حاوره - فهد الزهيمي
تُعد الرياضات البحرية إحدى الرياضات التي تحمل في تفاصيلها ارتباطًا وثيقًا بالهُوية العُمانية، فالموروث البحري لسلطنة عُمان الممتد عبر قرون من الملاحة والتجارة البحرية يشكل ركيزة أساسية لإبراز قدرة الشباب العُماني على الإبداع والتميز في هذا المجال، وفي الوقت الذي تتسابق فيه الدول لتوظيف مواردها الطبيعية في تطوير الرياضة والسياحة معًا، تمضي سلطنة عُمان عبر اللجنة العُمانية للرياضات البحرية بخطوات مدروسة لبناء منظومة متكاملة تعنى بتأهيل الكوادر، وصناعة أبطال قادرين على تمثيل البلاد في الاستحقاقات القارية والدولية.
وفي ظل الاهتمام المتنامي الذي توليه سلطنة عُمان بتطوير مختلف الرياضات، تبرز الرياضات البحرية كأحد المجالات الواعدة التي تحمل في طيّاتها إمكانيات كبيرة على مستوى المنافسة الدولية والترويج السياحي والهُوية الوطنية المرتبطة بالبحر، ومن هذا المنطلق، تسعى اللجنة العُمانية للرياضات البحرية إلى رسم خطط استراتيجية واضحة، تعزز حضور سلطنة عُمان على الساحة الإقليمية والعالمية، وتفتح آفاقًا جديدة أمام الشباب العُماني لخوض تجارب رياضية ملهمة ترتبط بتراثهم البحري العريق.
وتتطلع اللجنة إلى أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة تحوّل نوعي، ليس فقط على صعيد نشر ثقافة ممارسة الرياضات البحرية بين فئات المجتمع، بل أيضًا من خلال إدماج هذه الرياضات في خطط التنمية المستدامة، وتعزيز الشراكات مع القطاعين العام والخاص، بما يضمن استدامة الموارد والدعم الفني والمالي، وبين طموحات الاستضافة لبطولات عالمية، وبرامج اكتشاف وصقل المواهب، يظل البحر نافذة أمل وفضاءً رحبًا لإبراز قدرات الشباب العُماني على الساحة العالمية.
كما أن الدور المنوط باللجنة العُمانية للرياضات البحرية في المرحلة المقبلة يتجاوز حدود التنظيم والإشراف، ليصبح أكثر شمولية واستراتيجية، حيث يهدف إلى تعزيز مكانة سلطنة عُمان كوجهة بحرية رائدة في المنطقة والعالم، فالرؤية واضحة هو استثمار الموقع الجغرافي المتميز لسلطنة عُمان، وتنوع سواحلها وبنيتها الأساسية، وتحويل ذلك إلى منصة جاذبة للأندية والمنتخبات الدولية للتدريب والمنافسة.
كما أن إدماج المرأة والشباب في هذه المنظومة يمثل أحد المرتكزات المهمة، تأكيدًا على دورهم كشركاء في صناعة المستقبل الرياضي البحري، ومع ما تشهده الرياضات البحرية من تطور عالمي متسارع، تبدو الفرصة مواتية أمام سلطنة عُمان لتكون في طليعة الدول التي تجمع بين التميز الرياضي والحفاظ على البيئة البحرية والاستدامة، وبين رؤية بعيدة المدى وخطط عملية قيد التنفيذ، تواصل اللجنة العُمانية للرياضات البحرية صياغة قصة نجاح جديدة، يكون عنوانها: "عُمان.. بحرٌ لا ينضب من الطموح والإنجاز".
مركز إقليمي للرياضات البحرية
«عُمان» حاورت علي بن سعيد بن علي فاضل رئيس اللجنة العُمانية للرياضات البحرية، الذي قال: رؤيتنا تتمثل في جعل سلطنة عُمان مركزًا إقليميًا للرياضات البحرية، ومنصة لإبراز طاقات الشباب العُماني في هذا المجال الحيوي، كذلك استراتيجيتنا مبنية على ثلاث ركائز: التوسع في نشر الرياضات البحرية، اكتشاف المواهب الوطنية وصقلها، وتعزيز الشراكات مع القطاعين الحكومي والخاص، ونحن نعمل بتكامل وثيق مع وزارة الثقافة والرياضة والشباب لتحقيق أهدافها في تمكين الشباب، ونربط جهودنا بأولويات «رؤية عُمان 2040»، التي تؤكد على التنويع الاقتصادي والسياحة الرياضية وتعزيز الهُوية الوطنية".
