تُعد جبال محافظة الداخلية في سلطنة عُمان متحفًا طبيعيًا فريدًا، حيث تحتضن تنوعًا بيولوجيًا غنيًّا يجمع بين أنواع نباتية وحيوانية نادرة. من قمم الجبال الشاهقة إلى الوديان العميقة، تخلق هذه البيئة الجبلية موطنًا مثاليًّا للكثير من الكائنات التي تكيفت مع طبيعتها القاسية لتشكل جزءًا لا يتجزأ من التراث الطبيعي لسلطنة عُمان. وتُعد هذه الجبال ضمن سلسلة جبال الحجر التي تمتد في شمال عُمان لمسافة 700 كيلومتر من شبه جزيرة مسندم في الشمال إلى رأس الحد جنوبًا، وترتفع إلى 3006 أمتار في قمة جبل شمس ضمن سلسلة جبال الحجر الغربي. ويسود المناخ الجاف وشبه الجاف جبال الحجر مع معدلات تبخر سنوية تتجاوز 2000 ملم، ونادرًا ما يتجاوز متوسط هطول الأمطار السنوي في منطقة الحجر الغربية 400 ملم.
ويتكون الغطاء النباتي الطبيعي لجبال الحجر من غابات مفتوحة وشجيرات شبه دائمة الخضرة وأعشاب. وقد تم تسجيل 485 نوعا نباتيا في جبال الحجر الغربية، وتُعرف الجبال الشمالية لعُمان كمركز للتنوع النباتي الوطني والإقليمي، إذ يوجد نحو 33% من الأنواع النباتية المسجلة في سلطنة عمان على ارتفاع يزيد على 1500 متر، منها 14 نوعًا مستوطنًا مثل أشجار البوت والقصم والجعدة وغيرها.
ولأهمية هذا الكنز البيولوجي، تولي هيئة البيئة اهتمامًا كبيرًا لحماية هذا التنوع من خلال مشاريع ومبادرات وجهود مستدامة تهدف إلى الحفاظ على هذا الإرث للأجيال القادمة.
المحميات
تتجلى أبرز جهود هيئة البيئة في إنشاء محميتين طبيعيتين في محافظة الداخلية، لكل منهما هدف فريد في حماية مكونات البيئة المختلفة من بينها محمية الجبل الأخضر، حيث تُعد تحفة طبيعية بحد ذاتها، حيث تتميز بتضاريسها الوعرة ومدرجاتها الزراعية ووديانها الخصبة. وتُعد ملاذًا آمنًا لعدد من الأنواع النباتية والحيوانية مثل الوعل العربي والذئب العربي، إضافة إلى الطيور الجارحة كالنسر المصري. وتضم المحمية أشجار العلعلان المعمرة، وشجرة الزيتون البري، وأنواعًا فريدة من النباتات العطرية مثل الجعدة والورد الجبلي المستخدم في صناعة ماء الورد. ومؤخرًا تم إدراج المحمية ضمن الشبكة العالمية لمحميات الإنسان والمحيط الحيوي (WNBR) التابعة لليونسكو، ما منح سلطنة عُمان اعترافًا دوليًّا بجهودها في صون الطبيعة، وأكد على القيمة الاستثنائية للتنوع البيولوجي في الجبل الأخضر الذي يُعد منطقة رئيسة للتنوع البيولوجي ويحتوي على نحو 60% من النباتات الوعائية في عُمان.
أما محمية الحجر الغربي لأضواء النجوم فهي مبادرة فريدة من نوعها، إذ لا يقتصر هدفها على حماية الحياة الفطرية بل يشمل حماية البيئة المظلمة من التلوث الضوئي، لتكون موقعًا مثاليًّا لرصد النجوم والفلك. وتُسهم في تعزيز الوعي بأهمية الظلام الطبيعي وحماية الكائنات الليلية مثل الوشق وبعض القوارض والخفافيش التي تعتمد على الظلام في نشاطها. وتتضمن نباتات مشابهة لتلك الموجودة في الجبل الأخضر، مع أنواع مقاومة للجفاف تتكيف مع الارتفاعات العالية.
