من النِّعم التي يُنعم الله بها على العباد طيبة القلب وحُسنُ السَّريرة وحبُّ الناس، وهي من علامات محبَّته سبحانه للعبد، فكلما كانت النفوس صافية عامرة بالإيمان والتقوى والخشية من عذابه سبحانه، كان الإنسان محبوبًا في أي مكان يقف فيه أو يحلّ على موارده.
طيبة القلب التي دنَّسها فكر سيئ بوصفها بأنها ضعف وسذاجة وقلَّة حيلة وانتقاص من شخصية الإنسان، هي في واقعها الحقيقي نبتة طيبةٌ يزرعها الله في قلوب الناس لتُزهر على هيئة سلوك حميد قلّما نجده عند كثير من الناس، وما هذه الادعاءات إلا زيفٌ وتزويرٌ لحقيقة أن القلوب الطيبة منبعٌ للخير، وليست شرًّا أو ضعفًا في الإرادة، وربما هي أيضا كبح للبطش بالآخرين.
عندما يتعمّد البعض إيذاء أصحاب القلوب الطيبة، فإنما يرتكب جرمًا كبيرًا في حق نفسه أولًا، بتحميلها أوزارًا وذنوبًا عظيمة، وأيضًا تجنّيًا على أشخاص جعل الله في قلوبهم الرحمة والشفقة وحب الخير للآخرين.
يقول أحد الحكماء: "ما أروع الإنسان صاحب النفس الطيبة الصامتة، الذي لا يكره ولا يحقد ولا يحمل في قلبه على أحد، النفس الطيبة لا يملكها إلا الشخص الطيب."
كم نتمنى أن نقابل في حياتنا أشخاصًا ذوي قلوب رحيمة، قلوبًا تمنحنا الراحة والأمان، وتشعرنا دومًا بأن الحياة لا تزال بخير.
إن الشخص الطيب هو الذي يعطي ولا ينتظر الجزاء من الآخرين، وربما يتضايق أحيانًا بينه وبين نفسه، لكنه لا يحقد على أحد ولا يجرح القلوب، لأن الله تعالى خلّصه من سواد الخطايا وصراع النفوس البشرية الضعيفة.
تظل صفحاته بيضاء كلون الثلج، حتى وإن رحل عن عالمنا، يبقى حاضرًا في ذاكرة الناس والزمن.
أفواج من الناس تحدثت طويلًا في مناقب أصحاب القلوب البيضاء؛ منهم من وصفهم بأنهم يجودون بالحب المتدفق بلا حدود لمن حولهم، وآخرون يرونهم ينضحون بفيض العطاء حتى لمن لا يعرفونهم عن قرب. لا يحملون حقدًا ولا يُضمرون مكرًا، ولا يُنبتون شرًّا، قلوبهم تتسع لكل فئات البشر، لا يُوصدون أبواب الخير عن طالبه.
لذا يعيشون سعداء متصالحين مع أنفسهم أولًا، ودودين رحماء بالآخرين، وبأخلاقهم السامية يرتقون عنان السماء، يُغرّدون على كل غصنٍ أخضر يحمل الخير للناس.
أفضالهم على الغير تضاهي اتساع الفضاء الذي لا نعرف حدوده أو نهاياته، وذكراهم تُخلَّد في قلوب الناس حتى بعد مماتهم؛ ففي رحيلهم خسارة عظيمة وفقدٌ إنسانيٌّ لا يُعوَّض.
ومن عجائب صفاتهم التي منحهم الله إياها، أنهم قادرون - رغم ما يعتريهم من ألمٍ ونَصَبٍ وحاجة - على التسامح والعطاء، وجوههم مفعمة بالتفاؤل والأمل، لا يتسرب إليهم الملل أو الضجر من تكرار العطاء.
لا يعرفون اللون الأسود في مسارات حياتهم، يقتربون منك بكلماتهم ومشاعرهم أينما وجدتهم، حتى وإن لم تشعر بوجودهم بقربك في ذلك المكان.
دائمًا نظرتهم إلى الآخر ملحمةُ عطاءٍ هدفها إسعاد الناس، حتى بأبسط الأشياء؛ كابتسامةٍ أو لطف الحديث وتطييب القلوب.
يتعاملون مع الآخر بطيب الخاطر، لا يعرفون طريق الجفاء والخصام، ومع ذلك يسرق الوقت منهم جزءًا كبيرًا من أعمارهم دون أن يشعروا بمرور الزمن.
في أعماق ذاتهم تكمن العزة والأنفة، وفي سلوكهم هم دائمًا مثالٌ للإنسانية التي تنشر الحب فوق الجباه.
ومن صفاتهم أيضًا أنهم لا يبخلون على الآخرين بالكلمات الطيبة والرأي السديد، تقرأ في أعينهم معاني الإخلاص والسلام النفسي، ينثرون شذى عطرهم في الأماكن التي يسوقهم القدر إليها عبر الزمن، لذا هم بحق عملةٌ نادرة في زمنٍ طغى عليه الحقد والمظاهر الخادعة.
يقول الكاتب السعودي خميس النقيب في شأنهم: "يتحايلون على الواقع بالحلم، ويتحايلون على الحلم بالأمل، ويتحايلون على الأمل بالحق، ويتحايلون على الحق بالصبر، ويتحايلون على الصبر بالعلم، ويتحايلون على العلم بمعرفة الله، والشوق إلى رضاه."
أبعد كل ذلك، هل بقي لنا قولٌ آخر يمكن أن نصفهم به؟
يبقى الجواب مفتوح الأبواب إلى ما لا نهاية.