تقرير - عبدالحميد القاسمي-

تمضي سلطنة عُمان في سعيها لبناء اقتصاد معرفي يرتكز على الابتكار والتقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، وذلك ضمن مستهدفات التحول الوطني لـ«رؤية عُمان 2040». ويبرز الذكاء الاصطناعي اليوم كأحد المحركات الرئيسة للتنمية المستدامة، وداعمًا لتعزيز الكفاءة المؤسسية، وتمكين الكفاءات الوطنية من اكتساب المهارات المستقبلية التي تواكب المتغيرات التقنية المتسارعة.

ويسعى البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي عبر محاوره الثلاثة الرئيسة: الحكومة الرقمية، ورقمنة الأعمال، والمجتمع الرقمي إلى بناء اقتصاد رقمي يكون رافدًا للاقتصاد الوطني.

ويستهدف البرنامج رفع إسهام الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى 10 بالمائة في عام 2040م، ومن المتوقع أن تقترب نسبة إسهام الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي بنهاية العام الجاري من 3 بالمائة.

وحققت سلطنة عُمان تقدمًا في جميع المؤشرات العالمية المرتبطة مثل مؤشر جاهزية الحكومة للذكاء الاصطناعي الذي جاءت فيه بالمرتبة الـ 45 عالميًّا، ومؤشر تطوير الحكومة الإلكترونية؛ حيث جاءت في المرتبة الـ 41 عالميًّا، ومؤشر الجاهزية للأمن السيبراني، وجاءت في الفئة الأولى عالميًّا، وفي مؤشر جاهزية الشبكات جاءت في المرتبة الـ50 عالميًّا. وتسعى سلطنة عمان إلى أن تكون من بين أفضل 20 دولة في كل هذه المؤشرات.

وأُعد البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدم وأُطلق في عام 2023م وفقًا للتوجيهات السامية، ويشمل ثلاثة محاور رئيسة تتعلق بتعزيز وتبني الذكاء الاصطناعي في القطاعات الاقتصادية والتنموية، وتوطين تقنيات الذكاء الاصطناعي، وحوكمة الذكاء الاصطناعي مشيرًا إلى أن البرنامج يتضمن 32 مشروعًا تنفذه مجموعة من المؤسسات الحكومية و4 مستهدفات رئيسة تتعلق برفع جاهزية سلطنة عُمان في الذكاء الاصطناعي، ورفع عدد الشركات التقنية الناشئة في الذكاء الاصطناعي، ورفع الإنتاج العلمي والبحثي في الذكاء الاصطناعي.

وأطلقت الوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات النسخة الأولية من النموذج اللغوي الوطني للذكاء الاصطناعي التوليدي «معين AI» كأول نموذج وطني حكومي متخصص، ومبادرة مثلث عمان الرقمي (ODT) الرائدة عالميًا في الحوسبة الخضراء ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى جانب تخصيص وإطلاق منطقة خاصة للشركات الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، كما تم الإعلان عن تحالف الذكاء الاصطناعي الأخضر الذي يدعم التطور في الذكاء الاصطناعي مع المحافظة على البيئة، وإطلاق وتشغيل استوديو الذكاء الاصطناعي، والبوابة الوطنية للبيانات المفتوحة، وإطلاق النسخة الثانية من مبادرة صناع الذكاء الاصطناعي مع الجامعات الشريكة.

ودشنت الوزارة مجموعة من المشروعات في مجال الذكاء الاصطناعي؛ حيث افتُتح مركز للثورة الصناعية الرابعة في سلطنة عُمان بالتعاون مع وزارة الاقتصاد والمنتدى الاقتصادي العالمي، كما نشرت الوزارة السياسة الوطنية للاستخدام الآمن والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، وعينت لجنة خبراء الذكاء الاصطناعي وتتكون من أعضاء من القطاعات العامة والخاصة والأكاديمية والعسكرية لرفد الوزارة وبقية الجهات الحكومية بالرأي والمشورة في خطط ومشروعات الذكاء الاصطناعي.

وبلغ حجم الاستثمارات لدعم مشروعات الذكاء الاصطناعي حتى 2025 حوالي 65 مليون ريال عُماني، وبلغ عدد الشركات الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي نحو 22 شركة حتى 2025.

خدمات رقمية متطورة

كما اعتمدت وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار من خلال منصة عُمان للأعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن خدمة «اعرف عميلك (KYC)» التي تتيح للمستثمر الأجنبي التسجيل من خارج سلطنة عُمان باستخدام القياسات الحيوية والتحقق من أكثر من 140 نقطة تطابق للوجه والجواز، كما تستخدم المنصة تقنية محاكاة الأعمال في «دليل الاستثمار» لإتاحة تجربة واقعية للمستثمرين حول الإجراءات والمستندات المطلوبة قبل بدء مشاريعهم. وحتى نهاية عام 2024 بلغت نسبة الخدمات المرقمنة بمنصة عُمان للأعمال 76.5% من إجمالي خدمات الوزارة، كما أن 89% من الأنشطة التجارية أصبحت تُرخص تلقائياً دون الحاجة إلى موافقات مسبقة بإجمالي 328.215 ترخيصًا تلقائيًا منذ إطلاق الخدمة في أبريل 2021.

وبحسب بيانات الوزارة؛ بلغ عدد السجلات التجارية المسجلة منذ تدشين النظام وحتى سبتمبر 2025 نحو 395.197 سجلا من بينها 70.923 سجلا تحتوي على استثمار أجنبي فيما بلغ عدد السجلات المسجلة لمواطني مجلس التعاون 4.990 سجلا، والسجلات تحت التصفية 8.323، والسجلات الملغاة 257.035.

