شريفة التوبي -
قليلة هي الروايات التي تحدّثت عن العمى، وقد تكون أكثر مما أنا أظن، وربما لم يأت ذلك الظن إلا لأني لم أقرأ من قبل سوى لكتّاب قليلين جدا كانت الفكرة في أعمالهم العمى، منهم عميد الأدب العربي طه حسين، في كتابه (الأيام)، الذي تناول فيه تجربته الشخصية منذ طفولته مع كفّ البصر، ورواية أخرى، بها فلسفة اجتماعية تأمليّة؛ هي رواية (العمى) للأديب البرتغالي (جوزيه ساراماغو)، والتي تدور أحداثها حول مجموعة من الأشخاص يصابون بالعمى عدا شخصية واحدة، هي زوجة الطبيب، وهنا تأتي المفارقة إذا كيف تعيش كمبصر في مجتمع أعمى وليس العكس «الأكثر رعبا من العمى أن تكون الوحيد الذي يرى» ذلك أيضا ليس بالأمر السهل، بل قد يكون مخيفا جدا، فربما الأمان يكمن في أنك لا ترى والفزع كله فيما تراه.
وبطبيعة السرد ليس من السهل الكتابة عن (العمى) كتجربة إنسانية لمن لم يعشها ولم يجرّبها، فالعمى ليس تجربة بقدر ما هي حالة تخصّ إنسانا يعيشها بكل تداعياتها، حالة لا يمكن وصفها بأنها إعاقة لأنّ الأعمى، كما اكتشفت يوما بعد يوم مع صديقات لي كفيفات، لسن معاقات بل هن الأقوى بيننا والأقدر على رؤية الجمال في الحياة كما لا نراه نحن المبصرون. وربما تكون العتمة الاختيارية التي نعيشها نحن أشدّ وأقسى من العتمة التي يعيشونها، فأنْ تكون فاقدا للبصر فذلك يعني أنّك تمتلك البصيرة التي لا يملكها المبصر. تمتلك الضوء إلى درجة القدرة على لمسه، ونحن العاجزون عن امتلاكه ولمسه، ومع ذلك لا أظن أنّ الكتابة عن العمى بالأمر المتاح، لخصوصية التجربة وبكل ما تحمله من تفاصيل قد تغيب عن عين الكاتب المبصر في حياة الشخص الأعمى أو الكفيف. فبقدر ما تعتمد الكتابة الأدبية على الخيال لكنّها تحتاج إلى اقتراب من الواقع كي ينجح الكاتب في صنعته الأدبية وإيصال الرسالة التي يريد توصيلها إلى القارئ، على اعتبار أن أي عمل أدبي هو رسالة.
لقد تناولتُ فكرة العمى في روايتي (ثلاثية البيرق)، فمن ضمن الشخصيات كانت شخصية (ناصر) الذي أصيب بالعمى في سن الخامسة تقريبا، بسبب إصابته بالرمد، ولعدم توفّر العلاج في تلك الأيام، سقط نور عينيه. لقد كانت شخصية ناصر من أصعب الشخصيات في الرواية، فلم يكن من السهل أبدا الغوص في أعماق هذه الشخصية وكتابتها. وقد تطلّب الأمر منّى الكثير من البحث وسؤال بعض الأصدقاء فاقدي البصر. أذكر أني كنت أغمض عيني طويلا في محاولة اكتشاف كيف هي الحياة في العتمة. ومحاولة معرفة كيف يتحرّك الأعمى في الفراغ المظلم، وكيف ينظر لذلك الفراغ بعين مفتوحة لكنها غير مبصرة. ولكن حتى هذه المحاولة لم تكن كافية لفهم العمى بشكل تام، خصوصا أن تكون كاتبا مبصرا، إنه أمر به نوع من التحدي والمخاطرة. وعلى الكاتب أن يبحث طويلا، ويقترب من أشخاص مصابين بالعمى كي تكون له القدرة، ويكون له التمكّن في تناول هذا الموضوع. ولعل ذلك ما لمسته كقارئة في رواية (ملمس الضوء) للكاتبة الإماراتية نادية النجّار، الصادرة من منشورات المتوسط والتي أتت في 248 صفحة، والتي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية البوكر لعام 2025.