وحول أبرز الرياضات البحرية التي ستركز عليها اللجنة لتوسيع قاعدتها في سلطنة عُمان، قال: سنركز على الرياضات التي تتماشى مع طبيعة عُمان البحرية مثل الإبحار الشراعي، التجديف، التزلج على الماء، والغوص، ولدينا خطط عملية لنشر هذه الثقافة من خلال إقامة مهرجانات وفعاليات تعريفية، وإدخال الرياضات البحرية في البرامج المدرسية والجامعية، إضافة إلى التعاون مع الأندية والمراكز الشبابية، فهدفنا أن تصبح ممارسة هذه الرياضات جزءًا من أسلوب الحياة لدى المجتمع.
وأضاف في حديثه لـ«عُمان»: لدينا برامج موضوعة لاكتشاف المواهب العُمانية في الرياضات البحرية وهل هناك خطط واضحة لتأسيس منتخبات وطنية متخصصة، والبرنامج يبدأ من المدارس وينتقل عبر الأكاديميات والمراكز التدريبية، مع التركيز على التدريب العلمي والفني، ونسعى لتأسيس منتخبات وطنية متخصصة في عدة رياضات بحرية، بما يمكّنها من المشاركة الفاعلة في البطولات الإقليمية والدولية، ورفع اسم عُمان في المحافل العالمية.
شريك استراتيجي
علي فاضل، أوضح أن الشراكة مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص تسهم في تعزيز الاستدامة المالية والفنية للجنة، حيث إننا نتعاون مع المؤسسات الحكومية المعنية لتوفير الدعم اللوجستي والتنظيمي، ونسعى لجذب القطاع الخاص باعتباره شريكًا استراتيجيًا يضمن الاستدامة المالية، وهذه الشراكات لا تقتصر على الجانب المادي، بل تشمل أيضًا توفير خبرات فنية وتكنولوجية تدعم تطوير منظومة الرياضات البحرية، ونعتز بشراكتنا الاستراتيجية مع الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال، ونحظى باهتمام ودعم كاملين من المؤسسة التنموية للشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال انطلاقا من إيمان مجلس إدارتها بقيمة العائد والمردود من ممارسة الرياضات البحرية، ونقدم الشكر للمكرم الدكتور عامر المطاعني الرئيس التنفيذي للمؤسسة التنموية للغاز الطبيعي المسال، مؤكدين حرصنا على تعزيز أطر الشراكة مع المؤسسة نحو أفاق أرحب وأوسع بما يلبي أهداف الطرفين.
استضافة بطولات إقليمية وعالمية
وأكد رئيس اللجنة العُمانية للرياضات البحرية، أن اللجنة لديها النية لاستضافة بطولات إقليمية وعالمية في سلطنة عُمان خلال الفترة القادمة، حيث قال: نحن نعمل على وضع خطة لاستضافة عدد من البطولات الإقليمية والعالمية، مستفيدين من موقع عُمان الجغرافي ومقوماتها الطبيعية الفريدة، وبلا شك أن هذه الاستضافات ستضع سلطنة عُمان على خارطة الرياضات البحرية عالميًا، وستسهم في تنشيط السياحة الرياضية وتعزيز الاقتصاد الوطني.
وأضاف: اللجنة العمانية توازن بين تنظيم الفعاليات البحرية وضمان السلامة العامة للمشاركين والجماهير، فالسلامة أولوية قصوى لدينا، ونلتزم بالمعايير الدولية للأمن والسلامة، ونوفر فرق إنقاذ وطواقم طبية في جميع الفعاليات، كذلك بالنسبة للبيئة البحرية، فنحن نوليها اهتمامًا خاصًا من خلال وضع ضوابط صارمة للحفاظ عليها، وتنظيم حملات توعوية بيئية مصاحبة.
برامج مخصصة للمرأة
وحول دور اللجنة العُمانية في إشراك المرأة العُمانية في الرياضات البحرية، وتوسيع قاعدة الممارسين، قال: نحن نؤمن بدور المرأة العُمانية في مختلف المجالات وترجمنا ذلك باختيار فاطمة الفزارية في منصب الأمين العام للجنة العُمانية للرياضات البحرية، ولدينا برامج مخصصة لتمكين المرأة وتوفير بيئة تدريبية آمنة وداعمة لتمكينها من النجاح، كما نعمل على إشراك الطالبات والشابات في الفعاليات لتوسيع قاعدة الممارسين، مما يعزز الهُوية البحرية العُمانية المتجددة.
