مواضيع كثيرة تزدحم على البال، وكانت النية أن أفتتح هذا العام بمقالة عن احتياجنا الماس في ثقافتنا العامة لمزيد من التوجه نحو البحث العلمي بكل أشكاله وتفرعاته، وكيف أن مثل هذا التوجه ينعكس إيجابًا علينا من صحة الثقافة العامة إلى نمو الناتج العام، وبكل ما يرتبط بذلك من أوجه النشاط البشري، ولكن الأشياء تقود بعضها وتتدافع.

قادتني المصادفة نهاية العام المنصرم إلى حديث مثمر مع باحثين أكاديميين في مناسبتين مختلفتين: أما أولاهما فأخبرني أنه يعمل على موسوعة من عدة أجزاء لصالح جهة رسمية في حقل الدراسات الإنسانية. وهناك أمران لفتا انتباهي في حديثي معه، أولهما أن الموسوعة ستصدر باللغة الإنجليزية، وقد تترجم إذا ارتأت الجهة ترجمتها، وثانيها أن هذا البحث المضني يستهلك من الباحث كل يومه، وأكثر ما يستهلك طاقته ليس العمل البحثي ومتعته بالنسبة لكل باحث، بل العمل الآلي الذي تتطلبه الموسوعات من الطباعة والرقن والتوثيق، وهي مهام كان يمكن أن يقوم بها مساعدو الباحث لو توفر مثل ذلك المناخ البحثي.

أما اللقاء الآخر فكان في مجلس عزاء أحد الأعزة الذين غادرونا فجأة نهاية العام، وكان الباحث الأكاديمي الذي تحاورت معه متخصصًا في الروبوتات من حقل الهندسة الميكانيكية. ورغم إلحاح وأهمية مثل هذا القطاع -خاصة في عصر الذكاء الاصطناعي- وحاجتنا الماسة في عمان اليوم لتطبيقات الهندسة العملية هذه مع التوجهات المعلنة نهاية الأسبوع الماضي لتوجه الدولة لإدراج ميزانيات خاصة بالاقتصاد الرقمي؛ فإن هذا الباحث كما أخبرني بصدد نشر كتابه حول الروبوتات وهندستها، لكن لدى دار نشر أجنبية، وسيصدر باللغة الإنجليزية مع أن الباحث نفسه يأمل في ترجمته بنفسه للغة العربية.

ومن الواضح أن الطلب القرائي على الأعمال العلمية ضعيف في ثقافتنا العامة، وحتى في العالم العربي، وأن اللغة الإنجليزية أصبحت اليوم لغة عالمية واسعة الانتشار، عدا اعتمادها لغة علمية في المؤتمرات العالمية، لكن مثل هذا العمل لن يجد دار نشر عمانية يمكنها طباعته وتوزيعه عالميًا؛ فصناعة النشر لدينا ما تزال تصارع بداياتها وتحاول النهوض، فكيف بالنشر العلمي في الفيزياء والرياضيات فضلًا عن الهندسة الميكانيكية؟

حسب نشرة مركز الإحصاء الوطني الأخيرة بلغ حجم الإنفاق على البحوث العلمية عام ٢٠٢٤م في عمان ١٦٠ مليون ريال، وجاء معظم الإنفاق من الشركات والقطاع الخاص. فإذا كان الدخل الوطني لذلك العام -حسب المنشور- هو ٣٨.٣ مليار ريال فإن ما أنفق على البحث العلمي لا يزيد عن ٠.٥٪ من الناتج العام، والسؤال هل تتسق تلك النسبة الضئيلة مع ما نزعم أننا نتطلع إليه لعمان في رؤيتها المستقبلية لهذا القرن الحادي والعشرين؟ وهل يمكن لنا أن نحقق تقدمًا في أي مجال إذا كان إنفاقنا على البحث العلمي وعلى مراكز البحوث العلمية والجامعات البحثية يبلغ هذا المبلغ من الضآلة؟

نقول هذا مع أن التعليم في ميزانية هذا العام مثلًا يحتل المرتبة الأولى بما نسبته ٤٠٪ من إنفاق القطاعات الاجتماعية والأساسية، لكن أغلب تلك النسبة تذهب عدا التشغيل للإنشاءات والتوظيف. ولا نجد أي ذكر في الميزانية العامة المنشورة للبحث العلمي، فضلًا عن أن إسهام ميزانية الدولة في البحوث العلمية لا يزيد عن ٠.٢٥٪ إذا أخذنا عام ٢٠٢٤م معيارا بينما الواجب بناء على التطلعات المعلنة التي نتطلع إليها أن تنفق الميزانية العامة بسخاء على كافة أوجه البحوث العلمية، وأن تكون قاعدة التقدم الأساسية هي التوسع في إنشاء الجامعات والمراكز البحثية العامة والمتخصصة، وبغير ذلك لا نستطيع الزعم أننا في في تقدم مستدام.

إن زيادة التركيز على البحوث العلمية لا تخدم مجتمع البحث العلمي نفسه بقدر ما تخدم كل قطاع من القطاعات المختلفة، ويمكنها أن تفيد كل أوجه النشاط البشري، وفي كافة المناحي بما في ذلك حل المشكلات الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، خاصة مع ضغط التحولات المتسارعة على مجتمعاتنا. ومع الازدياد في نسب السكان غير المواطنين، وكل ما تفرضه هذه التحولات الديمغرافية، والتسارع نحو زيادة الإنتاج وترشيد الإنفاق، وضغط البطالة يمكن للبحوث العلمية المتخصصة أن تجد لها حلولًا ميسرة ومتفقة مع الوضع الحالي.

وإذا راجعنا ما أنفقته الدولة على التعليم خلال العقود الماضية فإن من الهدر ألا يتوج ذلك الإنفاق باكتمال حلقات الخطوط العلمية والمعرفية نحو الاستفادة من المواهب والخبرات العلمية التي كلفت الكثير في مراكز وجامعات بحثية كبرى بدل هدرها في رتابة البيروقراطية التي تسمم كل إبداع، وتخنق كل اختراع.

إننا إذا احتسبنا ما تنفقه أجهزة الدولة، ومؤسساتها بكافة أشكالها، وما ينفقه القطاع الخاص وشركاته الكبرى في كل القطاعات على البحوث العلمية وبيوت الخبرة الخارجية والاستشارات الدولية، والشركات الأجنبية التي تقدم الخدمات المتخصصة يمكننا بمجموع ذلك أن ندرك ما نخسره سنويًا من عدم الاستثمار داخليًا في أوجه البحث العلمي، هذا غير الخبرات العلمية المهدرة في كافة الجوانب من الطب وعلومه وتقنياته إلى الفيزياء والكيمياء وليس انتهاءً بالعلوم الإنسانية والاقتصادية.

بدأت بقولي إنني كنت أنوي أن أتحدث عن هذا الموضوع، ولكن أحداث نهاية العام تجبرني على اختصار حديثي عنه هنا؛ فقد فرضت نفسها، وأثارت القلق العام في المنطقة الأحوال المتدهورة والمواجهات الجارية في اليمن الشقيق -حسبما تنقله لنا وسائل الإعلام- مع كل ما يشكله ذلك من تهديد مباشر على الأوضاع السياسية والأمنية على الحدود المباشرة سواء هنا في عمان أو في المملكة العربية السعودية، ولعل هذا ما كنا نخشاه منذ البداية من عدم استقرار اليمن واستمرار اضطراب أحواله.

وأيًا ما ستفضي إليه الأحداث الجارية في اليمن، فمن الواضح أن هناك الكثير من النتائج المستخلصة، ليس أقلها أن اليمن رغم تدخلات التحالف لم تستقر أحواله، بل شهد مزيدًا من الانقسام تحت أكثر من قوة أبرزها الحوثيون، والحكومة المعترف بها، والانفصال الجنوبي، وأن هذا الوضع المضطرب معرض للانفجار في كل لحظة، هذا دون أن نتطرق للتدخلات الخارجية المنسوبة إلى عدة دول وقوى إقليمية مجاورة لليمن. والواضح اليوم أن على هذه القوى الدولية أن تتوافق على أن استمرار الانقسام اليمني ليس من مصلحة اليمن وشعبه أولًا، ولا من مصلحة المنطقة التي تستبيحها اليوم بسبب اضطراب اليمن قوى إقليمية استفزازية كالولايات المتحدة وإسرائيل؛ لذلك فإن هذا الخلل لا بد من سده في أسرع وقت، وذلك عبر التوصل بسرعة وبالتوافق الداخلي إلى صيغة كونفدرالية تضمن وحدة واستقرار اليمن وعودة الحياة الطبيعية إليه.

إن التطرف العنيف في المواقف السياسية لا يخدم أحدًا بما في ذلك مواجهة التطرف، ولدينا من الأمثلة المعاصرة ما يفوق الحصر من أفغانستان إلى العراق إلى سوريا، ولا حل لمثل هذه الانقسامات غير العودة إلى الأرض المشتركة والبناء عليها مع احترام الاختلافات أيًا كانت؛ فكل الاختلافات والانقسامات مهما بلغت ومهما بدا أنها متضادة لها أرضية مشتركة موحدة يمكن بالعودة إليها حل كل خلاف، وهذه هي حكمة الأرض الخالدة نفسها، والتي يمكن بالعودة إليها مواصلة البناء والإعمار، أما كل طريق آخر بعيد عن الأرض فإنما هو إلى الخراب.

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني