مع تصاعد وتيرة التغييرات الاقتصادية المتسارعة في سلطنة عُمان وكذلك التحولات الاقتصادية المدفوعة برؤية "عمان 2040"، يبرز تمكين المرأة كعامل حيوي لتعزيز قدرة القطاع الخاص على النمو والمنافسة، وتنويع الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة، حيث يمثل تمكين المرأة العمانية في قطاع الأعمال ركيزة أساسية ضمن هذه المسارات التنموية، انطلاقا من رؤية واضحة تؤكد أهمية مشاركة المرأة في تنمية الاقتصاد الوطني.
وفي هذا الإطار ظهرت جهود متعددة تبذل على المستويين المؤسسي والمجتمعي لدعم صاحبات المشاريع، عبر مبادرات تهدف إلى معالجة التحديات التي تواجههن وتهيئة بيئة أكثر مرونة تساعد على نمو المشاريع النسائية وتوسعها في مختلف القطاعات.
ولتسليط الضوء على واقع صاحبات الأعمال في سلطنة عمان، وأهمية تمكينهن في تعزيز مساهمة القطاع الخاص، استطلعت "عُمان" آراء عدد من صاحبات الأعمال العمانيات للتعرف على أهمية التمكين الاقتصادي للمرأة، ومناقشة التحديات التي لا تزال تواجه الكثير منهن في رحلتهن الريادية، والعمل على تهيئة بيئة أكثر دعما ومرونة تسهم في تحقيق التمكين الفعلي والمنتج.
استثمار في الكفاءات الوطنية
وأكدت أريج بنت محسن الزعابية، رئيسة لجنة صاحبات الأعمال بغرفة تجارة وصناعة عمان أن التمكين الاقتصادي للمرأة يجب ألا يُنظر إليه من زاوية اجتماعية فقط، بل باعتباره ضرورة تنموية واقتصادية في المقام الأول، وقالت: "إن تمكين صاحبات الأعمال ليس فقط دعما للمرأة بل استثمار في كفاءة وطنية تحمل أفكارا متجددة وتسهم بفعالية في تحقيق أهداف التنويع الاقتصادي؛ فعندما يتم تمكين المرأة من تأسيس مشروعها الخاص وتوسيع نطاقه، فإنها تضيف قيمة حقيقية للناتج المحلي وتفتح المجال أمام توفير فرص عمل جديدة وتقديم منتجات وخدمات تلبي حاجات المجتمع بطرق مبتكرة".
وأشارت إلى أن المرأة العمانية اليوم دخلت في مجالات لم تكن مألوفة سابقا، مثل التقنية والتصميم الصناعي والخدمات المهنية المتقدمة، مستفيدة من التغيرات في أنماط العمل والفرص المتاحة في التجارة الإلكترونية والتحول الرقمي، وقالت: "هذا الحراك النسائي في القطاع الخاص يعكس قوة الإرادة لدى رائدات الأعمال العمانيات، ويحتاج إلى بنية داعمة وهو ما تسعى لجنة صاحبات الأعمال بغرفة تجارة وصناعة عمان إلى تقديمه من خلال دراسة التحديات التي تواجه رائدات الأعمال وبحث الحلول المناسبة، وتنظيم حلقات ولقاءات مع الجهات ذات العلاقة". وأوضحت أريج الزعابية بأن اللجنة تعمل على نقل أفكار ورؤى صاحبات الأعمال للجهات الحكومية، من أجل مراجعة السياسات وتحسين البيئة التشريعية بما يجعلها أكثر مرونة وشمولا، وقالت: "نطمح إلى رؤية صاحبات الأعمال لا فقط كمستثمرات محليات، بل كمنافسات على مستوى الأسواق الإقليمية والدولية".