بطلة رواية (ملمس الضوء) فتاة ثلاثينية اسمها نورة، مصابة بنوع من العمى يسمّى (فقد البصر الوراثي)، والذي ورثته من جدة جدّها البعيدة ماري حنّا، اللبنانية الأصل، والتي كما ورثت عمى عينيها ورثت أيضا جمالها وحبّها للكتابة أو تسجيل اليوميات. تعيش نورة في بيت جدّها معتمدة على العاملة الفلبينية إيفيلين، الأقرب إليها من الجميع، بل تكاد تكون عينها التي تبصر بها. لقد ولدت نورة لأبوين أقارب في النسب، انفصلا بعد ولادتها؛ لأن الأطباء أخبراهما أن نسبة الإصابة للأبناء الآخرين محتملة وكبيرة. ومن خلال أحداث الرواية نكتشف العزلة التي كانت نورة تعيشها قبل تواصل ابن عمّها سيف معها، بهدف الحصول على الصور من الجد لمعرفة تاريخ العائلة. وسنعرف من خلال سير الأحداث أن سيف يكنّ لنورة عاطفة ملتبسة لا يميز القارئ صدقها من عدمه، فهو مصاب بالبهاق وقد لا تقبل به فتاة أخرى غير نورة التي لا ترى مرضه الجلدي ولا تعرف عنه. وفوق ذلك نورة جميلة رغم عمى عينيها، لكننا نستطيع أيضا اكتشاف عاطفة نورة الصادقة تجاهه كما كتبت في يومياتها «دون الجميع بقي صوتك في ذاكرتي هدير بحر، ورائحتك فاكهة الهمبا». كذلك ارتباط نورة الوثيق بجدّها سالم، (أبويه سالم) كما تناديه، والذي هو العين المبصرة الأخرى لها. تربط نوره حضوره في ذاكرتها برائحة العطر والسجائر، والجد سالم هو الراوي العليم أو الصوت الثاني في الرواية بعد صوت نورة، وذلك بما يحدّثها عنه من خلال الصور التي كانت بحوزته والتي هي أشبه بميراث يحتفظ به يخص تاريخ العائلة من أبيه (عليّ) الذي كان يعشق التصوير في زمن ندرت فيه الكاميرات أو (العكّاسات). وحصلت نورة على تلك الصور أو قامت بتصويرها بطلب من ابن عمّها سيف الذي يهوى التصوير أيضا، بعد أن قام بتعريفها ببرنامج إلكتروني قارئ للصور، يخدم فاقدي البصر اسمه ( seeing Ai).
وكما نلاحظ أن شخصية الجدّ الذي كان ضابطا عسكريا ومع ما تتطلبه شخصية الرجل العسكري من انضباط وشدة حزم، لكنه كان الأحنّ على نورة والأقرب إليها من أمّها وأبيها. وربما كسره موت ابنه سعيد الذي مات بجرعة مخدرات زائدة، وكذلك موت زوجته، الجدة التي كانت تتعلّم منها نورة الطبخ، والتي ترتبط في ذهنها وذاكرتها برائحة الخبيصة بالزعفران. في المقابل لم تكن تجمع نورة بأمها علاقة قوية كابنة وحيدة لها، بل يتّضح أن هناك انفصالا عاطفيا بين الأم وابنتها، كما يوجد جفاء من قبل الأم حتى في معاملتها لوالديها، وربما يعود ذلك لشعورها بالألم بسبب الطلاق وأنّ نورة هي السبب فيما آلت إليه حياتها. وكذلك رفض والدها تزويجها من زميل لها كان يرغب بالزواج منها، ولعل ذلك صدم القارئ بعض الشيء، إذ خرجت الكاتبة عن الإطار النمطي لصورة الأم الحنونة الحريصة على مشاعر أبنائها. فهذه الأم نموذج آخر من نماذج كثيرة بحكم الظروف التي مرّت بها، وذلك ما يحسب للكاتبة في هذه الرواية.
نلاحظ أيضا أن علاقة نورة -بطلة الرواية- بأبيها علاقة هشة بلا عمق ولا عاطفة واضحة، بل كل ما يقوم به الواجب لا أكثر في حياتها، وقليل ما كانت تلتقي به، وقد خلق ذلك شرخا في قلبها، حتى وهي تذكر رائحة العود التي تذكّرها به «تغمرني رائحة دهن العود حالما يضمّني، فتزيح الروائح الأخرى كلها». لقد كان الأب مشغولا بأبنائه الأصحّاء من زوجته الجديدة، يسافر معهم، ويمنحهم حبّه واهتمامه.
