خالد عثمان -
«كل الأشياء قيلت، ولم يعد هناك ما يقال»
بورخيس
تقديم:
تشكل رواية (لا يُذكرون في مجاز) للكاتبة هدى حمد (دار الآداب، 2022) نموذجًا إشكاليًا لما يمكن تسميته بـ«الغرائبية المفتعلة»، ويتجلى هذا المفهوم في الرواية حين نرى أن النص يتوسل أدوات العجائبي والسحري والميتافيزيقي، لكنه لا ينخرط فيها بوصفها جزءًا من البنية العميقة للحكاية، بل كطبقات زخرفية تفتقر إلى التأصيل البنيوي والتكامل الدلالي.
تُظهر الرواية انتمائها إلى تقاليد الحكاية العجائبية، لكنها في الحقيقة تتكئ على مجموعة من العكاكيز في خطابها الغرائبي، لا تلبث أن تنهار تحت وطأة التحليل النقدي، وتكشف عن انفصام بنيوي في العلاقة بين اللغة والزمن والشخصيات وثقافة المتن الحكائي.
تتكئ الرواية على خطاب يتداخل فيه الزمن والحلم واللاوعي مع الواقع الشعبي والأسطوري. وتستدعي أدوات التخييل والموروثات المحلية لتشكّل عالمًا يتراوح بين الواقعي والرمزي، وهي تجهد في صياغة أفق سردي يتمفصل فيه المكان العماني (قرية مجاز) مع تخييل يمتد إلى ما قبل الميلاد. غير أن هذا الانغماس في الغرائبي يطرح إشكالات فنية وزمانية ولغوية تكشف عن ثغرات بنيوية في النسيج الروائي.
تعتمد الرواية على بنية تتأرجح بين مستويين: الأول واقعي، يتمثل في وضع الحفيدة/الراوية في المستشفى وهي في غيبوبة تحت تأثير المخدر، والثاني متخيل، يتمثل في فضاء قرية مجاز حيث تعيش الراوية مع سلسلة الجدات، وتحديدًا الجدة الثالثة والثمانين، بثنة الثائبة، التي تفتح أمامها كتابًا يضم مرويات (الضحاك) عن (المنسيين).
هذه التقنية، التي يفترض أن تفتح مجالًا رحبًا للتخييل، سرعان ما تكشف عن عطب داخلي، إذ تتحول من أداة جمالية إلى قاطع يعطل حركة النص ويُفقده تماسكه.
والإشكالية الأخرى تتمثل في أن الغرائبية لا تنبثق كقوة داخلية متماسكة قادرة على توليد المعنى وتكثيفه، بقدر ما تتبدّى كآليات متفرقة أو ما يمكن وصفه بـ«عكاكيز» يعتمد عليها السرد لتوليد الإيهام بالعجائبي، لكنها تكشف عن فراغ بنيوي وتوتر أسلوبي.
سوف نتناول في هذه القراءة بعض هذه العكاكيز لنحاورها، مع إبقاء الكثير منها للمتلقي ليكتشفه بنفسه، كاستراتيجية تحليلية لكشف اختلال البناء الروائي وتعثره أمام متطلبات السرد الواقعي أو الغرائبي المبرر.
من خلال قراءة متن الرواية، يظهر أن غرائبية النص لم تُوظَّف بمستوى نقدي أو معقول، وإنما أصبحت وسيلة لتغطية فراغات وخلق تأثير سطحي يبدو مبالغًا فيه وغير مقنع، ما يجعل الرواية نموذجًا لتجاوز الغرائبية حدودها الطبيعية إلى حد الإملاء على النص بما لا يلزم.
يؤكد تزفيتان تودوروف أن: «العجائبي يفترض اندماجا بين القارئ وعالم الشخصيات؛ إنه يتحدد بالإدراك الغامض الذي لدى القارئ نفسه للأحداث المحكية».