جهود المراقبة
إلى جانب المحميات، تقوم هيئة البيئة بمبادرات استباقية لضمان استدامة الحياة الفطرية من خلال وضع الكاميرات الفخية. في خطوة مهمة لتعزيز جهود صون البيئة والحفاظ على التنوع الأحيائي، قامت هيئة البيئة بمحافظة الداخلية بتركيب عدد من الكاميرات الفخية في مواقع طبيعية ذات أهمية بيئية. وتأتي هذه المبادرة ضمن جهود الهيئة لمراقبة الحياة الفطرية والحد من التعديات على البيئة ومواردها.
وأشار المهندس حمد بن سعيد الفرقاني، رئيس قسم الالتزام البيئي بإدارة البيئة في محافظة الداخلية، إلى أن تركيب هذه الكاميرات يهدف إلى تحقيق عدة أهداف رئيسة، منها حماية وصون الموارد الطبيعية، إذ تعمل الكاميرات على رصد أي تعديات قد تحدث على الحياة الفطرية مثل الصيد الجائر أو التدهور البيئي، مما يساعد في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد المخالفين. كما تسهم في توثيق أنواع الكائنات الحية الموجودة في المحافظة، ودراسة سلوكها، وتحديد أماكن وجودها الرئيسة، مما يوفر بيانات قيِّمة للبحث العلمي، إضافة إلى دراسة سلوك الكائنات، وتوفير بيانات تُستخدم في إعداد الدراسات البيئية وتقييم حالة التنوع الأحيائي في المحافظة.
خطط مستقبلية
وحول الخطط المستقبلية، يوضح الفرقاني أن هيئة البيئة تسعى إلى توسيع نطاق استخدام الكاميرات الفخية في المحافظة لتغطي مناطق إضافية، وخاصة تلك التي تشتهر بتنوعها البيولوجي. كما تهدف الهيئة إلى استخدام التقنيات الحديثة في تحليل البيانات التي يتم جمعها، مما سيسهم في تحسين جودة المراقبة وفعاليتها.
ولتوفير مصدر مياه ثابت للحيوانات، خاصة خلال مواسم الجفاف، قامت الهيئة بإنشاء عدد من البرك المائية في مناطق متفرقة بالجبال بسعة تتجاوز 450 مترًا مكعبًا لكل منها. لا تعتبر هذه البرك مصدرًا أساسيًّا للشرب فحسب، بل يمكن استخدامها أيضًا كمصدر لمواجهة حرائق الغابات التي قد تنشب وتسبب دمارًا واسعًا للغطاء النباتي، وتسهم في حماية الغطاء النباتي الحيوي الذي يشكل أساس النظام البيئي.
إكثار النباتات
ويُعد مشتل إكثار النباتات البرية بالجبل الأخضر أحد المشروعات المهمة التي تديرها هيئة البيئة في سلطنة عُمان، ويأتي ضمن الجهود الوطنية الرامية إلى الحفاظ على الغطاء النباتي والتنوع الأحيائي الفريد للمنطقة. يهدف هذا المشتل الاستراتيجي إلى التركيز على إكثار النباتات البرية المهددة بالانقراض أو التي تشهد تناقصًا في أعدادها، مثل أشجار العلعلان والزيتون البري (العتم) والبوت والطلح وغيرها من الأنواع المعمرة والمحلية. كما يرفد المشتل بشكل رئيس "المبادرة الوطنية لزراعة 10 ملايين شجرة" التي أطلقتها هيئة البيئة في عام 2020 بتوفير الشتلات اللازمة لإعادة استزراع المناطق المتدهورة والمتأثرة بالتصحر في الجبل الأخضر وغيره من المناطق.
تُظهر هذه الجهود التزام سلطنة عُمان بحماية تراثها الطبيعي الفريد، فالتوازن بين التنمية والحفاظ على البيئة يُعد تحديًّا، ولكن من خلال هذه المبادرات تسير سلطنة عمان بخطى ثابتة نحو مستقبل مستدام، حيث يبقى التنوع البيولوجي في جبالها جزءًا حيًّا من هويتها الوطنية.