وأشار علي بن سعيد بن علي فاضل رئيس اللجنة العُمانية للرياضات البحرية إلى أن هناك تحديات تواجه الرياضات البحرية في سلطنة عُمان بقوله: الدعم المالي يعتبر أبرز التحديات التي تواجهها اللجنة ونحن لا نعتمد على الدعم الحكومي فقط وإنما نسعى جاهدين لتنويع مصادر الدخل وتوقيع شراكات تسويقية مع القطاع الخاص، كما أن الحاجة إلى رفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية الرياضة البحرية أحد التحديات التي وضعناها كأولوية، ورغم التحديات، إلا أننا في المقابل لدينا فرص واعدة، أهمها الموقع البحري المتميز لعُمان، والاهتمام المتزايد بالسياحة الرياضية، والدعم الحكومي المستمر، هذه العوامل تجعل سلطنة عُمان مؤهلة لتكون مركزًا إقليميًا للرياضات البحرية.
وختم علي بن سعيد بن علي فاضل رئيس اللجنة العُمانية للرياضات البحرية، حديثه لـ«عُمان» بالقول: رسالتي التي أود إيصالها للرياضيين والأندية، والمجتمع حول مستقبل الرياضات البحرية في عُمان، هي أن الرياضات البحرية ليست مجرد منافسة، بل هي وسيلة لتعزيز الهُوية العُمانية المرتبطة بالبحر، وفرصة لتمكين شبابنا من تحقيق إنجازات إقليمية ودولية، وندعو الجميع من مؤسسات وأندية وأفراد إلى دعم هذا المسار، لنكتب معًا فصلًا جديدًا من الحضور العُماني المشرق في الرياضة العالمية.
اكتشاف المواهب
وكانت وزارة الثقافة والرياضة والشباب قد أعادت مؤخرا تشكيل عددٍ من اللجان الرياضية خلال الفترة من أغسطس الماضي حتى 31 من يوليو 2027، حيث تمت إعادة تشكيل اللجنة العُمانية للرياضات البحرية برئاسة علي بن سعيد بن علي فاضل، وفاطمة بنت إبراهيم الفزارية أمينة للسر، وعضوية كل من: هلال بن حمد بن سالم السيابي، وجمعة بن خميس بن أحمد العامري، وعبدالعزيز بن سالم بن سيف الشيدي.
وتتولى اللجان الرياضية السياسات العامة للرياضة في سلطنة عُمان والعمل في إطارها لتعزيز التكامل مع الجهات ذات العلاقة وضمان التوافق مع الاستراتيجيات الوطنية، وإدارة وتنظيم شؤون الألعاب وفقًا للضوابط المعتمدة من الوزارة، ونشر اللعبة في المجتمع وتوسعة قاعدة ممارستها بما يعزز التنوع والاهتمام على المستوى الوطني، والمساهمة في إعداد الناشئين والشباب واكتشاف مواهبهم وتنميتها ورعايتها والإعداد لتحقيق الإنجازات الرياضية، وتنظيم المسابقات والبطولات بما يسهم في رفع مستوى التنافس لضمان استدامة الأداء والتطور المستمر، ووضع الخطط السنوية والموازنة التقديرية وفق المخصصات المالية ورفعها للوزارة لاعتمادها ومتابعتها، ووضع مؤشرات أداء الأعمال للجنة ورفع تقارير ربع سنوية عن مستوى التقدم المحرز إلى الجهات المختصة بالوزارة.
وتأتي إعادة تشكيل اللجان الرياضية في إطار سعيها لتعزيز مكانة الرياضة العُمانية وتطوير منظومتها بما يتماشى مع متطلبات المرحلة المقبلة، وهي خطوة جديدة نحو تعزيز الحوكمة الرياضية ورسم ملامح مستقبل أكثر استدامة للرياضة العُمانية، وفي إطار رؤية الوزارة لترسيخ العمل المؤسسي، وتفعيل الأدوار الاستراتيجية لهذه اللجان في اكتشاف المواهب بمختلف الألعاب، وضمان رفد المنتخبات الوطنية بعناصر مؤهلة قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا، بما يواكب تطلعات سلطنة عُمان نحو بناء قاعدة رياضية متينة تدعم الأندية والاتحادات وتعزز الطموحات المستقبلية.