الافتتاحية الكلشيهية:
الافتتاحية السردية لرواية «لا يذكرون في مجاز» تكشف منذ الصفحات الأولى عن مأزق جمالي وسردي يمكن توصيفه بـ «كليشيهات الافتعال»، أي ذلك الانغماس في المبالغة الأسلوبية والإيغال في التراكيب الغرائبية، دون أن يستند النص إلى بساطة الدهشة أو إلى المفارقة الجمالية التي تميز الأدب الحديث. وإذا كان كافكا قد صاغ افتتاحية «المسخ» بجملة واحدة صادمة وبالغة الاقتصاد: «استيقظ غريغور سامسا ذات صباح بعد أحلام مزعجة، فوجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة»، فإن قوة هذه الجملة تكمن في أنها تقدم حدثًا فادحًا بلغة عادية وسهلة، مما يخلق التوتر بين بساطة القول ورعب المضمون. على العكس، نجد أن افتتاحية «لا يذكرون في مجاز» تتكئ على التضخيم الاستعاري الذي يثقل المعنى ويعطل الأثر.
يبدأ النص بمشهد داخلي مثقل بالصور المتراكمة: «رأسي مفتوح من منتصفه، فلقتاه مرتخيتان ومتباعدتان وتكشفان عن تلافيف دماغي الذي يختلج بنبض ضئيل، يظهر دماغي بوضوح في انعكاس مرآة كبيرة أمامي». هنا يتضح نزوع الخطاب إلى اصطناع الغرائبية من خلال مجازية متضخمة تتجاوز منطق الصورة إلى الإغراب الاعتباطي. المشهد لا يثير الدهشة بقدر ما يبعث على الإحساس بالتكلف، إذ لا يتأسس على منطق سردي أو سياق واقعي/متخيل، بل على حشد صور فجائية متلاحقة.
يتضاعف هذا الافتعال مع إدخال عناصر مرعبة لإضفاء شيء من الهلع بصورة مباشرة: «تخرج الرمة (الأرضة) الضئيلة لتشرب من سوائل دماغي ودمائه. يملأني الرعب الذي يصبح مضاعفا عندما لا أتمكن من تحريك جسدي». لا تنبع الغرائبية هنا من لعبة التخييل، بل من استدعاء كليشيه الرعب البيولوجي الذي يحاكي مشاهد أفلام الرعب المستهلكة أكثر مما يؤسس لعالم روائي متماسك. القارئ يواجه صورة حسية مباشرة، لكنها منزوعة العمق التأويلي، على خلاف ما يفعله الأدب الحديث حين يترك مساحة للتأويل.
كذلك، تستمر الجمل في نحت صور متنافرة: «يداي ميتتان، وقدماي كذلك، عمودي الفقري ذائب في السرير». هذا التكرار يوحي بغياب النسق الأسلوبي، حيث تتحول الجملة إلى استعراض للتشويه الجسدي دون أن يتولد عن ذلك سؤال جوهري أو مأزق فلسفي. فنرى أن الرواية تنشغل بإغراق القارئ في مستويات من الاستعارات البيولوجية المتراكمة، وكأن النص يطارد الأثر عبر الزيادة اللفظية لا عبر قوة البنية.
بالإمكان قراءة هذا الافتتاح بوصفه إعلانا مبكرا عن مأزق الرواية في الإفراط الأسلوبي؛ فالصور الغرائبية لا تأتي كجزء من خطاب سردي متماسك، بل كزينة لغوية تُكرر أنماطا شائعة في الممارسة السردية الراهنة: الجسد المفكك، المرايا، الرؤى الكابوسية. غير أن هذه العناصر، حين تُكدّس دون وعي جمالي، تتحول إلى محاكاة سطحية لأدب الغرابة الغربي، دون أن تمتلك القدرة على إعادة ابتكارها في سياق محلي أو فني.
بالمحصلة، تكشف افتتاحية «لا يذكرون في مجاز» عن تأزم العلاقة بين الرغبة في كتابة غرائبية والقدرة على توليد بساطة الصدمة. فاللغة المتورمة والخيال المفرط لا يمنحان النص قوة، بل يفضحان افتقاده إلى المفارقة الجوهرية، حيث تأتي المفاجأة في أبسط صورة، لا في أكثرها اصطناعًا.
