خور الملح في ولاية قريات بمحافظة مسقط نموذج حي لتناول الطبيعة لخدمة الإنسان، بمهنة عرفها العمانيين عبر آلاف السنين، ظل هذا المكان رمزا للاعتماد على الموارد الطبيعية، ويعتبر اليوم جسرا يربط الماضي بالحاضر، باحتفاظ المواطنين بهذه الحرفة التقليدية التي تساهم في التنوع الاقتصادي.


يجمع خور الملح بين عناصر الجغرافيا الطبيعية، والممارسة الحرفية التقليدية، والأهمية الاقتصادية والاجتماعية التي امتدت عبر قرون. واشتهر الموقع باستخراج ملح البحر الطبيعي الذي يطلق عليه الأهالي اسم "الذهب الأبيض" لما يلعبه من دور مركزي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالسهل الساحلي لولاية قريات.


الموقع الجغرافي
يقع خور الملح على امتداد سهل ساحلي يصل إلى حوالي 2000 متر بالقرب من ساحل ولاية قريات المطل على بحر عمان، ضمن تضاريس طبيعية تجمع بين اليابسة والبحر. وتعد هذه المنطقة جزءا من النطاق الساحلي الغني بالموارد الطبيعية، الذي شكل ملامح الحياة الاقتصادية للسكان.


تاريخ الصناعة
تعود ممارسة استخراج الملح في خور الملح إلى الماضي البعيد، حيث استخدم الموقع منذ آلاف السنين كقناة طبيعية لتجميع مياه البحر وتحويلها إلى ملح عن طريق التبخر تحت أشعة الشمس. وتشير الدراسات أن المنطقة شهدت وجودا بشريا منذ الألفيات الثالثة والرابعة قبل الميلاد، ما يجعلها إحدى أقدم مواقع الاستيطان واستغلال الموارد الطبيعية في المنطقة.


لذلك تنضوي هذه الصناعة إلى تراث متوارث على مدى أجيال، تناقل الأجداد فيه خبرة استخراج وتكرير الملح تقليديا للأبناء والآباء، مفضلا عن هذا العمل كونه نشاط اقتصادي يرفد المجتمع باكتفاء المنتجات.


عملية الإنتاج
يعتمد إنتاج الملح في خور الملح على مبادئ فيزيائية بسيطة وفعالة، بتجميع مياه البحر، حيث تجمع المياه في أحواض مسطحة تحفر على السهل الساحلي، تعرف باسم الأحواض أو الملاحات، ثم تبخر طبيعيا تحت تأثير حرارة الشمس المرتفعة في أشهر الصيف، فتتبخر المياه تدريجيا، تاركة وراءها بلورات الملح، فالتجفيف والتنقية، بعد تبخر الجزء الأكبر من الماء، تجمع بلورات الملح المشكلة، وتنقى من الشوائب طبيعيا أو يدويا قبل أن تجمع في أكياس أو جواني جاهزة للتوزيع، وتستغرق دورة الإنتاج من تجميع المياه وحتى جمع الملح نحو 7 إلى 10 أيام في موسم الصيف، بينما تمتد أحيانا إلى نحو شهر خلال الأشهر الأبرد، بسبب بطء عملية التبخر.


الأهمية الاقتصادية والاجتماعية
يعد الملح المنتج في خور الملح ذا طلب محلي كما يتم تصديره أيضا، بسبب نقائه وجودته، وكان عنصرا أساسيا في حفظ الأغذية، خصوصا الأسماك، لدى الأجداد، ولا يزال جزءا مهما في الأسواق الرغم من توافر الملح المستورد. وخلال موسم الإنتاج في الصيف، ويصل إجمالي الملح المنتج في خور الملح إلى مئات الأطنان شهريا بحسب التقارير المنشورة عنه. كما يشكل العمل في حلقات استخراج الملح إطارا تعاونيا بين أفراد المجتمع، يساهم في بناء روابط بين الناس يؤثر على نمط الحياة.


التراث الثقافي
يتمتع خور الملح بأهمية جمالية وبيئية، فهو يشكل لوحات طبيعية من الألوان والتكوينات الهندسية التي ترى بوضوح من الأعلى، ما يجذب المصورين والفنانين ومحبي الطبيعة لالتقاط صور تعكس تناغم الطبيعة البشرية، ويوثق المصورون والإعلاميون هذا الموقع كرمز لتراث الولاية وكنز طبيعي يعكس مهارة الإنسان في استخدام بيئته.


فرص للمستقبل
يواجه الموقع تحديات تتعلق بالحفاظ على تراثه البيئي أمام التوسع العمراني، كما أن خور الملح يعتمد في إنتاجه على الطرق التقليدية وحدها. وللحفاظ على هويته التراثية يتطلب تخطيطا حكوميا واستثمارا مستداما بوضع سياسات تحافظ على نظامه الطبيعي.