رسالة المقاومة: «غزة ليست للبيع والفلسطينيون لن يبرحوا أرضهم»، هذه الجملة وحدها كافية لتعطي العالم درسًا للكفاح والتضحية من أجل الوطن.

هذه الجملة مفادها أن «الأرواح» توهب في سبيل الحفاظ على الأوطان ونيل الحرية، فالأرض كما نعرفها جميعا ليست مجرد حفنة تراب، بل هي جزء من تاريخ أمة لا يتجزأ عن حاضرها ومستقبلها.

إذا كان المحتل يرى أن «الإبادة الجماعية» هي السبيل نحو السيطرة الكاملة على الأرض، فإن شواهد الموتى في قبورهم، رمز خالد من التضحية والفداء عبر الزمن، فالأرواح التي يزهقها العدو من عدوانه لا يمكنه أن يحبسها بين يديه أو أن يقيدها بأغلال بل تظل محلقة في سماء الأرض الطاهرة، حتى يزلزل الله الأرض ومن عليها، أجساد الأبطال تفنى كغيرها لكن أرواحهم تظل حاضرة لا تموت «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ».

وعن الحرية يقول نيلسون مانديلا: «لقد سرت على الدرب الطويل للوصول إلى الحرية، وحاولت ألا أفقد حماسي، ولقد قمت ببعض الخطوات الخاطئة على طول الطريق، ولكنني اكتشفت السر أنه بعد تسلق جبل عظيم، يجد المرء أن هناك جبالا أخرى كثيرة ينبغي تسلقها» .. حديثه هو دعوة نحو الاستمرار في الكفاح من أجل نيل الحرية مهما وضع المحتل العراقيل.

قد تكون حياة الغزاويين في ظل الحرب، ليس أمرا سهلا، فغزة لم تعد تلك البقعة النابضة بالحياة، فالعدو الغاشم قد دمرها بالكامل، ومع ذلك ظل حب الأرض شيئا لا يمكن انفصاله عن الروح.

لقد سعى جيش الاحتلال منذ قرابة ثلاث سنوات على تدميرها وقصفها ليلا ونهارا مستخدما نيران أسلحته وآلياته الجرارة لطمس ملامح أرض خضبت صفحاتها بدماء الشهداء وذكريات الأمس التي لن تمحى تفاصيلها وإن كان الدمار هو الواقع الأليم الذي يراه العالم كل يوم.

وهذا ما ذهب إليه غاندي بقوله: «ليس هنالك طريق للسلام، بل إن السلام هو الطريق. إنّ طريق الاستقلال يجب أن تمهده الدماء».

ستظل البطولات تتوالى حتى آخر بطل صامد على أرض غزة الطاهرة، لن يهنأ المعتدي ويأمن، بل سيظل خائفا متوجسا من روح لا تزال حاضرة في جسد مقاوم حتى وإن كان ينزف من جراحه.. العدو لم يدع مكانا في غزة إلا وقد استهدفه وأصابه ودمره، لكن تكبيرات المصلين في مساجد غزة المدمرة لا تزال ترعب جنود الاحتلال، أصوأت المصلين تعلو من بين انقاض المنازل وخيام النازحين.

غزة لم تكن يوما مجرد أرض تؤوي سكانها الذين باتوا جوعى متعبين في البحث عن الأمان المفقود.. هكذا هو الواقع الذي صورته الكاتبة والشاعرة المصرية فاطمة ناعوت التي وصفت الوضع بالمأساة الإنسانية، فكتبت مقالا مطولا رسمت فيه كل خطوط العرض والطول في غزة، ولأهميته - نقتبس شيئا مما قالته: «غزة لم تعد مجرد شريط أرضي محاصر، بل صارت المحك الذي تُختبر به القيم والأخلاق ومدى يقظة الضمير.. وترى ناعوت أن كلّ رصاصة تسقط هناك تُسجَّل نقطة سوداء في دفتر الضمير الإنساني.. وكلّ صمت أمام جرائم الصهاينة في فلسطين يفتح الطريق لتكرارها في عواصم أخرى».. وأضافت تقول: «إن هذه البقعة الجريحة أصبحت مرآة تكشف صدق الشعارات: من يتحدّث عن الحرية وهو يتجاهل غزة يفقد مصداقيته، ومن ينحاز لها إنما ينحاز لكرامة البشر في كل مكان.. تحوّلت غزة إلى امتحان عالمي، لا يخصّ الفلسطينيين وحدهم، بل يخصّ مستقبل العدالة على الكوكب بأسره».. إلى آخر ما قالته.

بعد أشهر طويلة من الحرب والدمار والعذاب، ها هو المحتل الغاصب يتحرك بعتاد جيشه نحو احتلال شامل لأرض غزة التي دمر فيها المباني والأبراج، وقصف كل الأخضر واليابس، أرهب البسطاء وزرع في نفوسهم الخوف والوجع، والآن يمارس عدوانه بشراسة أكثر بعدما شهد العالم منذ أيام قليلة اعتراف دولي بدولة فلسطين كدولة عربية على خارطة العالم.

يبدو أن الحرب لن تتوقف ما يروج لها السياسيون في واشنطن وغيرها، لكن ما نعلمه تماما هو أن المقاومة ستظل صامدة حتى النهاية، فحرية الشعوب لا تأتي إلا من التضحيات والفداء، وما الأرواح إلا من الله، وإلى الله تعود، ستبقى عزة وكل شبر من أرض الأقصى المبارك قطعة من أرواحنا وسنظل نردد «عربية عربية.. فلسطين عربية العربية.. شهدانا قوافل وأعظمنا جبال».