إننا هنا لا ننكر قيمة اللغة المجازية في الأدب، لكنها تفقد معناها حين تتحول إلى غاية في ذاتها. اللغة في الافتتاحية أشبه بمرآة تعكس نفسها فقط، فلا نرى خلفها شيئًا. بينما اللغة الروائية الحقيقية هي تلك التي تفتح أفقًا، تكشف عن عالم، تضعنا أمام مشهد أو حدث. بهذا المعنى، يمكن القول إن افتتاحية «لا يُذكرون في مجاز» تمثل انتصار اللغة على السرد، لكنه انتصار وهمي، إذ تسبب في تعثر النص في أولى عتبات الرواية.
قد يعتقد بعض القراء أن هذا الغموض الافتتاحي يوحي بالعمق السردي، لكن الحقيقة أن العمق في الرواية لا يتحقق عبر الغموض المفتعل، بل عبر التفاصيل المحسوسة التي تمنح النص حياة. العمق يولد حين نرى شخصية تواجه حدثًا غير متوقع، أو حين يضع النص القارئ أمام سؤال وجودي نابع من المعيش. أما الغموض الأسلوبي، فغالبًا ما يخفي فراغًا سرديًا.
كتاب الجدة بثنة الثائبة:
يتخذ كتاب الجدة بثنة الثائبة موقعًا محوريًا في البناء السردي، إذ يظهر في المقطع الأول من الرواية (ص37) كأثر غامض تنتقل ملكيته عبر سلالة نسائية، حيث تقول الجدة: «جدتك بثنة الثائبة من مئات مئات السنين، تركت هذا الكتاب لأجل حفيدة مختارة»، ثم تؤكد أن: «حفيدات بثنة الثائبة، إما ممررات للكتاب جيلا بعد جيل، وإما قارئات، ولا تظهر إلا قارئة واحدة كل مائة عام». النص يبني هنا أسطورة متماسكة على السطح، لكنه في العمق يقوم على خطاب مترنّح، إذ نجد أزمنة متناقضة وتهويلات غير قابلة للتصديق. فإذا كان الأصل يعود إلى «مئات مئات السنين»، فما معنى الحديث لاحقًا عن «كل مائة عام قارئة واحدة»؟ وكيف يستقيم أن يظل نص مكتوبا بلغة بائدة يتوارث عبر الأجيال دون أن يندثر أو يتآكل؟
الخطاب الروائي يناقض ذاته في موضع آخر (ص40) حين يقرر: «جدتك بثنة الثائبة، دخلت مجاز قبل آلاف السنين، وكتبت عن حكايات الناس، وظل هذا الكتاب يُمرر من أم إلى ابنة إلى حفيدة منذ ذلك الوقت وبتلك اللغة». التحول من «مئات مئات السنين» إلى «آلاف السنين» لا يبدو مجرد زلة تعبيرية، بل علامة على هشاشة المنظور السردي ونزوعه إلى التضخيم الاعتباطي.
فهذا ما يوضح مدى التناقض في النص بين الطابع الغرائبي المعلن وبين أي استقرار سردي أو تاريخي يمكن قبوله.
ويبلغ الارتجال ذروته في مشهد الأرنب المشوي وطقوس القراءة.
«خرجت الجدة ... عادت وعاونتني على الخروج... أجلستني فوق جذع نخلة هرم... وبدأت تشوي أرنبًا بريًا مُعلقًا في سهم يشق صدره... وبعد أن نهشنا الأرنب البري وتعالت ألسنة النار بيننا، وضعت الجدة الكتاب مجددًا بين يدي... وكنت غير مصدقة أني سأتمكن من قراءة الكلمات. لكن هذا ما حصل: صارت الكلمات الميكروسكوبية مألوفة بالنسبة لي، ومن شدة الدهشة اندفعت في نوبة من الضحك والبكاء المتواصل...» (ص41–42)
هذا المشهد أقرب إلى حفلة كاريكاتورية للسحر البدائي منه إلى بناء سردي متماسك: الأرنب البري المشوي بجوار نار، جدة غامضة تبتسم، كتاب يفتح نفسه، كلمات ميكروسكوبية تصبح فجأة مقروءة، بطلة تضحك وتبكي في هستيريا. نحن هنا أمام طقس مسرحي استعراضي لا يختلف عن مشاهد السحر في سلسلة هاري بوتر حين يجتمع الطلبة حول نار ويستدعون «الكتاب السحري». الفارق الوحيد أن هاري بوتر يقدم هذه المشاهد بوعي أنها «فانتازيا» ترفيهية، بينما هنا يتم تقديمها كـ«مخطوطة عمانية» أصيلة!
