أنور الشامي -
منذ أن يطأ الإنسان هذه الأرض ويمشي في مناكبها، يصعد ويهبط، يسعى ويشقى، يعاين ويسأل، يظل البحث عن المعنى، المراوغ بحكم طبيعته، ديدنه وشاغله ورفيق مسيرته، حتى يرتطم في نهاية المطاف بصخرة صماء يعتريه عندها خَرَس الموت فلا ينبس بكلمة بعدها أبدا. ليصبح الموت بمثابة «الحل المسرحي» الوحيد الذي يحل العقدة وينهي معاناة البحث عن المعنى.
وعبر هذه المسيرة المضنية، لا يفتأ الإنسان يبني أسوارا من المعنى يتوقى بها ضربات القدر ونوائب الدهر، ويعيش شقوة الوجود ما بين ميلاد لم يختره وموت لم يطلبه. ولكن ماذا حين تنهار هذه الأسوار ويجد الإنسان نفسه في قلب العراء، لا يظله معنى أو مبنى، فلا يسمع سوى رجْع الصدى؟ هل يكون عليه أن يأوي إلى جدران اليأس ويحتمي باللاجدوى؟ أم يتعلق من جديد بأهداب الفلسفة باحثا لاهثا خلف أجوبة جديدة وعلاجات بديلة، لن يكون آخرها سوى الكيّ، أو بعبارة أخرى الموت بوصفه الملاذ الأخير من الوجود؟ ليجد الإنسان نفسه عالقا بين مقولة الفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتني: «إن تتفلسف يعني أن تتعلم كيف تموت» وبين مقولة سقراط: «الفلسفة هي فن تقبل الموت». في كتابه «قديسو التشاؤم»، الذي صدرت ترجمته إلى العربية عن دار الكرمة للنشر، يفتش الفيلسوف الأمريكي والأستاذ بجامعة ذا نيو سكول، يوجين ثاكر في دهاليز السير الحياتية لثُلة من الفلاسفة والمفكرين الذين وضعهم ضمن لائحة، لم يدعِ أنها جامعة أو مانعة، تضم مَن اعتبرهم آباء مؤسسين أو قديسين للتشاؤم، وقد تلظوا بخيبة الأمل والرجاء وعافوا الحياة في أصعب لحظات وجودهم، منشغلا خلال ذلك بالبحث عن مفاتيح سيرهم ومفاعيل الحياة بهم ومقدما قراءات سريعة في بعض مؤلفاتهم.
وفي كل ذلك ينتهج ثاكر نهج مصور سينمائي محترف يسلط عدسته على اللحظات المفصلية في حياتهم، عسى أن يكون في رؤيتهم لعالمنا الذي يقف على حافة الفناء طريقا للنجاة أو تصحيحا لأوجه الخلل العميقة التي تعتري منظومته القيمية.
يضع ثاكر بين أيدينا عبر صفحات كتابه، أناسا يواجهون محنة وجودهم، وهم عنده قديسون وزُهادٌ، ولكن خارت لديهم العزائم وتهدمت أركان المعنى، فقتلهم العطش إليه وقضوا تحت أنقاضه. لقد رأوا في الوجود عبئا ثقيلا وبؤسا مريرا لا طاقة لهم به، فانزلقوا إلى عدمية رهيبة ولاذوا باليأس واللاجدوى؛ فقرَّر أحدهم في غمرة يأسه واحتجاجه، إزهاق روحه برصاصة في الرأس فجَّرت عينه اليمنى، لكنها لم تقتله، فراح يحز حلقومه بالموسي مرة تلو مرة، كما هو شأن الأديب الفرنسي نيقولا شامفور، الذي عاش في نهايات القرن الثامن عشر السنوات الدامية للثورة الفرنسية وتقلباتها العنيفة واُتهم تارة بمناصرة الثورة وتارة أخرى بمعاداتها، فبلغ منه السأم من الوجود مبلغه. ولكن يظل مشهد موته، أو بالأحرى فشله في الموت، هو الأشد ترويعا في حياته والكاشف عن بلوغه ذروة اليأس والتشاؤم.