كما تكتسب إعادة تشكيل هذه اللجان أهمية خاصة كونها تمثل الأذرع التنفيذية للوزارة في وضع البرامج والسياسات الميدانية، إلى جانب دورها المحوري في اكتشاف وصقل المواهب بمختلف الألعاب الرياضية، فاللجان ستعمل على بناء شبكة متكاملة للتنقيب عن الناشئين في المدارس والأكاديميات والأندية، وربطهم بالبرامج التدريبية المتقدمة التي تمهد الطريق أمامهم للانضمام إلى المنتخبات الوطنية.
كما يُنتظر أن تُسهم هذه اللجان في رفد المنتخبات الوطنية بخط متواصل من العناصر المؤهلة، بما يضمن الاستمرارية والاستقرار الفني ويقلل الاعتماد على الحلول المؤقتة أو الاستقطابات الخارجية، وهو ما يعزز الهُوية الوطنية للرياضة العُمانية ويرسخ حضورها على المستويين الإقليمي والدولي.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، فإن الفترة الزمنية المحددة (2025 - 2027) تعكس وجود خطة مرحلية يمكن من خلالها قياس النتائج وتقييم الإنجازات، بما يواكب تطلعات «رؤية عُمان 2040»، خاصة في ظل الطموحات الكبيرة للمشاركة في أولمبياد لوس أنجلوس 2028 وأولمبياد بريزبين 2032.
إيجاد حوكمة رياضية واضحة
كما أن إعادة تشكيل اللجان الرياضية يمنحها العديد من الأبعاد، ومنها البعد التنظيمي والبعد المؤسسي اللذان يسهمان في وضع السياسات والبرامج العملية، ويساعدان على إيجاد حوكمة رياضية واضحة، بحيث تُحدد الأدوار بين الوزارة والاتحادات والأندية، وتُعزز مبدأ المشاركة في اتخاذ القرار، كما تمنح اللجان فرصة لتجديد الدماء عبر إشراك خبرات جديدة من أكاديميين وإداريين ولاعبين سابقين.
وبلا شك أن تشكيل لجان متخصصة للألعاب المختلفة يُسهم في إيجاد شبكات متابعة ورصد للمواهب في المدارس والأندية، وتعد هذه اللجان حلقة وصل بين القطاع التعليمي (المدارس والجامعات) والقطاع الرياضي (الأندية والاتحادات)، لضمان ألا تضيع المواهب مبكرًا، كذلك تسهم في تفعيل آليات المسابقات والكشوفات الميدانية والبطولات التنشيطية بإشراف هذه اللجان، ما يفتح المجال أمام قاعدة واسعة من الناشئين.
وتسهم أيضًا هذه اللجان في رفد المنتخبات الوطنية، وذلك عندما تُدار عملية اكتشاف المواهب بآلية منهجية من خلال هذه اللجان، فإن ذلك يوفر خط إمداد مستمر للمنتخبات الوطنية، ويسهم في بناء هرم رياضي متكامل يبدأ من القاعدة (المواهب) وصولًا إلى القمة (المنتخب الأول)، كما يقلل الاعتماد على الاستقطاب الخارجي أو الحلول المؤقتة، ويُعزز من الهُوية الوطنية للمنتخبات.
تطوير استراتيجية الرياضة العُمانية
أما البعد الاستراتيجي، فإن الفترة الزمنية المحددة (2025 - 2027) تُظهر أن هناك خطة مرحلية مرتبطة بأهداف يمكن قياسها وتقييمها عند نهاية الدورة، وهذه اللجان ستشكل أرضية لتطوير استراتيجية الرياضة العُمانية، خاصة في ظل الطموحات الأولمبية والآسيوية، كما تدعم التوجه نحو الرياضة المجتمعية وزيادة المشاركة الشعبية في مختلف الألعاب، وهو ما يوازي جانب صناعة الأبطال.
وبهذا، فإن إعادة تشكيل اللجان الرياضية تمثل خارطة طريق عملية نحو صناعة جيل جديد من الأبطال، وتعزيز حضور الرياضة العُمانية في المحافل الدولية، إلى جانب توسيع قاعدة الممارسة المجتمعية ونشر الثقافة الرياضية في مختلف ربوع سلطنة عُمان، كما أن إعادة تشكيل اللجان الرياضية ليس مجرد إجراء إداري، بل هو خطوة استراتيجية تُعزز من قدرة سلطنة عُمان على بناء منظومة رياضية متكاملة، تبدأ من التنقيب عن المواهب في القاعدة، مرورًا بصقلها في الأندية والأكاديميات، وصولًا إلى رفد المنتخبات الوطنية بعناصر مؤهلة قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا.