مزون بنت ناصر الشعيلية
منذ وقت قصير لم تتجاوز الـ100 ساعة، بدأ العد يتوالى في أرقام العام الجديد، عام نستنشق فيه عطر الأمنيات التي نرجو الله أن تتحقق مع انطلاقة أخرى في ميدان الحياة التي يمتعنا الله بها، ولكن قبل كل شيء علينا أن نترحم سويا على كل من فقدناه خلال العام المنصرم، وأصبح مجرد ذكرى تؤلمنا كلما تفقدنا من حولنا أو افتقدنا أصواتا كانت تملأ علينا جزءا من هذا الوجود.
ونستذكر هنا قول رائد الأدب الروسي فيودور دوستويفسكي عندما يقول: «إن الحياة هبة، ومن الممكن أن نجعل من كل دقيقة منها عصرا طويلا من السعادة، الآن حياتي ستتغير.. الآن سأولد من جديد».
في هذا العام الذي فتحت أبوابه منذ ساعات، لدينا من الأحلام والأمنيات الكثيرة ما يجعلنا نحدق في أفق السماء البعيد، فلعل الله تعالى يكتب لنا التوفيق والسداد فيما نحن مقبلون عليه، وأن يغفر لنا فيما أدبرنا عنه، إنه السميع العليم. مع كل بداية غيث تأتينا من السماء ونتلقفها نحن سكان الأرض، علينا أن نحمد الله عليها، ففي توالي السنين هناك عبرات وحكم يبصرنا إياها -عز وجل-، فكم من رجاء كُتب له التوفيق والسداد، وكم من سعادة انتشحت في شرايين القلب كعطر يغذي أجساد البشر بالفرح والبهجة والأمل والسرور عندما تحققت، ولكن بالمقابل هناك آمال عريضة لم يُكتب لها أن تعيش طويلا فذهبت أدراج الرياح، لكن الإنسان من طبعه الدائم أنه يأمل الدنيا وما فيها، «فيموت المؤمَل ويعيش الأمل».
عندما نقلب صفحة من العام الذي قد مضى، فإننا بلا شك ننفض عن أكتافنا غبار الانتظار وتعب السنين، ولكن نأمل أن يكون هذا العام أفضل من الذي قد أفل من أيام الله في الأرض.
إن الأعوام لتمضي سريعا، وكأننا نحس بأننا في سباق دائم مع عجلة الزمن، وكأن الأيام ما هي إلا مرحلة تأتي بالبدايات ثم سرعان ما تنتهي بالنهايات، يبقى من يأذن الله له أن يكمل مشوار الحياة، ويفل من لم يحالفه حظ العيش طويلا ليسقط في دركات الموت والفناء.
الزمن هو السارق الصامت لأرواح البشر، فكل اللحظات التي نعيشها اليوم سترحل نحو الذاكرة، ولن تعود ثانية للظهور بكل تفاصيلها التي عشناها.
إننا نأتي إلى الدنيا ولا نعلم عما يخبئه لنا القدر من لحظات خاطفة، ولكننا ندرك بأن لنا مصيرا محتوما، فأقدارنا تجبرنا على تقليب أوراق الأيام التي اصفرت ويبست وسقطت من روزنامة التاريخ.
نعصر أيدينا عندما نفقد فرصة كان من الممكن أن تمنحنا شيئا من السرور، لكن الآمال وإن انجلت فإن غيرها يأتي من المجهول.
يعيش الإنسان أغلب أوقات حياته على إيقاع فلسفة عميقة تتمحور حول «طبيعة الحياة والزمن معا»، فالوقت أحيانا يدعونا إلى تبني منظور الفلسفة والتأمل في الأشياء التي تحيط بنا من كل الجوانب، والأحداث التي نمر بها تعرفنا على مغزى فكرة جوهرية وهي «بأن كل شيء في الوجود زائل، سواء كنا نعيش في سعادة غامرة أو معاناة مريرة»، ولكن هناك حقيقة أخرى تقول: «السر في وجود الإنسان قويا ليس في البقاء على قيد الحياة فقط، بل في إيجاد شيء يعيش من أجله».
وبالتالي نحن أمام واقع يتحدث عن نفسه مفاده أن التمسك المفرط بأي حالة شعورية هو ضرب من الوهم الخادع، والتجديد لا يكون في المكان أو الزمان، ولكن في المشاعر أيضا.
عندما يقال لنا: «عِش حياتك كما جاءت وكيفما كانت»، فإن هذه النصيحة هي عبارة عن طلب يأخذنا نحو الانغماس الفعلي في اللحظة الراهنة والاستمتاع بها دون قلق مفرط أو خوف من المستقبل الذي يبدأ منذ الساعة الأولى لعام جديد.
ومن المثبت عند أصحاب الفكر الفلسفي أنهم يرون دائما الحياة مليئة بالعبثية والشتات، وعقولهم تخبرهم بأن المعنى الذي نصنعه في تفاصيل حياتنا هو الذي يجعلنا نستمتع بالأشياء حتى لو كان ذلك لفترة مؤقتة، فـ«القليل من الجنون شيء ضروري لحياة سعيدة طويلة».
أما في حالة الأوقات العصيبة، فإن العبارة التحفيزية تحمل طابعا متفردا، إما أن «تدعوك إلى الصبر والتحمل»، أو إدراك أن «الألم والمعاناة» هما معا جزء طبيعي من دورة الحياة وتكاملها، لكنه جزء عابر لا يتوقف عند منعطف واحد أو حدث جلل. حالات الإنسان كثيرة، تعلمنا ألا شيء دائم، وأن الحكمة تكمن في تقبل الواقع كيفما كان، والعقيدة الإيمانية تدعونا إلى تجنب الغرق في لُج اليأس وظلمات الإحباط والقنوط، لأن حتى أشد الأوقات قسوة سيمر مع مرور الوقت.
وأخيرا، كما بدأت، أختم بقول دوستويفسكي: «إذا كانت البدايات وحدها جميلة، دعنا نبدأ مجددا.. دعنا نبدأ مرارا وتكرارا، دعنا لا ننتهي أبدا، دعنا لا نتوسط ولا نتعمق ولا نمل فننتهي، دعنا نبدأ ثم ننسى أننا بدأنا ونعيد البداية، وننسى إلى اللانهاية».