في حياة الإنسان، تكون العلاقات أحيانًا جسرًا نحو النجاح، ومصدرًا للحظات جميلة لا تُنسى.
هناك من يصدق في مشاعره، ويتعامل بقلب نقي، وهناك من يُخفي خلف قناع الصدق نوايا مبنية على المصالح الذاتية.
ومع مرور الوقت، كلما كبر الإنسان ونضج، يبدأ يدرك أن الحياة زائلة، وأن لا أحد يدوم فيها.
لذا، لا تربط قلبك كثيرًا بمن حولك، ولا تجعل سعادتك رهينةً لوجود أحد. اجعلها في يدك، في قلبك، في نفسك.
آمن بأهدافك، واسعَ لتحقيقها. اجعل فرحتك في قربك من أهلك؛ فهم السند والداعم الحقيقي في رحلة الحياة.
انظر إلى الدنيا بعين المتفائل، وتعامل مع أيامها بحكمة واتزان، سواء كانت صعبة أو جميلة. حين تفعل ذلك، ستكون إنسانًا سعيدًا، مرتاح البال، خاليًا من الشكوى.
وهذا السلام الداخلي، في حقيقته، تصالح مع الذات.
فحين تتصالح مع نفسك، تصبح مرنًا في تعاملك مع الآخرين.
لن تُستفز بسهولة، ولن تردّ على كل كلمة تُقال لك، ولن تُرهق نفسك بمحاولات مستمرة لإثبات شيء ما لأحد.
الحقيقة التي يغفل عنها الكثير منّا، أن داخل كل إنسان عالمًا خفيًا يُحرّكه: هو اللاوعي. ذلك اللاوعي يحمل تجاربنا، جراحنا القديمة، وأفكارنا غير المنتهية، وقد يُخرجها فجأة وبقوة.
يُعنفنا داخليًا، يُرهقنا كثيرًا، ويدفعنا إلى صراعات قد لا نفهمها. ولأننا نسير في الحياة بلا توقّف، قد ننسى أن هناك محطاتٍ واجبٌ التوقف عندها، نُراجع فيها أنفسنا، نُهدّئ صخب الداخل، ونستعيد توازننا. فلو أهملنا هذه الوقفات، قد نصاب بإرهاقٍ نفسي يُعكّر علينا الحياة، ويجعلنا نعيش في دوّامة لا تنتهي، بين كيف نعيش مع الآخرين، وكيف يفهمنا الآخرون.
العلاقات الاجتماعية ضرورية لاتّزان الإنسان عاطفيًا ونفسيًا، لكنها سلاحٌ ذو حدّين. فبين الصدق والمصلحة، بين القرب الحقيقي والتقارب الشكلي، يتعلّم الإنسان، يتعثّر، يهبط، يصعد...
هناك الفرح والحزن، وهناك تضاد كثير في حياته. في النهاية، الترابط حبلٌ يصل، وحبلٌ قد ينقطع. لذا، من يكون في حياتنا مميزًا، يستحق القرب، ويستحق احترامه.
ونبتعد عن كل ما يُنغّص حياتنا: كلمة جارحة، أو هفوة متعمدة.
حتى نستطيع إكمال مسيرة الحياة، علينا أن نرحم الضعيف، نغفر الزلات، ونعطف، ونواسي، ونُقدّم ما نستطيع للآخرين.
لكن هذا الحبل...
لا يجب أن يكون مرتخيًا دائمًا. بل علينا أن نعرف جيدًا متى نتسلق به، ومتى نرسله لإنقاذ الآخرين.
متى نربطه في الدلو ليخرج لنا الماء من البئر، ومتى يجب ربط الإبل، ومتى نُرخيه للخيل، ومتى نَشُدُّه. حقًا... -الحبل- حروفه بسيطة، ولكن له فلسفة عميقة في حياتنا.
نقطة أخرى علينا التنبه لها: التواضع ليس أن نجعل من أنفسنا سُخريةً للناس، بل هو قيمة داخلية قوية.
لكن هناك من السفهاء من يظنه نقطة ضعف، وهم لا يعلمون أن المتواضع إذا غضب... فغضبه مزلزل، وهذا ما لا نرجوه أن يحدث.
الحياة تغيّرت. لم تعد كما كانت قبل عشرين سنة. دخلت ثقافات جديدة، وأصبح العالم قرية صغيرة. يستطيع الإنسان الانتقال من بلد إلى بلد بضغط زر في هاتفه. منهم من يأخذ الطيّب من تلك الثقافات، ومنهم من انهمك في أخذ كل سيئ. وهذا نراه فيمن يسمّون أنفسهم -مشاهير-.
شهرة بلا مقياس، بلا قيم، بلا ضوابط. رأينا سفهاء القوم يتصدرون المشهد، يتحدثون في كل شاردة وواردة.
وفي المقابل... خذل أهل الحكمة والعلم والثقافة شعوبهم، وانزَوَوا بعيدًا. المساحة اليوم مفتوحة للجميع، لكن ما يحدث محيّر. المال أسر القلوب والعقول، وصار مؤشرًا خطيرًا على انقطاع الحبل بين الجيل المتقدم والجيل الحديث المتهور. العلاقات الاجتماعية؟ صارت تُتداول على شاشات الهواتف، وانكشف الكثير مما كنا نحرص على ستره.
أما الحكمة...
الحكمة إذا قيلت في أرض غير صالحة، فلن تلقى صدى ولا أثرًا.
- الحكمة اليوم مسجونة بين قضبان الحداثة.
- دار عليها الزمن وتقوقعت في مكانها.
- تدور في فلك وحدها، بعيدة عن أرضنا.
مترنحة بين البقاء والزوال.
لكننا لا نيأس... نحاول أن نُساهم، ولو بشيء بسيط، في خضمّ الأحداث اليومية.
علّ كلمةً تُصيب النفوس بالخير، وتحدث أثرًا جميلًا في العلاقات الاجتماعية. نحاول أن نعود إلى البيت، إلى المجلس، إلى الحديث مع الكبار... نعيد التزاور بجمالياته، ذاك الذي يترك أثرًا طيبًا في نفس الصغير والكبير. أمنية... أن تعود علاقاتنا إلى سابق عهدها: نقيّة، صافية، ودودة، حنونة... كالبخور الذي يعطّر بيوتنا ويُرحّب بمن زارنا قبل أن يدخل.
شكرًا... لكل من قرأ بعض هذه الحروف، المُرسلة في دجى الليل، يزورها ضوء القمر، بين سحاب الخير، ونسماتٍ هادئة...
تُسَرُّ بها خواطرنا.