ورصَّ آخرٌ من هؤلاء القديسين نُسخ كتابه الأبرز ذي التسعمائة صفحة الذي حمل عنوان «فلسفة الخلاص» في كومة واحدة، وقد تلقاه طازجا من المطبعة، ثم اعتلاها ليشنق نفسه في عارضة سقف الغرفة، كما هو حال الفيلسوف الألماني فيليب ماينلاندر، مجسدا بذلك فلسفته التي بشَّر بها، والتي تقوم في جوهرها على فكرة أن كل ما هو موجود لا يوجد إلا من أجل إبطال وجوده، وأن ثمة «إرادة موت عمياء» منبثة في كل شيء، هي ما يدفع الجميع نحو تلك الغاية الحتمية.
وهناك منهم مَن قضى كمدا رهين صمته المطبق وجنونه الملغز وحبيس منزل شقيقته المخادعة إليزابيث، في نهاية شديدة الأسطورية لحلم «الإنسان الأعلى» الذي بشَّر به، ولحياة ثائرة وحافلة بالتقلبات، والتي واجه خلالها أوثان عصره بجسارة كبيرة وحماسة نادرة، واستطاع بحق أن يمنح البشرية رؤى ثاقبة وأن يطرح مفاهيم وقيما جديدة وأن يتعاطى الفلسفة «قرعا بالمطرقة»، كما هو حال الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه.
وهناك أيضا مَن مات شريدا هائما في الطرقات لا يدري مِن أين أو إلى أين مثل الفيلسوف الروماني إميل سيوران الذي بلغ حد النشوة من فرط تشاؤمه ومعاداته للعالم، ليمت وحيدا في قبوته الصغيرة بالحي اللاتيني في العاصمة الفرنسية باريس صريع مرض الزهايمر، بعد حياة فكرية حافلة ارتقى خلالها ذروة اليأس والتشاؤم، إلى الحد الذي اعتبر معه أن الناجي الوحيد في الحياة هو ذلك «المولود ميتا» وأن وجودنا غواية وولادتنا في الزمن معضلة.
وضمت لائحة القديسين أيضا مَن اعتزل العالم وزهد حياة الثراء، مؤثرا العزلة في ركنٍ قصي رفقة الكتب، كما الفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتني، الذي يدعونا إلى أن نحرر أنفسنا بالبحث عن الحقيقة والمعنى. لكنه في الوقت ذاته يؤكد أن إرادة التفلسف تدفعنا دفعا إلى أن نتعلم كيف نموت. ومن هنا يقرر وهو في الثامنة والثلاثين من عمره، وفي كامل قواه، على حد قوله، أن ينزوي في خلوة يكرسها لحريته وسكينته بعد أن سأم العالم كأشد ما يكون السأم. وهو لا يرى في الموت نقيضا للحياة، بل نتيجة حتمية لها. ولذلك بعد سقوطه من فوق صهوة جواده، يعبر عن رؤية خاصة للموت بقوله: «يا لها من ميتة هانئة...».
ويظهر في اللائحة أيضا آرتور شوبنهور، كبير المتشائمين وإمام الرافضين للعالم بما هو عليه، وقد اتخذ كلبَه رفيق دربه، مستعيضا به عن الإنسان. وكان كلما أراد أن يوبخ كلبه أو يسبه، يقول له: «أنت لست كلبا! أنت إنسانٌ! إنسانٌ». يرى شوبنهور أن الحياة في نهاية المطاف ما هي إلا خُدعة وخيبة رجاء، معتبرا أنها لا تستحق أن تُعاش بأي حال وأن معضلة الإنسان هي أنه عالقٌ في الوجود وجزء منه في آن واحد.
لقد قدَّم شوبنهور فلسفة بلغت من التشاؤمية حدا تعذر معه أن تحظى بالرواج خلال معظم سنوات حياته، ولذلك لم تأته الشهرة إلا متأخرة، وظل يوجه سهام النقد الحادة وأفظع الإهانات لجماع الفلسفة المثالية الألمانية في عصره وعلى رأسها الهيجلية، حتى وإن اضطره ذلك إلى أن يعيش تشاؤمه ويواجه يأسه وهو يلقي محاضرته أمام قاعة فارغة من الطلاب حين أصر أن تتزامن محاضرته مع محاضرة فيلسوف العصر في ذلك الحين وهو فيلهلم فريدريش هيجل.
