لا تسير حياة الإنسان على وتيرة واحدة، فهي مزيج من الفرح والحزن، ومن القوة والانكسار. وقد خلقنا الله في كبدٍ ومشقة، وجعل في تقلبات الأيام دروسًا لا تُدرك إلا بالصبر والتأمل. فليست الحياة طريقًا مستقيمًا يخلو من العثرات، بل رحلة نتعلّم فيها، وننضج، ونعيد النظر في أنفسنا كلما واجهتنا لحظة صعبة.
ومن رحم هذه المشقة يولد الوعي الحقيقي؛ فالمعاناة هي التي تصقل الإنسان، وتكشف له أعماق روحه، وتعلّمه كيف ينهض بعد السقوط. وكما ترى إليزابيث كوبلر روس، فإن العظماء الذين مرّوا في حياتنا هم أولئك الذين عرفوا الهزيمة والمعاناة والخسارة، لكنهم امتلكوا القدرة على التعامل معها بوعي لا يُطفئ إنسانيتهم. ويؤكد الفيلسوف إيمانويل كانت هذا المعنى حين يرى أن الإنسان لا يتطور بالراحة، بل تصقل التجربة والمعاناة والمحاولة روحه، وتدفعه نحو النضج.
في ضوء هذه الرؤية، تأتي بعض اللحظات لتُعيد تشكيل وعينا دون مقدمات، وتترك أثرها العميق في ذاكرتنا. وكانت لحظة الفقد التي عشتها واحدة من تلك اللحظات الفارقة، ليس لأنها وداع فقط، بل لأنها غيّرت نظرتي للعائلة، ومعنى الحب الخالد.
لم يكن الألم في البكاء أو في عبارات العزاء المكررة، بل في مشهد صامت لا يزال حاضرًا في ذهني؛ حين رأيت الحزن واضحًا في عيني أبي. لم أعهده يومًا بتلك الدرجة من الانكسار. كان حبه لأمه حاضرًا في كل تفاصيله، في اهتمامه، واحترامه، وقربه منها. وحين حاول أن يُخفي دموعه، أدركت أن الحب الحقيقي لا يخفت مع الزمن، وأن فقدان الأم ليس حدثًا عابرًا، بل وجع عميق يظل مقيمًا في القلب.
في تلك اللحظة، فهمت معنى الأمومة بصورة لم أدركها من قبل، وأيقنت أن وجود الأم نعمة لا يُحسن الإنسان تقديرها إلا حين يختبر الغياب. أدركت أن الأمهات لا يمنحن أبناءهن الحياة فقط، بل يمنحنهم الأمان والدعاء والصبر، وأن دفء حضورهن لا يُعوّضه شيء. ولم يكن الرحيل نهاية لذكرى، إنما بداية لوعي جديد جعلني أقترب أكثر من أمي، وأقدّر وجودها، وأحرص على أن أُظهر لها حبي وامتناني في كل وقت.
كما جعلتني هذه التجربة أنظر إلى كبار السن بعين مختلفة، عين مليئة بالرحمة والتقدير. فهم يحملون في قلوبهم حكايات العمر، وتعب السنين، وصدق المشاعر. وتعلّمت أن الإحسان إليهم ليس واجبًا فقط، بل قيمة إنسانية تُعبّر عن نُبل الإنسان وسمو أخلاقه، وأن كلمة طيبة أو اهتمامًا صادقًا قد يخفف عنهم كثيرًا مما لا نراه.
وأدركت أن العائلة ليست مجرد أشخاص يجمعنا بهم الاسم، بل هي السند الحقيقي في مواجهة الحياة، وهي الأمان الذي نلجأ إليه حين تُتعبنا الأيام. وأن حب الوالدين وبرّهما من أعظم ما يملكه الإنسان؛ لأنهما مصدر الدعاء والطمأنينة، ولأن رضاهما يمنح القلب سلامًا لا يُقارن.
خرجت من هذه التجربة بشعور مختلف؛ شعور يدفعني للتمسك بعائلتي، والحرص على قربهم، والاعتزاز بروابطهم. فقد كانت لحظة مؤلمة، لكنها علمتني أن الحزن الكبير لا يولد إلا من حب كبير، وأن بعض الخسارات، رغم قسوتها، تصنع في داخلنا إنسانًا أكثر وعيًا، وأكثر تقديرًا لمن يحب.