يقول سعود المظفر في إحدى رواياته: أنتم لم تفعلوا شيئًا وكلهم ليسوا خيرين، أكثرهم متزلفون، لو كانت معارفهم عظيمة ما فرَّطت فيهم أممهم الأصلية؛ ذلك لأنهم أدنى في أراضيهم، عقَدوا القوانين والأمور، وضاق الناس منها ونحن من حاول فينا أن يبرز أو يبتكر طُمر، شخصياتنا مزدوجة والطيبون منا دائما تحت ضغط الفاقة؛ لأنهم طيبون، نعرقل كل شيء وكل شخص، لماذا كل هذا؟». ستفهمون ماذا يعني كل هذا بعد قراءة المقالة، والتي لا بد أن يركز القارئ فيها على علاقة كل من العدالة المؤذية والعقلية المتسترة، وتأثير كل منهما على الآخر، بحيث أثناء ذلك، عليه أن يقارب كل ما يقرأه مع واقعه، شخصه، عقليته، وما مدى انطباقها مع طرح الكاتب للقضية.
قد يتساءل الكثير ويتعجب من عنوان هذه المقالة، لدرجة أنه قد يظنها مغالطة وليس لكاتبها أية معرفة علمية وثقافية خاصة فيما يتعلق بالعدالة على الأقل؛ وهم على حق في ذلك ولا يمكن شخصيا أن ألومهم، فكيف يمكن أن تكون العدالة مؤذية في حين أن المتعارف عليه هو أنها من أسمى الصفات والفضائل الإنسانية؛ لذلك سأعتذر مقدما إن كان من يظن ذلك (عدم معرفتي)، على حق فأنا فالحقيقة لست مفكرا أو حتى عالما وفيلسوفا فيما يتعلق بهذه المواضيع والمصطلحات؛ لذلك سوف أستعين في تفسيرها ببعض الفلاسفة والمفكرين، كذلك سأستعين بالواقع، فمتأكد من أن هذا الأخير هو أفضل إثبات ودليل على وجودها وليس على صحتها وخطئها، فهذه مسألة أخرى سنتطرق إليها لاحقا، فليس كل ما هو موجود بالضرورة يكون خاطئا أو صحيحا، بأهمية الأخذ بعين الاعتبار بنسبية الموضوع نفسه. يؤيد تشومسكي أهمية الواقع في كتابه غريزة الحرية عندما يقول: «إذا أردنا أن نناقش جديًا (أي موضوع كان)، -إن أردنا له أن يرتبط بخياراتنا وأفعالنا- لوجب علينا أن نناقش الواقع كما هو حتما. لذلك تصبح النقاشات منفصلة عن المجتمع مهما بلغت إثارتها الفكرية طالما لم يتم تقديم الحقائق المرتبطة بها بدقة...». كذلك أشار سلافوي جيجيك في كتابه فلسفة الفوضى إلى نقطة مهمة، ولا بد أن نعتبرها نقطة الأساس في إدراك وجود وحقيقة موضوعنا، فقد قال: «...حين يعاني بلد ما من المجاعة، يكون الجوع حقيقة لكن المهم هو كيفية إدراك هذه الحقيقة...». وأيضا هو الحال بالنسبة لموضوعنا، فامتلاك شخص أي شيء دون غيره على أسس غير قانونية موجود، ولكن المهم أيضا هو كيفية إدراك هذا الأمر.
وبالتالي لإدراك هذا الأمر، لا بد فيما يخص مصطلح العدالة، أن نخرج قليلا عن السياق المسلم به، وهو أنه مصطلح مهم وإيجابي ويدل على الإنصاف وعدم الانحياز وإعطاء كل ذي حق حقه، وذلك من خلال أن ننظر للجوانب المختلفة الأخرى التي من الممكن أن تصاحب هذا المصطلح.
ومتأكد أن أغلبكم قد تتبادر إلى ذهنه عدة تساؤلات، كيف يمكن الخروج عما هو مسلم به؟ هل يمكن إذن أن يحمل المصطلح جوانب أو مفهومًا يسيء للبعض كما هو في عنوان المقالة؟
قام الفيلسوف البريطاني برتراند رسل بطرح عدة كلمات: «زمن»، «مادة»، «شيء»، بطريقة جديدة ليزيل عنها ركاما من مسلمات متعاقبة، وبالطبع لست مغرورا بعد لأقول بأنني سأسير على نهج رسل، ولكنني سأقارب طرحه بطريقة بسيطة ومتواضعة جدا تتناسب مع كلمة عدالة، وأنوه بشكل ضروري على نقطة مهمة، وهي إن إمكانية الإجابة على السؤالين السابقين تكمن في عقلية من يمكن أن يتضرر من وجود العدالة، أي لا يمكن أن نقول بأن الجميع يرى بأن العدالة مؤذية، إلا في حالة واحدة، وهي أن يدرك الناس هذه الحقيقة، حقيقة أن بعضهم بالفعل سيتضرر، غير أن البعض سيُرجع سبب الضرر هذا إما للشخص نفسه، أو غالبا ما سيُرجعه لبعض التسهيلات (غير القانونية) من قبل بعض الجهات وليس بسبب وجود العدالة.
لتوضيح الموضوع أكثر، ذهبت بهدف الدراسة إلى إحدى مؤسسات التعليم العالي، وبعض الأماكن في المؤسسة تتوقف فيها أجهزة التكييف عند حلول وقت معين، غير أن بعضها لا يزال يعمل في أقسام أخرى، وللأسف كنت أنتمي للقسم الذي نال نصيبه من توقف أجهزة التكييف. قررت الذهاب لأحد المسؤولين عن أجهزة التكييف مطالبا بإمكانية تمديد فترة التوقف، قوبل طلبي بالرفض، فقلت: إن هذا القسم هو القسم الوحيد الذي تتوقف فيه الأجهزة في وقت معين، فسُئلت عدة أسئلة من ضمنها ماهي الأقسام الأخرى التي لا تنطفئ فيها الأجهزة؟ بطبيعة الحال امتنعت عن الإجابة، بالتأكيد أن ترك قسم دون الآخر من الأقسام بدون تكييف ليس عادلا، ولكن إن أجبت أو حتى أبديت نقاشا حول هذه الموضوع سيتم البحث فيه وبالتالي سيتعرض بقية الزملاء في الأقسام الأخرى لتوقف أجهزة التكييف أيضا، وبالتالي نعم، حلت العدالة، ولكن بتضرر الزملاء الآخرين في الأقسام المكيفة.
متأكد أن الكثير تعرض لمواقف مشابهة، ولكن لموضوعات مختلفة، قد تكون في مجال الإسكان، أو العقارات، أو التجارة أو أي مجال آخر، فهنا يمكن أن نحدد فئتين، فئة تضررت من انعدام العدالة، وفئة أخرى تضررت من وجود العدالة، ويمكن أن ينتمي الشخص للفئتين في نفس الوقت. فكما ترون ظهر سياق سلبي للعدالة، ولكن فقط من منظور المتضرر كما نوهت سابقا، أي أن الشخص في الفئة الثانية- بغض النظر عن الأسباب- يدرك بأن قيام العدالة سيضر بمصالحه الشخصية، وأن الشخص في الفئة الأولى مدرك أيضا- بغض النظر عن الأسباب- بأن مطالبته للعدالة ستضر بالشخص في الفئة الثانية، إلا في حالات نادرة يظن فيها بأنه المتضرر الوحيد من عدم قيام العدالة، وبالتالي لن تصاحب مطالبته أية وشاية أو تصيد للبقية.