ثم يضيف النص مفاجأة أخرى عن التوقيع الغرائبي للجدة الأولى في أسفل الرسالة: «ربما آن الأوان لتنظري لما تركته جدتك الثالثة والثمانون من أجلك»، التوقيع: جدتك الأولى» (ص22)، قبل أن تكرر الجدة نفسها لاحقًا: «جدتك بثنة الثائبة من مئات السنين، تركت هذا الكتاب لأجل حفيدة مختارة...» (ص37)، ثم توسع الفكرة لاحقًا: «جدتك بثنة الثائبة دخلت مجاز قبل آلاف السنين وكتبت عن حكايات الناس، وظل هذا الكتاب يمرر من أم إلى ابنة إلى حفيدة منذ ذلك الوقت وبتلك اللغة...» (ص40)
وهنا تثار تساؤلات منطقية تكشف عن هشاشة البناء: متى كتب هذا الكتاب بالفعل؟ هل قبل مئات أم آلاف السنين؟ وكيف استطاع هذا الكتاب البقاء محفوظًا كل هذه المدة دون أن تتأثر أوراقه أو غلافه بعوامل التحلل والاندثار في بيئات بائدة مهلكة؟ هذه الثغرات تضع النص في مواجهة جدية مع القارئ، وتكشف مدى التناقض بين الطرح الغرائبي وبين أي منطق سردي أو تاريخي يمكن قبوله.
وحينما يلج القارئ إلى «كتاب الجدة بثنة الثائبة»، سيصاب بخيبة أمل كبيرة؛ فالبناء الخارجي للكتاب نفسه يثير الحيرة، إذ تتولى الجدة الثالثة والثمانون للحفيدة الراوية قراءة النص البائد، ليكتشف القارئ أن عناوين كتاب الجدة غرائبية إلى حد بعيد، وكأنها تنتمي إلى عالم ما بعد الحداثة، رغم أن النص يزعم أنها كُتبت منذ آلاف أو مئات السنين في قرية مجاز العُمانية.
تظهر تلك العناوين بطابع النصوص المعاصرة، مثل عناوين تتحدث عن الأعين الجافلة وزئبق النمل الأحمر وآكلات النذور والموت الذي يكلم الرمة، وهي أمثلة تجعل القارئ يتساءل:
كيف يمكن لعناوين بهذا الطابع المعاصر والحداثي أن تكون قد كُتبت منذ آلاف أو مئات السنين قبل الميلاد، في قرية بعيدة وبدائية كمجاز في عُمان؟
عند التمعّن فيما يُسمّى بالتناصّات في كتاب الجدة لبثنة الثائبة، سرعان ما يتضح أنها استدعاءات سطحية، مبتورة، لا تُنتج أي قيمة جمالية أو معرفية مستقلة، بل تضع النص في موقع التابع المترهّل لنصوص كبرى في الأدب العالمي والعربي. وهذا على سبيل المثال لا الحصر:
في فصل «الأعين الجافلة وقصص الضحاك» (ص43)، نقرأ: «الضحاك مثل دلشاد يضحك بلا سبب كثيرًا... ص48»، و«خرجت في فجر اليوم التالي باكرًا واتجهت إلى حيث يقطن الضحاك كما وصفه الإصبع السبابة لكل من سألت هناك حيث يكركر طوال الليل والنهار.»
تبدو هذه المقاطع استدعاءً مباشرًا لمناخات نصوص أخرى دون إعادة إنتاج فني يبرر حضورها.
وفي «زئبق النمل الأحمر» (ص92)، تذكرنا الجدة الثالثة والثمانون بقصة النمل في نهاية رواية (مائة عام من العزلة) لماركيز، حين نقرأ: «كان كلما أكمل ولد من أولاد شماس عمر الرابعة، تأتيه الحمى... إنَّ نملاً أحمر يحيط بأجسادهم... وكلما أبعدت شماس فوجًا من النمل... خرج فوج آخر من حيث لا تعلم». إنها صورة منسوخة في جوهرها، بلا اجتراح لرؤية جديدة أو معالجة مختلفة.
أما في «الدميم وقمل بائعة الأعشاب» (ص129)، فنجد تذكيرًا برواية (فسوق) للكاتب السعودي عبده خال، في مشهد اللوح المنبوش الذي يروي قصة حب وموت وتشبث بالجسد بعد الفناء، حيث نقرأ: « ولكن ما إن اقترب الشاغي من القبر المنبوش ليسويه حتى أضاء اللوح مجددًا، فقرر أن يجلس وأن يحاول دون كلل هذه المرة. استغرق منه الأمر أيامًا وليالي طويلة إلى أن تمكن من قراءة اللوح قراءة سليمة. يحكي اللوح قصة رجل وامرأة أحبا بعضهما بعضا، وتعاهدا على الحب في الحياة والموت، وعندما ماتت الحبيبة قبل الحبيب انتشلها المحب من قبرها وعاش معها إلى أن تلاشت، ثم عاش برفقة هيكلها العظمي...»
النص هنا يعيد تشكيل الفكرة نفسها في ثوب غرائبي دون إضافة بعد سردي مستقل.
وفي «الموت يكلم الرمة» (ص183)، نجد صدىً واضحًا لرواية (انقطاعات الموت) لساراماغو، في قول الراوية: «الموت يمسك يدي اليمنى، وباليد اليسرى الأخرى يمسك صفيراء من مرفقها...»، وهو تناصّ أقرب إلى الاقتباس المباشر منه إلى الحوار الإبداعي.
أما في «ألماس يلعق دماء جسده» (ص188)، فإن مشهد موت ألماس يستدعي بوضوح موت النبي سليمان عليه السلام، كما في قوله: «بقي جالسًا على كرسيه المعتاد، متكئًا على عصاه الثخينة، ولم يقربه أحد لأيام...»، مما يجعل المشهد محاكاة دينية-رمزية لفكرة مستهلكة أكثر من كونه توظيفًا جديدًا.
من هنا يمكن القول إن كتاب الجدة بثنة الثائبة لا يقدم شبكة تناصية إبداعية، بل يُعيد إنتاج صور مستهلكة من نصوص أخرى، فيحوّلها إلى كليشيهات غرائبية بلا وظيفة سردية. فما يُسمّى «تناصًا» هنا ليس سوى تقليد / نسخ مباشر فاقد للروح، يُحوّل النص إلى مومياء ورقية مشدودة بخيوط أدب عالمي وعربي لم يستطع أن يوازيه، بل اكتفى بالاتكاء عليه.
ويكشف كتاب الجدة بثنة، من خلال ما يتضمّنه من حوارات ومشاهد غرائبية كـ«الرمة» و«الانفتاح الدموي للرأس»، عن بنية سردية هشّة، محدودة القيمة المعرفية والتاريخية. فالميل الغالب فيه ينحصر في إحداث الدهشة عبر صور غرائبية ومؤثرات استعراضية، في حين أن العجائبي – وفق ما يحدده تزفيتان تودوروف في مدخل إلى الأدب العجائبي – يقوم على لحظة التردد بين التفسير الطبيعي والفوق طبيعي، وهي المسافة التي لا ينجح النص في إقامتها على نحو مقنع.
الجيوسردية:
ترتكز الجيوسردية على التفاعل الحيوي بين النص والمكان والزمان، بحيث تتحول الجغرافيا والحقبة التاريخية إلى عناصر فاعلة تُعيد تشكيل الأحداث والشخصيات. غير أنّ رواية (لا يُذكرون في مجاز) تُظهر ضعفًا في هذا الجانب، إذ يبدو المكان فيها خلفية محايدة أكثر من كونه نصًا موازيا. فالقرية، البحر، المقبرة، والبيوت الطينية تحضر بصفتها أوصافًا بصرية فقط، دون أن تدخل في عمق السرد أو تكشف عن أثرها في مصائر الشخصيات.
حين يرد مثلًا: «مجاز قرية مهجورة متخلفة، لا يسمع فيها غير صدى الريح»، أو في الموضع الآخر: «لقد وضعوا ديكةً وشياها وبيضا وجرار عسل، لكن قرابينهم أخذت تختفي مرَّةً بعد مرة»، أو «الناس منذ أجداد أجدادهم يسمعون صوت تدفق الماء في العين المطمورة، ولكنهم لا يرونها ولا يرون الماء»، أو كما في المقتطف المدمج: «لأشهر ولسنوات ظلت الرمة تقوض بأسنانها القوية أعمدة الحصن الراسخة حتى تهاوت وسقطت، وما إن سقط الحصن على كل من فيه، مطلقا سحابة الغبار الهائلة»، فإن النص يكتفي بوصف المكان الخارجي وتحركات الشخصيات دون أن يمنحه دورًا نشطًا في سرد الأحداث. يغدو المكان أقرب إلى ديكور مسرحي ثابت خلف الممثلين، لا يغير أفعالهم ولا يؤثر في حركتهم، رغم أن السرد يوحي أحيانًا بوجود حركة وعنف داخلي متخيل.
هذا الضعف في تفعيل المكان يتضح عند دمج الأحداث: «العشب في لسانها لثغة. تقول الحكايات إنها عندما كانت صغيرة خرجت بها أمها إلى المطر، وسقط المطر على فمها الصغير، ودخلت عدة قطرات إلى حلقها ثم إلى جوفها فأصابتها بلثغة لا تُخطئها أذن»، أو «جلست العشب قريبة منهم، وسمعت أحلامهم ورغباتهم الطيبة والشريرة، اليائسة والمفرطة في أملها»، وكذلك: «ألماس يلعق دماء جسده»، حيث تُوصف ولادة ألماس وسط أمطار شتوية تغرق القرية، والمياه مختلطة بالدماء. رغم هذه المشاهد الغرائبية فائقة التوتر، يبقى المكان كخلفية مسرحية دون أن يتدخل فعليًا في مصائر الشخصيات: «أخذن صباح اليوم التالي إلى جبل الغائب، وعندما سئلن عما يرغبن بأخذه معهن، لم يكن بحوزتهن شيء يذكر، كن سعيدات لأنهن سيذهبن لمكان لا جوع فيه ولا عطش ولا شهوة»، أو «لقد تأخر حملها ولم تتوقع أن تحمل بعد أن تجاوزت المئة عام، ولكن زوجها الذي لم تخمد للحظة قوته في الفراش، استطاع أخيرًا أن يهبها حيوانه الأخير قبل أن يذهب لمصير غامض». البيئة الطبيعية تُستغل فقط لخلق مشهد مثير، دون أن تتفاعل مع السرد أو تفرض تأثيرًا حقيقيًا على الأحداث.
وإذا كان المكان قد ظهر بضعف، فإننا نرى الزمن كذلك لم يُفعل سرديًا على النحو المتوقع. نجد في الرواية تداخلًا بين زمن قرية «مجاز» المتخلفة، وزمن «كتاب بثنة الثائبة» الذي يقال إنه مكتوب في القرن الرابع قبل الميلاد، وزمن الساردة/الحفيدة المختارة الذي ينتمي إلى وعي معاصر. هذه الأزمنة لا تنصهر في حبكة متماسكة، بل تبقى متجاورة بصورة مرتجلة. تقول الرواية: «كتبت بثنة الثائبة وصاياها في مجاز قبل قرون، وها هي الحفيدة المختارة تعيد سردها»، أو في المقطع الآخر: «ثم غاصت البنت الكبرى ولم تخرج أبدا من العين، ولم تطف مجددا»، أو «العشب بات لزاما عليها تحمل عبء إطعامهنَّ وكسوتهن»، وكذلك ما ورد في المقتطف: «حين انتهت من قطف كل الفطر، كان ألماس يقف أمامها، بينما يتدفق وجهه بالحيوية وجسده ما يزال قويا كفتى يافع». الماضي والحاضر لا يتركان أثرًا فعليًا في الأحداث، بل يبقيان إطارًا لتسلسل متقطع من الوقائع الخيالية، كما لو أن الزمن أصبح سلعة رمزية لا تؤثر على مصائر الشخصيات.
هذا الانفصال يتضح في لغة الشخصيات، إذ تنطق بلغة لا تمت بصلة إلى جغرافية القرية أو زمنها. بينما يفترض أن أهل «مجاز» يتحدثون بلهجة محلية بسيطة، نجدهم يقولون: «الذاكرة نص، والكتابة ضد المحو، وكل ما تبقى مجرد هوامش للغياب»، أو في المقطع الآخر: «قال ألماس: لقد أكلن برفقتك، وهن آثمات أيضًا وعليهنَّ أن يُقررن بذلك»، أو «قال ألماس: إنَّه يفسد في عينيك وفي عيني بناتك، لكنه لا يفسد، نذورنا تقبل، والآن ستحل علينا اللعنة يا آكلات النذور». يزداد البعد الفلسفي المجازي في هذا المقتطف : «المكان الذي لا جوع فيه ولا عطش ولا شهوة، هو بطون السحرة الذين ينصبون مجلسهم في أعلى قمة من جبل الغائب»، أو: «لم تنأ القابلة بنفسها عن إطلاق شائعة حول أن يكون ألماس قد صرع والده المسكين عبر الوشق». هذه اللغة المثقلة بالمجاز الفلسفي لا تنتمي إلى فضاء القرية، بل تعكس وعيًا خارجيًا مُستنسخًا، يجعل القرية منصة رمزية لأحداث غير واقعية. ويتضاعف هذا الانفصال حين نقرأ: «كل ما سيذكره الناس، بعد تلك اللحظة، أن الموت طار فوق سرب من الرمة الطائرة، بينما دخلت الخبابة وصفيراء لقدرهما الأثير، ولم تخرجا منه قط».
في ضوء ذلك كله، تتبدى النقائض الجيوسردية التي تحكم الرواية: مكان بدائي متخلف مقابل لغة ومشاهد استثنائية عالية التعقيد، زمن أسطوري قديم يقابله وعي معاصر منفصل، وشخصيات لا تعكس بيئتها أو تاريخها. الساردة تعلن بوضوح: «أنا الحفيدة المختارة، أحمل ذاكرة لا يطيقها المكان»، والخبابة تضيف: «العيون كانت جائعة، وتهفو لأجساد جديدة لتأكلها، البنت الكبرى حبست مع الذهب والفضة ولن تخرج أبدا»، أو كما تقول الشخصية في المقطع الآخر: «الناس لا يذكروا أسماءهن بعد اليوم، ليصبحن طي النسيان»، وكذلك: «علينا أن نكشف للناس نصف الحقيقة الغائبة. أعرف أنهم لن يصدقوا حتى يتهاوى العالم الوهمي الذي صنعه ألماس لتستبين الحقيقة». الجملة تكشف جوهر المعضلة: الذاكرة والوعي أكبر من المكان والزمان، فيتأسس النص على مفارقة تضعف السرد، وتجعل الجيوسردية ديكورًا داخليًا للأحداث الغرائبية، لا أكثر.
تركيب:
1. الرواية تعتمد على غرائبية مفتعلة وزخرفات لغوية تستبدل البنية السردية المتماسكة، ما يخلق فراغًا بنيويًا وتوترًا أسلوبيًا.
2. الزمن والمكان والشخصيات لا تندمج في حبكة متماسكة. وكتاب الجدة بثنة الثائبة يعيد إنتاج مشاهد من نصوص عالمية دون ابتكار فني، مما يضعف الجيوسردية ويجعل الغرائبي سطحياً.
3- يلاحظ أن الخطاب الروائي لا يقيم فاصلا واضحا بين لغة المؤلف ولغة الراوي ولغة الشخصيات، إذ تتماهى الأصوات داخل السرد في مستوى لغوي واحد، وتفتقد التمايز الأسلوبي. هذا التوحيد في النبرة يؤدي إلى غياب التعدد الصوتي (البوليفونية) الذي يُعدّ من سمات السرد الناضج.
انظر:
١- مورفولوجيا الحكاية الخرافية فلاديمير بروب/ ت: أبو بكر أحمد باقادر - أحمد عبد الرحيم نصر
٢- مدخل إلى الأدب العجائبي. تزفيتان تودوروف، ترجمة الصديق بوعلام
3- الأدب والغرابة، عبدالفتاح كيليطو