هناك صوت ثالث في هذه الرواية ولعله الصوت الأهمّ والذي احتلّ صوّته أكثر صفحات الرواية، الجد عليّ، الذي فقد أباه، ومن ثم أخاه (عبّود) الذي كان يعاني من إعاقة، ومات مختنقا بالدخان حين اشتعلت النيران في الحيّ. وقد كان شعور علّي بالذنب كبيرا؛ لأنه ترسّخ في نفسه أنه كان سببا لموته حين أمره أن يلزم البيت ولا يخرج منه. وقد ظلّت عبارة «عبّود يحب عليّ» تطرق ذاكرته كمطرقة تؤلم وتوجع، وذكرى عبّود تطارده كذنب لا يغادره، حتى قرر الهرب من دبي والسفر إلى البحرين باحثا عن نفسه ورزقه، لأنها كانت الأفضل حالا ومعيشة من بين دول الخليج في تلك الفترة كما الكويت والعراق. وهناك عَمل في شركة بابكو، ثم انتقل إلى العمل مع التاجر البحريني ناصر، وقد أحب عليّ ابنته فاطمة وأحبته هي أيضا، لكن أباها زوّجها من ابن عمّها، فسافر عليّ إلى العراق بحثا عن نفسه المشتتة، وهربا من ألم عشقه الذي لم يكتمل، وحين عاد من العراق وجد فاطمة قد تطلقت من ابن عمها فتزوّج منها. وخلال وجود عليّ في البحرين تعرّف على جوزيف أو يوسف المصّور الأجنبي، الذي تعلّم منه التصوير، فاشترى (عكّاسة) خاصة به، كان يلتقط بها الصور ويحتفظ بها. وقد كان البعض يتندّر عليه بلقب (العكّاس). ومن خلال تلك الصور التي كان يحتفظ بها الجد سالم من أبيه عليّ، تنثال الحكايات كما يقرأها القارئ الإلكتروني لفاقدي البصر، فينكشف لنا التاريخ الاجتماعي والسياسي لمنطقة الخليج في فترة العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي «وحدها الصور تشهد على تغيّرنا وسطوة الزمن علينا.. وتذكّر جيدا أن اللحظات التي تصوّرها لن تعود أبدا».
وقد وظّفت الكاتبة نادية النجّار وصف تلك الصور بقراءة التطبيق الإلكتروني لها، لتكون عناوين لفصول الرواية وأحداث الحكاية، ليتشابك خيط الحاضر بخيط الماضي في سرد جميل مشوّق، حيث يتراوح القارئ بين زمنين بسلاسة ويسر، إلى درجة أستطيع القول إنّه من الممكن أن تصنّف هذه الرواية كراوية تاريخية، تم الاشتغال عليها بذكاء، وبلغة شاعرية جميلة مناسبة لكل شخصية من الشخصيات، كما يتضّح ذلك حتى في صيغة الرسائل المتبادلة بين عليّ وأمه التي تزوجت بعد سفره وأنجبت بنتا من زوجها الجديد. لقد اهتمت الكاتبة حتى بتفاصيل اللغة لتكون مناسبة للمرحلة الزمنية ولثقافةِ الشخصيّات، كما اهتمت بكل التفاصيل المكانية والزمانية التي جعلت القارئ يعيش الحدث كما يعيشه أبطال الرواية، كما راوحت بين الماضي والحاضر بتقنية ذكية، ورغم تعدد الأصوات في الرواية (نورة، الجد سالم، الجدّ علي، والجدّة ماري) لكن ذلك لم يكن مربكا، بل سلسا ومترابطا لوجود خيط حكائي يربط بين الأحداث والشخصيات جميعها دون أن يفرط هذا الخيط من يد القارئ أو السارد.
وكما أخذتنا هذه الرواية إلى اكتشاف التاريخ الاجتماعي والسياسي لدول الخليج في تلك الفترة الزمنية إبان الحرب العالمية الأولى، كشفت لنا أيضا دور التكنولوجيا الحديثة في إخراج الكفيف أو الأعمى من عزلته، فبفضل جهاز الهاتف (الآيفون) تفتح العوالم الافتراضية والواقعية أبوابها لنورة بطلة الرواية، فهي تطّلع على أخبار العالم والمستجدّات فيه، وتقرأ الكتب من خلال سماعها للكتب الصوتية، والقراءة بلغة برايل، وكذلك هناك برنامج اسمه كن عيني «be my eyes» يتّصل الكفيف من خلاله لطلب المساعدة، فيأتيه الرد من أحد المتطوعين، فيساعده على اختيار بعض الأشياء مثل ألوان ملابسه أو بعض المنتجات حينما يذهب إلى السوق. في هذه الرواية نكتشف أن الأعمى لا يعيش في عزلة كما كنا نظن، وأن العمى ليس سببا للعزلة والبعد، بل بالعكس تماما فالأعمى بفضل التقنيات التكنولوجية الحديثة هناك أعين كثيرة تبصر معه الدرب وتنير له عتمة الحياة، وربما وهناك برامج أخرى خصصت لأجل المكفوفين وأصبحت خير معين لهم في حياتهم.