النمو الاقتصادي
من جانبها قالت رائدة الأعمال عزة بنت علي السالمية، صاحبة مؤسسة عزة الشأن للتجارة، إن تمكين صاحبات الأعمال يعد من أبرز محركات التقدم المجتمعي والنمو الاقتصادي، مؤكدة أن المشاريع النسائية تسهم بإضافة قيمة نوعية عبر أفكار مبتكرة تتناغم مع احتياجات المجتمع وتواكب تطلعات السوق المحلي، وقالت: المجتمع اليوم بحاجة إلى مبادرات ومشاريع تنبع من فهم حقيقي لطبيعته الثقافية والاجتماعية، وهو ما تتميز به الكثير من رائدات الأعمال العمانيات بفضل قربهن من تفاصيل السوق ومرونتهن في التكيف مع المتغيرات.
وترى أن أبرز التحديات التي تواجه رائدات الأعمال لا تقتصر على الجوانب المالية أو التسويقية، بل تشمل أيضا ضعف المعرفة بالإجراءات الإدارية والتشريعية.
و أشادت بجهود الجهات المعنية في فتح آفاق أوسع لصاحبات المشاريع، سواء من خلال تنظيم المعارض المحلية أو إتاحة فرص المشاركة الخارجية، وهو ما ساهم في تعزيز حضورهن بالسوق وتوسيع نطاق أعمالهن. وقالت: "كانت مشاركتي في عدد من الفعاليات نقطة تحول، حيث ساعدتني على الوصول إلى عملاء جدد وتوسيع شبكة العلاقات، ما انعكس إيجابا على أداء مشروعي".
مواكبة المتغيرات
و قالت رائدة الأعمال مريم بنت عبدالله العريمية، صاحبة مشروع مارسوليل للعطور، إن التوسع في الأعمال التجارية لم يعد ممكنا في ظل التحولات الرقمية المتسارعة دون الاعتماد على التجارة الإلكترونية والتسويق الرقمي، مؤكدة أن تمكين صاحبات الأعمال في هذا المجال يتطلب توفير الدعم الفني والتدريب المستمر.
وأوضحت أن كثيرا من رائدات الأعمال في سلطنة عمان يبدأن مشاريعهن من خلال منصات التواصل الاجتماعي، إلا أن ضمان الاستمرارية والنجاح يستدعي احترافية في التعامل مع أدوات العرض والتسويق ومواكبة التغيرات التقنية المتسارعة. وأضافت أن تعزيز حضور المرأة في القطاع الرقمي من شأنه تسريع النمو الاقتصادي، وتمكينها من المنافسة من مختلف محافظات سلطنة عمان، وهو ما يمثل تحولا نوعيا في مفهوم ريادة الأعمال.
الابتكار والقيادة
من جانب آخر قالت رائدة الأعمال حبيبة بنت علي المحروقية، نائبة مدير المكتب الوطني الهندسي "NEO": إن تمكين صاحبات الأعمال يمثل أحد المفاتيح الأساسية لتعزيز النمو الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل، مؤكدة أن المرأة العمانية تمتلك قدرات عالية على الابتكار والقيادة إذا ما أتيحت لها البيئة المناسبة، وأضافت: "تمكين المرأة اقتصاديا يعد استثمارا في طاقات حقيقية وفاعلة تملك القدرة على تحريك عجلة التنمية في مختلف القطاعات".
وأوضحت أن دعم صاحبات الأعمال يجب أن يبنى على فهم واقعي للتحديات التي تواجههن، سواء من حيث التمويل أو الوصول إلى الأسواق أو المهارات الإدارية المتخصصة، مؤكدة أن السياسات الوطنية الداعمة لريادة الأعمال لا بد أن تكون شاملة ومراعية لخصوصية مشاريع المرأة العمانية.
وأشادت المحروقية بالدور الحيوي الذي تضطلع به لجنة صاحبات الأعمال في غرفة تجارة وصناعة عُمان، حيث تسهم اللجنة من خلال تنظيم الفعاليات المتخصصة، مثل الحلقات النقاشية واللقاءات المفتوحة، في تعزيز التواصل المباشر بين صاحبات الأعمال والجهات الداعمة، مما يساعد على تبادل التجارب وتطوير آليات العمل بما يتناسب مع احتياجات السوق.