كتبت - ليلى الحسنية
تتخذ المؤسسات التعليمية دورا محوريا في ترسيخ الهوية العمانية عبر المناهج الدراسية والبرامج التربوية التي تتكامل فيها المعرفة وعبر الاحتفالات الوطنية والزيارات الميدانية والمعارض الثقافية ، كما يبرز دور المعلم باعتباره نموذجا حيا يجسد القيم الوطنية في سلوكه وأدائه اليومي.
«عمان» سلطت الضوء على دور المؤسسات التعليمية في ترسيخ وغرس مفهوم الهوية العمانية لدى الطلبة بالمدارس لبناء صورة شمولية عن ذاته الوطنية وتكوينه الاجتماعي مما يجعله قادرًا على تمثيل هويته بثقة واتزان.
قالت الدكتورة وردة بنت هلال البوسعيدية مديرة دائرة المواطنة بوزارة التربية والتعليم: تحرص المناهج الدراسية على إبراز الهوية الوطنية بصورة منهجية واضحة من خلال مواد الدراسات الاجتماعية والتربية الإسلامية واللغة العربية، إضافة إلى وثيقة المفاهيم العامة التي تتضمن قيم المواطنة والهوية والانتماء. وتقدم المعرفة الوطنية مدعومة بأمثلة وأنشطة ميدانية تعرف الطلبة بالشخصيات التاريخية والمعالم التراثية، مع متابعة دائرة المواطنة لمدى توظيف هذه المفاهيم في الدروس اليومية، ويهدف هذا التضمين إلى أن يعيش الطالب الهوية عبر السلوك والممارسة، لا عبر المحتوى النظري فقط، مما يعزز الوعي والانتماء بصورة أعمق وأكثر ثباتا.
وأضافت: تلعب الأنشطة المدرسية دورا محوريا لأنها تمنح الطالب فرصا واقعية للاحتكاك بالهوية الوطنية عبر الاحتفالات الوطنية والزيارات الميدانية والمعارض الثقافية والمشاريع الإبداعية. وقد أثبتت التجربة أن الأنشطة العملية تحدث تأثيرا سلوكيا يفوق المحتوى النظري، إذ تجعل الطالب معبرًا عن هويته عبر المشاركة والعمل، وتدعم دائرة المواطنة هذا التوجه من خلال تصميم فعاليات وبرامج تطبيقية تساعد الطالب على ممارسة قيم الانتماء والمسؤولية، وتحول الهوية من مفهوم معرفي إلى خبرة معيشة.
حول تكامل المواد الدراسية في بناء الوعي الوطني للهوية الوطنية قالت: تعمل الوزارة وفق نهج تكاملي واضح عبر وثيقة المفاهيم العامة التي تضم المواطنة والهوية الرقمية والحقوق والواجبات والمواطنة العالمية، ويتم ربط هذه المفاهيم في مخرجات تعلم موزعة بين المواد المختلفة. فالدراسات الاجتماعية تقدم المعرفة التاريخية، والتربية الإسلامية ترسخ القيم الأخلاقية، واللغة العربية تعزز الانتماء الثقافي واللغوي، بينما تدمج بقية المواد عناصر من الهوية في سياقات مناسبة. وتتابع دائرة المواطنة تنفيذ هذا النهج في المدارس لضمان تكامل الأدوار، مما يتيح للطالب بناء صورة شمولية عن ذاته الوطنية وتكوينه الاجتماعي.
الانفتاح الرقمي
كشفت مديرة دائرة المواطنة بوزارة التربية والتعليم عن أبرز التحديات التي تواجه المؤسسة التعليمية في ظل العولمة والتطور التقني في الحفاظ على الهوية بقولها: يبرز تحدي الانفتاح الرقمي الواسع وتأثير المحتوى العالمي على أولويات الطلبة واهتماماتهم، إضافة إلى الاعتماد المفرط على التكنولوجيا على حساب الأنشطة الثقافية المباشرة، كما تواجه المؤسسة التعليمية تحديات تتعلق بالهوية الرقمية، مثل التعرض لنماذج ثقافية غير متوازنة أو محتوى لا يتوافق مع القيم الوطنية. ومع ذلك، تمثل هذه التحديات فرصة لتطوير التعليم بما يوازن بين الحداثة والخصوصية الثقافية. وتعمل دائرة المواطنة على برامج التوعية الإلكترونية والاستخدام الآمن والذكاء الاصطناعي المسؤول، ورفع جاهزية المعلمين للتعامل مع البيئة الرقمية بحس وطني واع.
وأفادت يمكن استثمار التقنيات الحديثة أن تصبح أداة قوية لتعزيز الهوية إذا استثمرت بطريقة منهجية وهادفة، مثل إنتاج محتوى رقمي يقدم التراث والثقافة والأماكن التاريخية بأساليب جذابة، أو عبر تقنيات الواقع الافتراضي التي تتيح للطالب زيارة المواقع التاريخية افتراضيا. كما يمكن للمنصات الرقمية أن تكون قناة لإبراز الهوية من خلال مشاريع طلابية ومبادرات مدرسية تعكس القيم العمانية، وتعمل دائرة المواطنة على توجيه الطلبة نحو إنتاج محتوى وطني مسؤول، مع التركيز على جانب الأمن الإلكتروني والهوية الرقمية لتعزيز الانتماء في الفضاء الرقمي.
وتطرقت في حديثها إن الرؤية المستقبلية تركز على جعل الهوية ممارسة يومية في المدرسة من خلال مشاريع بحثية وميدانية تتعلق بالتراث الوطني، وبرامج تدريبية للمعلمين في المواطنة الرقمية والمسؤولية الوطنية، إضافة إلى تفعيل الشراكات مع مؤسسات المجتمع والجهات الإعلامية. كما تسعى دائرة المواطنة إلى تعزيز دور الأسرة بوصفها شريكا رئيسيا في بناء الهوية، وتطوير المبادرات الحالية مثل مشروع «من أجل الوطن، وسفراء المواطنة» وتوسيع البرامج التي تربط الطالب بتراثه وتاريخه وثقافته، بما يرسخ الانتماء ويعمق البناء الوطني في سلوك المتعلمين.
الأنشطة المدرسية
قال أحمد بن خميس الجديدي عضو مقرر فريق التربية على المواطنة بتعليمية البريمي: تلعب المناهج الدراسية في سلطنة عُمان دورًا محوريًا في بناء وعي الطلبة بتاريخ وطنهم وتراثه العريق. فقد حرصت وزارة التربية والتعليم على تضمين مفردات واضحة تعكس الموروث الثقافي العُماني، وتُعرّف النشء بمراحل تطور الدولة، وبالشخصيات الوطنية، والإنجازات الحضارية، وقيم المجتمع. وتُعد مادة الدراسات الاجتماعية والتربية الوطنية نموذجًا بارزًا لهذا التوجه، إذ تربط بين المعرفة التاريخية والواقع المعاصر للطالب. كما تمنح المناهج مساحة واسعة لعرض الفنون العُمانية، والأزياء التقليدية، والمعارف المرتبطة بالتراث البحري والزراعي، مما يرسّخ هوية متوازنة تجمع بين الأصالة والاعتزاز بالمنجزات الوطنية.
وأضاف الجديدي: الأنشطة المدرسية تعد الامتداد العملي للمناهج؛ فهي التي تنقل المعرفة من إطارها النظري إلى تجربة واقعية يشعر بها الطالب.ففي الاحتفالات الوطنية، والمسابقات الثقافية، والرحلات الميدانية، يجد الطالب نفسه أمام مواقف تُعزز مشاعر الانتماء وتربط الماضي بالحاضر. كما تتيح الأنشطة الجماعية فرصًا لبناء الحس الوطني عبر التعاون بين الطلبة، وإبراز مواهبهم في مجالات الشعر، والمسرح، والفنون، والحرف التقليدية، ولا نبالغ إن قلنا إن الأنشطة أصبحت اليوم منصة تربوية متكاملة تغرس قيم الاعتزاز بالهوية وتمنح الطالب خبرة مباشرة يصعب نسيانها.
وأشار أن هناك تكاملا في المواد الدراسية (كالتربية الوطنية اللغة العربية الدراسات الاجتماعية والتربية الإسلامية) في بناء وعي طلابي بالهوية الوطنية إذ يكمل كل منها الآخر في تشكيل وعي متكامل بالهوية الوطنية. فاللغة العربية تُنمّي الانتماء اللغوي والثقافي، والدراسات الاجتماعية تقدّم القراءة التاريخية والجغرافية للدولة، فيما تُرسّخ التربية الإسلامية منظومة القيم الدينية والأخلاقية التي تُعد أساس السلوك الوطني المسؤول. هذا التكامل يسهم في بناء طالب مدرك لتاريخ وطنه، معتز بقيمه، قادر على تمثيل هويته بثقة واتزان.
استثمار التكنولوجيا
قال الجديدي: لم تعد التكنولوجيا خصمًا للهوية الوطنية، بل أصبحت عند توظيفها بوعي منصة واسعة لترسيخ الانتماء وتعميق الوعي بتاريخ الوطن وقيمه. فوزارة التربية والتعليم، عبر برنامج «لوطني أنتمي» الذي تشرف عليه دائرة المواطنة، تمتلك اليوم فرصة ذهبية لتحويل الفضاء الرقمي إلى مساحة تربوية نابضة تعكس روح الهوية العُمانية. يمكن للمدارس أن تنتج محتوى وطنيًا رقميًا جذابًا يعرّف الطالب بملامح الشخصية العُمانية، ويبرز الملاحم التاريخية والإنجازات الحديثة بأسلوب قصير ومبتكر ينافس ما يقدَّم عالميًا. كما يمكن توظيف الواقع الافتراضي والواقع المعزّز لمحاكاة المواقع التاريخية، وإحياء قصص الأجداد، وتنفيذ رحلات تعليمية رقمية تجعل الطالب يعيش التجربة لا يقرأ عنها فقط. وتسهم وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز مفهوم المواطن الرقمي الإيجابي، من خلال إنشاء منصات مدرسية تفاعلية لعرض المشاريع الوطنية، وتوثيق المبادرات الطلابية.
توظيف المناهج الدراسية
وقالت منى بنت سالم المعشنية معلمة مادة التاريخ بمدرسة مدينة الحق للتعليم الأساسي 1-12 بمحافظة ظفار: يمثل المعلّم في منظومتنا التربوية ركيزة أساسية في تعزيز الهوية الوطنية لدى الطلبة، فهو ليس ناقلًا للمعرفة فحسب، بل نموذج حي يجسد القيم الوطنية في سلوكه وأدائه اليومي. ومن هذا المنطلق، نؤكد أن حضور المعلّم الملتزم بلغته، وسلوكه، وأخلاقياته المهنية، يشكل رسالة مباشرة للطلبة تُسهم في ترسيخ الانتماء الوطني في نفوسهم، كما يقوم المعلّم بدور محوري في توظيف المناهج الدراسية بما يعزز الوعي بتاريخ عُمان وتراثها العريق، من خلال دمج القصص الوطنية، وإبراز الشخصيات العُمانية الملهمة، واستخدام الوسائط التعليمية التي تربط الطلبة بجغرافيتهم وثقافتهم.
وأضافت: يعمل المعلم على توفير بيئة صفية واسعة للحوار البنّاء حول القضايا الوطنية والاجتماعية، التي تساعد الطلبة على إدراك مسؤولياتهم وتعزز مشاركتهم الواعية في خدمة وطنهم. كما إنّ اعتماد المعلم على أساليب تعليمية تفاعلية كالرحلات الميدانية، والمشروعات الوطنية، والأنشطة التراثية، تتيح للطلبة فرصة معايشة الهوية الوطنية بصورة عملية، ويجعلهم أكثر ارتباطًا بها، وأكثر استعدادًا لحمل رسالتها المستقبلية.
واشارت في حديثها : إن المناهج الدراسية الحالية في سلطنة عُمان تسهم بصورة واضحة وفعّالة في تعريف الطلبة بتاريخ وطنهم وثقافته وتراثه، من خلال إطار تربوي وطني يقوم على الدمج المتوازن بين المعرفة التاريخية والقيم الثقافية والهوية الوطنية، فقد عملت الوزارة على تضمين موضوعات التاريخ العُماني، وتراثه المادي وغير المادي، وقصص الإنجازات الحضارية في المقررات الدراسية عبر مراحل التعليم المختلفة، بحيث تُقدَّم للطلبة بصورة تحليلية حديثة بعيداً عن التلقين التقليدي.وتُعنى المناهج بإبراز التضحيات التي قدّمها الأجداد في بناء الدولة، والتأكيد على دور عُمان التاريخي في التجارة والملاحة والثقافة، وهو ما يمنح الطالب تصوراً عميقاً عن جذور وطنه ودوره الحضاري عبر الزمن. كما تشتمل المناهج على أنشطة صفية وتطبيقات عملية، مثل تحليل وثائق تاريخية، ودراسة خرائط قديمة، وتنفيذ مشروعات بحثية، تساعد الطالب على تحويل المعرفة إلى تجربة واقعية تعزز ارتباطه بتاريخ بلده. أما في الجانب القيمي والثقافي، تركز المناهج على ترسيخ قيم التسامح، والتعايش، والمسؤولية الوطنية، وربطها بالتحديات والقضايا العالمية المعاصرة، بما يضمن أن يستوعب الطالب هويته الوطنية بطريقة تتماشى مع تطورات العصر. وتُسهم البرامج المدرسية والرحلات الميدانية والفعاليات التراثية في تعميق هذا الارتباط من خلال زيارات للمواقع الأثرية والمتاحف والحرف التقليدية، مما يمنح الطالب خبرة مباشرة بتراث وطنه.
تعزيز الهوية والمواطنة
ومن جهتها قالت زهراء بنت راشد الراسبية معلمة الهوية والمواطنة بمدرسة منبع الخير للتعليم الأساسي: للمعلم دور كبير في تعزيز الهوية والمواطنة بدءاً من وقفه الطالب أثناء أدائه النشيد الوطني وكذلك التزامه بالزي المدرسي الذي يمت بصلة للزي العماني المُحافظ على الهوية والمواطنة، وبكل ماده يمكن تعزيز الهوية والمواطنة وكذلك في مادة الهوية والمواطنة التي تعرف الطالب التعرف على الشخصيات العُمانية منهم العالمة شمساء الخليلية والإمام ناصر بن مرشد وهؤلاء شخصيات تُجسد الهوية العُمانية وكذلك تعليم الطلبة السمت العماني في المواد الدراسية الاخرى التي تحتوي على دروس تعزز الهوية والمواطنة، وأيضاً يمكن للمعلم ان يعزز الهوية والمواطنة من خلال داخل الصف وخارجه ، وعنده خيار آخر بأن يُفعل حصص الاحتياط بغرس القيم كتوعية أو حلقات عمل و ممكن تفعيل الحصص بألعاب الكترونية التي تعزز الهوية والمواطنة في ولايته التي يسكن فيها أو عرض فيديوهات تعزز الهوية والمواطنة وكذلك تعزيز الهوية في المناسبات الوطنية.
حول المبادرات التي تقوم بها المدرسة لترسيخ القيم قالت من خلال توزيع البطاقات على المعلمات تعزز فكرة الهوية والمواطنة تحت مسمى ( لنصنع مستقبلهم)، وتفعيل دور المعلمات بمبادرات للمدرسه تخدم الهوية والمواطنة ومن ضمنهن مبادرة (عزتي الهوية والمواطنة) باستخدام اللوحة الخبرة وبالاستعانة بالخياطة لتعزيز المواهب لدى الطلبة فيما يخدم الهوية. وأيضا من خلال تفعيل الذكاء الاصطناعي باستخدام ألعاب إلكترونية تخدم الهوية والمواطنة.
ذكرت أسماء بنت سعيد الحوسنية معلمة دراسات اجتماعية بقولها : المعلم ليس فقط ناقل للمعرفة، بل صانع للوعي وبانٍ لجسور الإنتماء بين الطالبات ووطنهم، فحين يتحلى المعلم بالإنضباط، ويظهر حبه لوطنه، واحترامه للأنظمة، واعتزازه بلغته، وثقافته؛ فإنه يغرس في طلابه بذور الانتماء، والاعتزاز بالهوية. من هذا المنطلق جاءت مبادرة (جذور وانتماء) التي تشرف عليها أسرة الدراسات الاجتماعية بمدرسة الهداية للتعليم الأساسي بمحافظة شمال الباطنة حيث تنقسم المبادرة إلى قسمين: القسم الأول (تحكي عمان)، وهو عبارة عن برنامج إذاعي أسبوعي، يسلط الضوء على شخصيات عمانية كان لها الدور الفعال في تاريخ عمان: كالخليل بن أحمد الفراهيدي، والسيد سعيد بن سلطان، وأسد البحار (أحمد بن ماجد) وغيرهم من الشخصيات التي تعد مصدر عز، وفخر لكل عماني. والقسم الثاني من المبادرة (ميزان المواطَنة) وهي عبارة عن شخصية افتراضية تناقش من خلال حلقات شيقة وممتعة الحقوق والواجبات؛ بهدف خلق جيلٍ واعٍ بحقوقه وواجباته، وفي الختام نأمل أن تكون هذه المبادرة قد حققت الهدف الأساسي منها، وهو تعزيز روح الانتماء في نفوس الطالبات وحتى الكادرين الإداري والتدريسي والمجتمع المحلي.