أوصى مؤتمر التشريعات والتحول الرقمي في القطاع الصحي في ختام أعماله اليوم بإصدار تشريع قانوني يشمل تنظيم الخدمات والتجارب الطبية الرقمية، وحماية البيانات الصحية والحيوية، مع مواءمة هذا التشريع بما يخدم التطلعات المستقبلية للخطط الاستراتيجية الوطنية ويتماشى مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالقطاع الصحي، وإصدار تشريع شامل ينظّم توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الحقل الصحي، ويبيّن الأحكام والآثار القانونية المترتبة عليه، مع الاستفادة من التجارب الدولية، وإنشاء مرجعية وطنية لتعزيز الحوكمة الرقمية الصحية وفق رؤية عُمان 2040، ودعوة المشرع العماني إلى عدم التوسع في الاستثناءات الواردة على مبدأ التزام الطبيب بالمحافظة على أسرار المريض؛ باعتباره حقاً دستورياً يتعلق بالحياة الخاصة للمريض، وأتمتة المسار الصحي من الجانب القانوني والقضائي والفني بالتعاون مع المؤسسات ذات العلاقة، وفق استراتيجية وطنية تواكب رؤية عمان 2040م.
كما دعا المؤتمر إلى تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مجال الصحة الرقمية، وتبادل التجارب الناجحة في هذا المجال، وتعزيز الإطار القانوني للموافقة المستنيرة عبر المنصات الرقمية بسنِّ تشريعات قانونية تنظم الحصول على موافقة المريض عند تقديم الخدمات الصحية رقمياً، مع اعتماد وسائل توثيق تقنية (صوتية/مرئية) لضمان حقوق المريض، وتوعية كل من الممارسين والمرضى بالحقوق والالتزامات المترتبة عن استخدام التقنيات الحديثة المستخدمة في هذا الشأن، وإدماج الثقافة القانونية والرقمية في التعليم الصحي وربطها ببرامج علمية وتطبيقية في المؤسسات الصحية الأكاديمية، مع الاهتمام بالكوادر والمخرجات الوطنية المتخصصة في هذا المجال، والمساهمة في إعداد بحوث علمية مشتركة بين مختلف المؤسسات الأكاديمية والقضائية والعاملين في القطاع الصحي والقطاعات ذات العلاقة بما يساهم في تطوير مجالات الرعاية الصحية الرقمية.
وتضمن المؤتمر في يوم الثاني ورقة عمل بعنوان "ما بين الإرشادات الأخلاقية والآثار القانونية القابلة للتنفيذ (توجه الهيئات التنظيمية دول العالم)"، قدّمها الدكتور حسن بن سعيد البوسعيدي، استشاري أول في المستشفى السلطاني، بعدها انطلقت الجلسة الثالثة بعنوان “الأطر الأخلاقية للممارسات الصحية الرقمية”، تناولت الورقة الأولى المحافظة على خصوصية وأسرار المريض في القانون العماني، قدمها الدكتور سالم بن سلمان الشكيلي استاذ زائر في الجامعة العربية المفتوحة، فيما تناولت الورقة الثانية التزام الطبيب بتبصير المريض بالعلاج قدمها سعود بن أحمد السعدي أمين سر بالمجلس الأعلى للقضاء، وتضمنت الورقة الثالثة الموافقة المستنيرة للمريض عبر المنصات الرقمية والورقة الرابعة ناقشت الموافقة المستنيرة على الأعمال الطبية بين الواقع التشريعي ومقتضيات العصر الرقمي.
كما ناقشت الجلسة الرابعة “توظيف الذكاء الاصطناعي في الخدمات الصحية الرقمية”، حيث استعرض الباحثون في الورقة الأولى المسؤولية المدنية الطبية في مواجهة تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الطبية وتشخيص الأورام وصياغة العقود الصحية الذكية، وناقشت الورقة الثالثة توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في صياغة عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال تحسين الرعاية الصحية، أما الورقة الرابعة فتناولت التحول الرقمي وإثبات الخطأ الطبي نحو تخفيف عبء الإثبات عن المريض في ظل التشريعات الحديثة، واختُتمت الفعاليات بالجلسة الخامسة التي حملت عنوان “الرؤية المستقبلية لتطوير القطاع الصحي”، وركزت على سبل الاستفادة من التجارب العالمية في التشريعات الصحية الرقمية، وآليات دمج الذكاء الاصطناعي في الخطط الوطنية المستقبلية، بما يعزز كفاءة وجودة الخدمات الصحية.
وتطرقت ورقة عمل طرحتها شهدت بنت خلفان الرحبية باحثة في القانون الخاص إلى الموافقة المستنيرة على الأعمال الطبية في ظل التحول الرقمي ، وأوضحت أن المشرع العُماني اكتفى بتنظيم مبدأ الموافقة بشكل عام دون بيان مفهومها الحديث أو تنظيمها في صورتها الرقمية، كما ناقشت الورقة التحول الذي طرأ على شكل الموافقة من صورتها التقليدية إلى صورتها الإلكترونية، والتحديات المرتبطة بإثباتها قانونًا، إضافة إلى الحالات التي يجوز فيها تجاوزها كالطوارئ والأمراض المعدية، مشيرة إلى الحاجة لوضع إطار قانوني واضح يواكب التطورات الرقمية ويحفظ في الوقت نفسه حقوق المريض، وأكدت على ضرورة تطوير التشريعات الوطنية الصحية بما يتلاءم مع متطلبات العصر الرقمي، ورفع مستوى الوعي المجتمعي والطبي من خلال تنظيم حلقات عمل ومحاضرات تثقيفية تستهدف أفراد المجتمع والكوادر الصحية، بما يعزز ثقافة المسؤولية المشتركة في المسائل الطبية.
وقال خميس بن راشد العبري محام مقبول أمام المحكمة العليا: إن المؤتمر يشكل محطة مهمة لتعزيز التكامل بين الجانب القانوني والتقني والطبي، ويأتي تخصيص اليوم الثاني من المؤتمر لموضوع المحكمة الصورية والتحول الرقمي والأخطاء الطبية ليؤكد أهمية إيجاد آليات عملية تُمكّن من محاكاة الواقع القضائي وتطوير أدوات تقنية حديثة تساهم في رفع كفاءة العدالة الصحية وضمان حقوق المرضى والأطباء على حد سواء، إن الأخطاء الطبية تُعد من أكثر الملفات حساسية، وهي تتطلب تشريعات دقيقة وإجراءات رقمية متقدمة تسهم في تسريع التقاضي، وتوفير الشفافية، وتسهيل الإثبات، وحماية السرية الطبية، بما يتماشى مع المعايير الدولية، ويؤكد العبري بأن إدماج التحول الرقمي في القطاع الصحي والعدلي يفتح آفاقاً واسعة أمام المشرعين والمحامين والقضاة لابتكار حلول قانونية تراعي سرعة التطور التكنولوجي، وتحد من النزاعات عبر أنظمة توثيق رقمية دقيقة، بما يضمن تحقيق العدالة الناجزة، مبيناً بأن مثل هذه المؤتمرات تسهم في ترسيخ ثقافة القانون الرقمي الصحي، وتدعم جهود سلطنة عمان في بناء منظومة تشريعية وقضائية متطورة تُواكب رؤية "عُمان 2040".