****
تبدأ الرواية بعبارة ذكية جدا «أفتح عيني...» وكأي فتاة مبصرة تخبرنا عن التاريخ واليوم والوقت على شاشة الهاتف، وربما لن نستطيع اكتشاف أنها فتاة عمياء لولا استرسالنا في القراءة، وكما لفتت الكلمة الأولى في الرواية انتباهي، كان العنوان ذكيّا وعميقا وشادّا بل أول ما يستوقف القارئ. فكيف تلمس شيئا لا تملكه، والضوء خارج نطاق التملّك، وخارج نطاق اللمس؟! إنّه الباب الذي يجعلك تدخل منه ولا تخرج، والنافذة التي يتسرّب منها الضوء حتى يغمرك وينير كافّة حواسك «في أعماقي ضوء هادئ أريده بشدة، الواقع أنني لا أعرف ما الضوء بالتحديد، لكني كنت أدرك أنه شيء جميل، في تلك اللحظة شعرت أنّ أبي قد يكون الضوء». كما جاء على لسان نورة بطلة الرواية.
وكما أتى في يوميات ماري حنا، حين سألت أختها عن شكل الضوء، وهما في مغارة يتسرب من ثقوب سقفها النور في شكل حبال ممتدة، فأجابت الأخت بأنها لا تعرف كيف تصفه، فالضوء لا يمكن لمسه حتى يمكن وصفه، لكنه ينير المكان، ففهمت ماري الضوءَ على طريقتها ولمسته بأسلوبها «اكتشفت أخيرا الضوء، وإن كان مختلفا عما تراه، ربما شيء يخصّنا، تصوّرته شيئا يأخذ بيدي، يرشدني، يدلّني على الطريق، هذا هو ضوؤنا نحن.. نحن العميان».
****
لقد اشتغلت الروائية نادية النجّار في رواية ملمس الضوء، بذكاء عميق وبلغة ذكيّة وأسلوب جاذب مشبّع بالعاطفة والإحساس العميق بالآخر، رواية تقرأها بحاسة (الصوت، الرائحة، المذاق، اللمس، والبصر أيضا). في هذه الرواية تصبح كل حواسك حاضرة، ليس لتتبّع الحبكة، بل لأنك تجد نفسك أحد أبطالها، تعيش تفاصيل المكان حاضرا وماضيا، تتبع الحدث وتعيشه. رواية كتبت بعمق وشفافية عذبة، وكأن كلماتها وحروفها نُقشت على صفحة قلب قارئها، إلى درجة اقتراب القارئ من (نورة) بطلة ملمس الضوء ليعيش مشاعرها وتفاصيل حياتها الدقيقة يوما بيوم ولحظة بلحظة، دون أن يعتريه شعور بالشفقة عليها كونها عمياء، وتلك هي المفارقة الجميلة في هذه الرواية التي لم تنقل لنا العمى كحالة مرضية أو حالة عجز، بل لمسنا قوة شخصية بطلة الرواية وهي تشق طريقها رغم كل التحدّيات التي واجهتها، حتى اعترانا شعور بالشفقة على أنفسنا أمام عمانا غير المعلن تجاه كثير من الأشياء المغمورة بالضوء الساطع ولا نراها، شعرنا بالشفقة على أنفسنا أن نَرى ولا نُرى، ونحن الراكضون نحو الضوء حتى نكون مرئيين، بينما كانت نورة تُرى ولا تَرى، فأي قوة هذه وأي جمال! . لقد استطاعت الكاتبة في هذه الرواية أن تجعلنا نكتشف أنّ العمى نافذة أخرى للضوء، ونتأكّد أنّ الضوء الحقيقي هو انعكاس ما في داخلنا، وأنّه بالإمكان لمسه ومعرفته بكل الحواس متى كان مصدره من الداخل.
شريفة التوبي روائية عمانية