدثين في الجلسة التعقيبية وصفوه بـ«آكل الجو»، وهو كذلك فعلًا.
كانت لعبة الإضاءة ذات دلالات متنوعة: الغضب، الهدوء، الاختناق، وحتى مشهد تحوّل البطل إلى شخصية المتدين وجلسة دعائه مُلئت بالإضاءة الخضراء الموحية بالفنون الإسلامية، كما كان لحضور الموسيقى التعبيرية أثر واضح في إيصال ليس الفكرة فحسب، بل كذلك الشعور والإحساس، وتوظيف الغناء زاد من روعة العمل وأوصل رسائل عديدة إلى الجمهور الحاضر، فكان العمل في مجمله رائعًا لم يُخيّب ظن جزء غفير من الجمهور الحاضر.
إلا أن التقاطع يكمن في محور «التجريب»، وهي السمة الأساسية للمهرجان، التي لم تكن عروضه، حتى العرض الثالث، تتوافق مع فكرة التجريب، تلك الفكرة الجدلية التي تُثار حولها الأحاديث يوميًا، وكان أغلب ردود المخرجين بأنه «جرّب» في هذا العمل، فهل يُقاس العمل على التجربة الشخصية، أم على مشاهدة الجمهور، الذين هم في اعتقادي الحكم في ذلك؟
اللوحات الفنية في العمل ذكّرتني كثيرًا بعرض «قرن الجارية» للمخرج محمد خلفان ذاته، مشاهد اصطفاف الجوقة، واستعمال المصابيح التي يحملها الممثلون، وكذلك توظيف الغناء والأداء الراقص وغيرها، تُثبت هوية فنية إخراجية لدى محمد خلفان الهنائي، ما يضطرني للتساؤل: «أين التجريب بمفهومه الأكاديمي؟» وحتى إن النص لم يُكتب كنص تجريبي كما أشار المخرج، وهو المؤلف، في الجلسة التعقيبية، إذ كتبه في عام 2020، وإن قيل إنه لا يوجد تعريف ثابت للتجريب، إلا أن كل التعاريف وكل ما يُقال عنه إنه «كسر القواعد» والخروج عن المألوف، إلا أن المألوف ظل كما هو!
وبالنسبة للأداء الجبّار للفنان عبدالحكيم الصالحي، محور العمل ومحركه الرئيسي، فأحالني أداؤه كذلك إلى مشاهد سابقة؛ مشاهد الالتواء ألمًا أحالتني إلى «ولد البلد»، ومشهد تصويب السلاح عليه همس في أذني بعبارة «اغضب يا عربي» التي قالتها الفنانة زهي قادر لعبدالحكيم الصالحي في عرض «خيارات في زمن الحرب» الذي قُدّم عام 2017.
كل ذلك يدفعني بفضول المعرفة لأسأل: «أين التجريب؟»، وأكرر أن ذلك كله لم يُقلل من قيمة العمل الفنية والإبداعية والجمالية.
الجلسة التعقيبية
أما الجلسة النقدية فقد تحدث فيها الكاتب المسرحي حمود الجابري، وأدارها الفنان المسرحي مبارك الغزالي، بحضور مخرج العمل محمد خلفان. وأشار الكاتب المسرحي حمود الجابري إلى أن عرض «رماد» يشتغل على قضية إنسانية ملحّة، تتمحور حول الصراع من أجل العيش الكريم وحق الفرد في التعبير عن ذاته، موضحًا أن النص يحمل بُعدًا نفسيًا واجتماعيًا واضحًا، وينفتح على تأويلات متعددة. وتوقف الجابري عند البناء الدرامي للعمل، معتبرًا أن العرض اعتمد على ذاكرة شخصية مضطربة كوسيلة للسرد، ما أتاح تنقلًا حرًا بين الأزمنة والمواقف، وأسهم في تشكيل إيقاع متغيّر يعكس الحالة الداخلية للشخصية الرئيسية. كما تطرّق إلى شخصية «حنظلة» بوصفها شخصية مركّبة ومتقلّبة، تتأرجح بين التمرّد والانكسار، وبين الرغبة في النجاة والاستسلام للواقع، مشيرًا إلى أن هذا التناقض منح الشخصية عمقًا دراميًا واضحًا.
وأضاف الجابري أن الإخراج قدّم مجموعة من اللوحات البصرية ذات الدلالات الرمزية، واشتغل على الجوقة والحركة الجماعية والموسيقى بوصفها عناصر مكمّلة للمعنى، مع ملاحظات نقدية تتعلق بكثافة بعض المشاهد وتكرار بعض الاشتغالات البصرية، معتبرًا أن العرض في مجمله قدّم تجربة فنية جادة تستحق التوقف عندها والنقاش حولها، خصوصًا في سياق مهرجان يُعنى بالتجريب المسرحي.
وشهدت الجلسة عدة مداخلات من الجمهور، جاءت إجمالًا بين الإشادة بالأداء التمثيلي، ولا سيما أداء بطل العمل، وطرح تساؤلات حول مفهوم التجريب وحدوده، إضافة إلى ملاحظات تناولت السينوغرافيا وتوظيف الموسيقى والغناء داخل العرض.
وختامًا قال مخرج العمل محمد خلفان إن «رماد» يمثّل تجربة بحثية بالنسبة له، حاول من خلالها الاقتراب من الإنسان المهمّش وصراعه مع الواقع، مؤكدًا، بحسب فهمه ورأيه، أن التجريب لا يعني بالضرورة القطيعة التامة مع الأشكال المسرحية المعروفة، بل إعادة توظيفها برؤية مختلفة تنبع من هاجس شخصي وفكري. وأوضح أن العمل انطلق من قراءة إنسانية للنص، ساعيًا إلى تقديم شخصية غير مثالية، مليئة بالتناقضات، تعكس هشاشة الإنسان تحت ضغط الحياة. كما أشار إلى أن بعض الخيارات الإخراجية، سواء في الحركة أو الإضاءة أو توظيف الجوقة، جاءت عن قصد لخدمة الحالة النفسية للشخصية، مؤكدًا أن اختلاف الآراء حول العرض أمر صحي، ويؤكد نجاحه في إثارة النقاش وطرح الأسئلة، وهو ما يسعى إليه المسرح في جوهره.