أما فيما يتعلق بالتراخيص فقد أصدرت 580.189 ترخيصا تجاريا، و108.829 ترخيصا صناعيا إضافة إلى 113.674 ترخيصا استثماريا، في حين تجاوز عدد التراخيص التلقائية 748.188 ترخيصاً، كما أصدرت الوزارة 508,960 شهادة منشأ لمختلف أنواع الصادرات، ووصل عدد المعاملات المنجزة عبر المنصة إلى أكثر من 2.8 مليون معاملة. وحصدت المنصة على مدار السنوات عددًا من الجوائز المحلية والإقليمية والدولية أبرزها جائزة السلطان قابوس للإجادة في الخدمات الحكومية الإلكترونية، وجائزة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) كأفضل مشروع يقدم خدمات عبر نافذة إلكترونية موحدة إلى جانب جوائز مجلس التعاون الخليجي في فئة أفضل خدمة حكومية مشتركة.

ويؤكد الخليل بن أحمد العبدلي الرئيس التنفيذي لأكاديمية تقنيات الذكاء الاصطناعي أن سلطنة عمان تسير بخطوات واثقة ومدروسة نحو بناء منظومة وطنية متكاملة للذكاء الاصطناعي. فالاهتمام لم يعد مقتصرًا على المفاهيم النظرية، بل انتقل إلى مرحلة التطبيق العملي في مجالات التعليم، والصحة، والطاقة، والخدمات الحكومية.

مشيرا إلى أن ما يميز التجربة العُمانية هو تركيزها على البعد الإنساني والأخلاقي للتقنية؛ حيث تسعى إلى بناء نموذج متوازن يدمج الابتكار بالتنمية، ويجعل التقنية أداة لخدمة الإنسان لا بديلاً عنه.

جهود حكومية متقدمة

ويضيف العبدلي: إن الحكومة تبنت حزمة من المبادرات الاستراتيجية التي تؤسس لبيئة رقمية متقدمة، منها البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة (2024–2026)، والسياسة الوطنية للذكاء الاصطناعي، وبرنامج الاقتصاد الرقمي الوطني.

كما دشنت مبادرة النموذج اللغوي الوطني للذكاء الاصطناعي التي تهدف إلى تمكين اللغة العربية في بيئات الذكاء الاصطناعي إضافة إلى مشروع التحول الرقمي الحكومي الذي عزز جودة الخدمات العامة ورفع كفاءتها. هذه الجهود تمثل ترجمة عملية للرؤية الوطنية، وتسهم في بناء بنية رقمية قادرة على مواكبة الثورة الصناعية الرابعة.

التحديات القائمة

ويشير العبدلي إلى أنه «رغم التقدم الملحوظ لا تزال هناك تحديات تحتاج إلى معالجة منهجية أبرزها نقص الكفاءات الوطنية المتخصصة، والحاجة إلى حوكمة البيانات وتطوير البنية التحتية الرقمية إلى جانب ضرورة نشر ثقافة التحول الذكي داخل المؤسسات».

مضيفا: «إن ما يميز التجربة العُمانية هو وعيها بهذه التحديات، وبدء العمل فعليًا على تجاوزها من خلال التدريب، وتأهيل الشباب، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص».

ويؤكد العبدلي أن «الذكاء الاصطناعي يسهم في إعادة صياغة مشهد الاقتصاد العُماني من خلال تحسين كفاءة الإنتاج، وتقليل التكاليف التشغيلية، وخلق فرص جديدة في مجالات الاقتصاد الرقمي، والتعليم الذكي، والزراعة الذكية، والصحة الرقمية، كما يتيح المجال أمام الشباب العُماني للدخول في مجالات ريادة الأعمال التقنية ما يعزز من تنويع مصادر الدخل الوطني، ويدعم تنافسية السلطنة إقليميا ودوليا».

سوق العمل وإعداد الكفاءات الوطنية

وحول واقع سوق العمل والتأثير المتوقع للذكاء الاصطناعي، يقول العبدلي: «الذكاء الاصطناعي لن يُلغِي الوظائف، بل سيغيّر طبيعتها؛ فهو يعيد توزيع الأدوار، ويخلق وظائف جديدة تتطلب مهارات تحليل البيانات، وهندسة الأوامر، والبرمجة الذكية. لذلك أصبح الاستثمار في التعليم والتدريب ضرورة وطنية، لا سيما في البرامج التي تربط بين الذكاء الاصطناعي واحتياجات سوق العمل» مشيرا إلى أن الجامعات والكليات بدورها مطالبة بتطوير مناهجها وتضمين هذه المهارات منذ المراحل المبكرة، وتوفير مشاريع تطبيقية وشراكات بحثية تخدم التوجه الوطني.

الحاجة إلى تشريعات واضحة

ويؤكد العبدلي: «أهمية وجود تشريعات واضحة تنظم التعامل مع البيانات، وتحمي الخصوصية، وتضمن الاستخدام الأخلاقي للتقنيات.

وقد بدأت سلطنة عمان بالفعل خطوات مهمة في هذا الاتجاه عبر السياسة الوطنية للذكاء الاصطناعي، إلا أن المرحلة القادمة تتطلب قوانين تفصيلية تكفل التوازن بين الابتكار والحماية القانونية».

نظرة إلى المستقبل

واختتم حديثه بالقول: «إن مستقبل الذكاء الاصطناعي في سلطنة عُمان يحمل فرصًا كبيرةً شرط استمرار الاستثمار في الإنسان بوصفه المحور الأساس لهذا التحول» متوقعا أن تشهد سلطنة عمان خلال السنوات القادمة توسعًا أكبر في توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم، والصحة، والخدمات الحكومية، وظهور شركات ناشئة متخصصة بالتقنيات الذكية يقودها شباب عمانيون.