تحتفل جريدة «عُمان» اليوم، 18 نوفمبر، بمرور ثلاثة وخمسين عاما على صدور عددها الأول في اليوم نفسه من عام 1972؛ نصف قرن وأكثر قليلا من الصحافة ومرافقة الدولة في رحلة نهضتها، وتسجيل تحوّلات المجتمع العُماني لحظة بلحظة، من عناوين بسيطة في ثماني صفحات إلى منصّة متكاملة تمتد من الورق إلى الشاشات والهواتف ومن صفحات الأخبار اليومية إلى الملاحق المتخصصة.

وشهدت الجريدة خلال نصف قرن الكثير من التحولات البنيوية ولكن أيضا من التحولات في صيغة العمل وأدواته. ورسخت «عُمان» موقعها باعتبارها الصحفية الأوسع انتشارا في عُمان ومكانتها بوصفها واحدة من أهم الصحف العربية. واستطاعت الجريدة أن تحول نفسها بجهود القائمين عليها والعاملين فيها لتكون مشروعا وطنيا وثقافيا طليعيا، ساهم في تكوين نخبة جديدة، وتكوين صورة عُمان عن نفسها في الداخل والخارج، وفي بناء اللغة التي يتحدّث بها العُمانيون عن دولتهم الحديثة وعن تاريخهم التليد.

وخلف العناوين اليومية، تعاقبت أجيال من الصحفيين والمحرّرين والمصورين والمخرجين؛ جيل بدأ على صوت الآلة الكاتبة، ومسطرة الترصيص اليدوي، وليل يُقضى في غرف التظهير الفوتوغرافي، وجيل يعمل اليوم على شاشات مضيئة في صالة أخبار رقمية، تنفتح مباشرة على وكالات الأنباء والمنصات العالمية. وبين الجيلين خيط واحد بقي يحافظ على سطوعه هو أن العمل الصحفي يتجاوز كونه وظيفة إلى نمط حياة وذاكرة شخصية وجماعية في آن واحد.

وكانت «عمان» قد احتفت بيوبيلها الذهبي عام 2022، ونظّمت ندوة «هذا البلد وهذه الجريدة» التي استقرأت خطابها الصحفي عبر خمسين عاما، وتوقّفت عند شكلها، ومضامينها، وعلاقتها بالتحوّلات السياسية والاجتماعية. بدا واضحا في ذلك الوقت الجريدة صارت قادرة على أن تجعل من تاريخها نفسه موضوعا للنقاش العام، في إشارة إلى درجة من النضج والوعي بدور الصحافة في مساءلة ذاتها قبل مساءلة الآخرين.

لكن مسيرة ثلاثة وخمسين عاما لم تمرّ بلا تحديات.. فقبل أن تواجه الصحافة الورقية منافسة المنصات الرقمية، كان عليها أن تتعلم بناء قواعد اتزان بين كونها صحيفة تصدر عن مؤسسة حكومية وبين مسؤوليتها تجاه القارئ، وأن تغطي حروب المنطقة وتقلبات أسعار النفط، وأن تكتب عن القرى البعيدة والمشاريع الكبرى في آن واحد. في كل مرحلة كان السؤال يتكرر بصيغ مختلفة: كيف تكون الصحيفة قريبة من الناس، دون أن تفقد صرامة المهنية أو حسّها الوطني؟

التحول الرقمي فتح جبهة جديدة. موقع «عُمان» الإلكتروني، والصفحات الكاملة المتاحة بصيغة PDF، ومنصات التواصل التي تنقل الأخبار العاجلة، جعلت من الصحيفة مؤسسة إعلامية متعدّدة المنابر، لا تُختزل في النسخة الورقية التي تصل صباحا إلى البيوت والمؤسسات. اليوم، يتجاوز عدد قراءات المحتوى الإلكتروني في كثير من الأيام انتشار النسخة المطبوعة بعشرات المرات، في انسجام مع اتجاه عالمي يعيد تعريف «الصحيفة اليومية» من ورق يُطوى إلى منصة مفتوحة على مدار الساعة.

في المقابل، تواجه «عُمان» وسائر الصحف تحدّي العمل في بيئة معلوماتية فائضة؛ أخبار متدفقة بلا انقطاع، منصات مفتوحة أمام كل من يكتب، ومحتوى مجاني لا يخضع لأي معايير تحريرية. في مثل هذه البيئة يصبح الرهان الحقيقي ليس على «سرعة» الخبر بقدر ما هو على موثوقيته، وعلى القدرة على تقديم سياق وتحليل وبعد إنساني، وعلى الحفاظ على لغة متزنة وسط ضجيج الشعارات والاستقطابات الحادة.

تجاوزت «عمان» الكثير من تحدياتها والتحديات التي تواجه الصحافة في العالم فأصدرت خلال السنوات الماضية ملحقا ثقافيا يعد في طليعة الملاحق الثقافية في العالم العربي، وأتبعته بملحق علمي هو الأول من نوعه في الصحافة العربية ويلقى رواجا وإشادة في العالم العربي، كما أصدرت ملحقا اقتصاديا تجاوز تناول الأخبار اليومية إلى مناقشة الفكر الاقتصادي وطرح قضاياه على طاولة النقاش.

تبدو آفاق المستقبل مزدوجة جدا، تهديد وفرصة. تهديد، لأن الصحافة الورقية تتعرض عالميا لضغوط اقتصادية وتغيّر في عادات القراءة، ولأن جيلا جديدا يدخل إلى الأخبار عبر الهاتف قبل أن يعرف شكل الصفحة الأولى. وفرصة، لأن الصحيفة التي راكمت مئات الآلاف من الصفحات والأعداد، تمتلك رصيدا من الثقة والخبرة يمكن أن يتحول إلى منصات جديدة: صحافة بيانات، وسرد بصري، وبودكاست، وملفات تحليلية عميقة تستفيد من أرشيف نصف قرن من التغطيات.

بعد ثلاثة وخمسين عاما على صدور العدد الأول، يبدو الفارق هائلا بين الورق الأصفر الذي بيع بخمسين بيسة، والعدد الذي ينشر اليوم في آلاف من النسخ الورقية والإلكترونية. لكنهما يشتركان في شيء واحد؛ رغيف يومي من الحبر والكلمات، يُخبَز كل ليلة في قبو المطبعة وغرفة الأخبار، لكي يجد القارئ صباحه في سطور تحاول أن تقول له: هذه بلدك، وهذه حكايتك، وهذه جريدتك.