وفي هذه اللائحة يظهر أيضا الفيلسوف الدنماركي سورين كيركجور، الذي لم يمنعه إيمانه الخاص ورؤيته الروحية، من أن يقع أسيرا لسوداويته، قائلا: «لولا سوداويتي، ما كنت لأصبح فيلسوفا». لقد كانت سوداويته هي مكمن قوته وسر انهياره. وينتهي كيركجور الذي واجه طوال معظم سنوات حياته اعتلالات جسدية مزمنة وخطيرة ومات ولم يتجاوز الثانية والأربعين من عمره، ينتهي إلى خلاصة مفادها أن الخلاص من البؤس لا يكون إلا بقطع الصلة بالوجود ذاته، قائلا: «والوجود كله يفزعني، من أضأل ذبابة وحتى سر التجسد. كل شيء مستغلق عليَّ، ولا سيما نفسي». ويضيف في إحدى يومياته: «قدرنا في هذه الحياة أن نبلغ أعلى درجات السأم من العالم». ويضم ثاكر إلى لائحته أيضا جاكومو ليوباردي، أعظم شعراء إيطاليا بعد دانتي لدى كثيرين، والذي اتخذ من التشاؤم «نغمة يعزف عليها في جميع كتاباته» سواء كانت مقالات فلسفية أو قصائد شعرية. وكانت محنته تنبع في الأساس من حياة عائلية معطوبة وأجواء منزلية خانقة كانت تعادل لديه «الدفن حيا» وكذلك من جسدٍ معتلٍ ومثقلٍ بالأمراض. وفي إحدى قصائده التي حملت عنوان «إلى ذاته» يقول: «لم يقدم القدر لجنسنا البشري هدية سوى الموت». وتبلغ النبرة التشاؤمية لدى ليوباردي ذروتها حين يقول: «كلُ شيء شر. وهذا يعني أن كل ما هو شيء، هو شر، وأن كل ما هو موجود شر....» .وفي زاوية خاصة، يضع ثاكر الفيلسوف الفرنسي العبقري بليز بسكال في زمرة قديسيه المتشائمين، حيث نرى بسكال يتأمل طويلا في أسرار الموت، ويؤكد أن الحياة بؤس وشقاء وأنها من دون إله تصبح «هوة سحيقة»، وربما يتميز تشاؤم بسكال عن سواه في أن صداه يتردد دائما في ورعه الديني.
ولذلك فاضت «الخواطر»، وهي أشهر مؤلفاته، بمقولات تبدو تشاؤمية الطابع عن الحالة البشرية: «ولا يعزينا في شقائنا إلا اللهو»، «وننشد الحقيقة ولا نجد في أنفسنا إلا ارتيابا»، و«أشد ما يدهشني أن الناس جميعا لا يدهشهم ما بهم من ضعف»، و«نحن في الحقيقة لا نعيش أبدا، ولكن نأمل أن نعيش، وما دمنا نبحث دائما عن كيف نكون سعداء، فحتما لن نكون كذلك أبدا». ويختم بسكال ذلك بقوله: «حين أتأمل حياتي وقد ابتلعها الأزل السابق والأبد اللاحق، كذكر ضيف نزل يوما ثم ارتحل، وفي الحيز الصغير الذي أشغله والذي أراه مبتلعا في الفضاءات الهائلة واللامتناهية التي أجهلها وتجهلني، أرتعب وأعجب أن أراني هنا لا هناك، والآن لا حينذاك. مَن ذا الذي وضعني هنا؟ وبمشيئة من وتدبير من أصبح هذا الزمان والمكان لي». ويختتم ثاكر لائحة قديسيه بالمفكر الإسباني الباسكي ميجيل دي أونامونو، الذي يذهب إلى أنه «لا شيء أبغض من الوجود» وأن جوهر المشكلة لا يكمن في وعينا بالفناء والتناهي والموت فحسب، ولكن في انشغالنا بهذه الحقائق المأساوية وسعينا لفهمها ووضعها في سياق يمنحها المعنى.»
ويخلص دي أونامونو من ذلك إلى أن الإنسان «حيوان مريض» إذا ما قارناه بالحمار أو السلطعون. ويرى أونامونو أن «الشعور المأساوي بالحياة» الذي يواجه الإنسان طوال حياته ما هو إلا نتاج للتفكير المفرط والوعي الذي يعده «مرضا»، ما يدفعه لوصف حياة الإنسان بأنها: «ومضة برق بين أبديتين من الظلام».