**media[3243862]**

لم تعد حارة العقر بولاية نزوى فضاء تاريخيا يستدعي الذاكرة فحسب، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى نموذج حي لاستثمار التراث بوصفه موردا اقتصاديا وسياحيا مستداما، بعد أن أسهمت المشاريع المتنوعة التي شهدتها الحارة في إحداث قيمة مضافة واضحة انعكست على حركة الاقتصاد المحلي، وتنشيط السياحة الثقافية، وصون الموروث المعماري والاجتماعي.
وأسهمت مشاريع حارة العقر في إيجاد حراك اقتصادي ملموس من خلال تحويل البيوت القديمة والمباني التراثية إلى منشآت ذات طابع استثماري، كالمقاهي الشعبية، والنزل التراثية، ومحال الحِرف والمنتجات المحلية، الأمر الذي أتاح فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأبناء المنطقة، وشجع رواد الأعمال على الاستثمار في مشاريع صغيرة ومتوسطة، مستفيدين من الجاذبية التاريخية للحارة وقربها من معالم نزوى الرئيسة. كما أسهمت هذه المشاريع في إعادة توجيه الإنفاق السياحي ليبقى داخل النسيج المحلي، حيث بات الزائر ينفق على الإقامة والضيافة والمنتجات الحرفية والخدمات الثقافية في موقع واحد، مما عزز من الدورة الاقتصادية داخل الحارة ورفع من قيمة الأصول التراثية نفسها.
رافد للسياحة الثقافية والتجريبية
وعلى الصعيد السياحي، شكلت حارة العقر نقطة جذب متنامية للسياحة الثقافية، لما تقدمه من تجربة متكاملة تمزج بين المكان والذاكرة والأنشطة، إذ لا يقتصر حضور الزائر على مشاهدة المباني القديمة، بل يمتد إلى معايشة التجربة من خلال الفعاليات الثقافية، والمقاهي ذات الطابع العماني، والمعارض الفنية، والأنشطة المرتبطة بالهوية المحلية، والمتاحف التاريخية، واستحضار عبق التاريخ من أروقة قلعة نزوى الشهباء.

**media[3243867]**


وساعد هذا التنوع في إطالة مدة بقاء السائح في نزوى، ورفع معدل الزيارة المتكررة، لا سيما من السياح المهتمين بالتجارب الأصيلة، بما ينسجم مع التوجهات الحديثة في صناعة السياحة التي تركز على مفهوم "السياحة التجريبية" بدل السياحة العابرة.
وعلى مستوى التراث، مثلت مشاريع الحارة مقاربة مختلفة في التعامل مع المباني التاريخية، تقوم على مبدأ الصون من خلال الاستخدام، بدلا من الاكتفاء بالترميم الشكلي، حيث أعيد توظيف المباني وفق اشتراطات تحافظ على الطابع المعماري والمواد التقليدية، مع إدخال عناصر خدمية حديثة تضمن استدامة المبنى واستمرارية دوره.
وساعد هذا النهج في حماية الحارة من الهجر والإهمال، وإعادة ربط المجتمع المحلي بموروثه، لتتحول الحارة إلى فضاء نابض بالحياة، يستعيد فيه التراث دوره الاجتماعي والاقتصادي، لا بوصفه ماضيا منتهيا، بل عنصرا فاعلا في الحاضر.
نموذج قابل للتكرار
وتظهر تجربة حارة العقر أن الاستثمار في التراث، متى ما أدير برؤية متوازنة تجمع بين الأصالة والجدوى الاقتصادية، يمكن أن يتحول إلى محرّك تنموي حقيقي، ما يجعل من مشاريع الحارة نموذجا قابلا للتكرار في حارات وقرى تاريخية أخرى، شريطة توافر التخطيط التشاركي، ودعم رواد الأعمال، والحفاظ على هوية المكان. وقد أعادت مشاريع الحارة تعريف العلاقة بين التراث والتنمية، مؤكدة أن صون الذاكرة يمكن أن يسير جنبا إلى جنب مع تحريك الاقتصاد وتنشيط السياحة وبناء مستقبل يستند إلى جذور المكان.
إعادة تعريف القيمة الاقتصادية للتراث
وتحولت الحارة من حي تاريخي محدود الحركة إلى فضاء تنموي نابض، لتقدم نموذجا عمليا لكيفية توظيف التراث بوصفه موردا مستداما لا مجرد ذاكرة عمرانية، وقيمة اقتصادية تتجاوز الاستثمار التقليدي عبر استثمارات نوعية أعادت الاعتبار للمكان.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور إسحاق بن هلال الشرياني، مستشار أوقاف الحارة، أن حجم الاستثمارات في مشاريع الحارة بلغ بنهاية عام 2025 نحو تسعة ملايين ريال عماني، وهو ما يعكس الثقة المتزايدة في الجدوى الاقتصادية للاستثمار في المواقع التراثية عند إدارتها برؤية واضحة. وأشار إلى أن هذه الاستثمارات انعكست على سوق العقار في الحارة، حيث ارتفعت القيمة المتوسطة للعقارات من نحو ألف ريال إلى ما يقارب مائة ألف ريال، بما يعكس التحول الجذري في النظرة إلى المباني القديمة من كونها عبئا إلى أصول استثمارية ذات قيمة متنامية.
وبيّن أن المشاريع أسهمت في توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتشجيع أبناء المنطقة على الدخول في مشاريع ريادية مرتبطة بالمكان، كما ساعد هذا التنوع في إطالة مدة إقامة الزوار ورفع معدل الإنفاق السياحي داخل المدينة، إلى جانب استقطاب فئة من السياح الباحثين عن التجارب الأصيلة المرتبطة بالهوية والتاريخ، بما ينسجم مع التوجهات الحديثة في صناعة السياحة. كما أسهمت هذه المشاريع في تعزيز الوعي بأهمية التراث بوصفه عنصرا اقتصاديا وثقافيا، وأعادت تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان، ليصبح التراث جزءا من النشاط اليومي لا مجرد معلم للزيارة.
وتؤكد التجربة أن الاستثمار في التراث يمكن أن يشكّل محرّكا تنمويا فاعلا، وهو ما يجعل من مشاريع حارة العقر نموذجا يمكن الاستفادة منه بما يوازن بين الحفاظ على الهوية وتحقيق الجدوى الاقتصادية، إذ أعادت هذه المشاريع صياغة مفهوم القيمة المضافة للتراث، وأثبتت أن الماضي حين يحسن استثماره قادر على الإسهام بفاعلية في بناء اقتصاد محلي وسياحة مستدامة ومستقبل متجذر في الهوية.

**media[3243864]**