تعتبر جامعة الدول العربية المنظمة الأقدم والأكبر والأهم في العالم العربي، ومثلت في تاريخها، تاريخ الدول العربية على امتداد ثمانية عقود متتالية. ذلك يعني أنها تحتوي في مجريات تاريخها على صورة مكثفة عن تاريخ العالم العربي المعاصر ومستوى وكيفية عمل منظمة من منظماته الكبرى التي كان من المؤمل أن تكون إحدى الأدوات الأساسية في تنسيق جهوده وقواه الجماعية لحماية أمنه القومي ومصالحه العليا في مواجهة التحديات ودرء الأخطار التي تواجه الدول العربية وشعوبها، والحفاظ على أمن وسيادة واستقلال هذه الدول وتوحيد جهودها الجماعية المشتركة في التعاون مع القوى الكبرى في العالم والتجمعات الإقليمية والدولية الفاعلة. انقضت ثمانية عقود على تأسيس جامعة الدول العربية (مارس١٩٤٥) وكانت مليئة بأحداث وتحولات كبرى شهدها العالم بشكل عام والمنطقة العربية على وجه الخصوص.

وعلى الرغم من التطورات التي حدثت في العالم العربي والتغيرات التي شهدها المحيط الإقليمي وعلى الصعيد العالمي، لم يحصل في الحقيقة تطور جوهري في مؤسسة الجامعة العربية ينقلها إلى مرحلة التأثير الفعلي على مجريات الأحداث في المنطقة بما يحافظ على المصالح العليا للأمة العربية وشعوبها ودولها.

لكنها استطاعت الحفاظ على القدر الضروري من وجودها وبقائها كمنظمة يجتمع العرب تحت مظلتها على مستويات القادة ووزراء الخارجية والمجالس الوزارية الأخرى والمنظمات العربية المتخصصة في إطار العمل العربي المشترك، وهذا بحد ذاته مكسب يتوجب المحافظة عليه.

وأمام التحديات المصيرية الكبرى التي يواجهها العالم العربي دولا وشعوبا، فإنه يتوجب النظر جديا في تطوير عمل هذه المنظمة والعمل العربي المشترك بشكل عام وآلياته المختلفة وذلك وفقا للأولويات التالية:

أولا: الأمن القومي العربي الذي لم يكن مهددا في التاريخ العربي المعاصر كما هو الآن وفي هذه الظروف الخطيرة التي نعيشها. والمهدد الرئيسي للأمن القومي العربي هو مشروع إسرائيل الكبرى الذي أعلن عنه رئيس الحكومة الإسرائيلية مؤخرا، الهادف إلى تصفية القضية الفلسطينية وقضم أراضي عدد من الدول العربية وإعادة رسم خرائط المنطقة وصولا إلى الهيمنة التامة عليها ونهب ثرواتها وطمس ثقافتها وهويتها الحضارية.

إن هذا الخطر الداهم يجب أن يوحد جهود كافة الدول العربية وهي كبيرة ومتنوعة وقادرة على هزيمة هذا المخطط الذي بدأ بحرب الإبادة الهمجية على قطاع غزة.

لا يوجد خيار آخر سوى رفع راية المواجهة والتصدي للغطرسة والوحشية الإسرائيلية التي تجاوزت كافة الأعراف والقوانين والمحرمات وفاقت في جرائمها ما فعله النازيون في الحرب العالمية الثانية.

ثانيا: ميثاق جامعة الدول العربية الذي لم يتغير منذ العام ١٩٤٥ حتى يومنا هذا، بالرغم من إجراء بعض التعديلات عليه كإضافة مواد أو ملاحق لكنها ليست جوهرية. والميثاق هو عصب الحياة بالنسبة لعمل كافة المنظمات الإقليمية والدولية، والظروف الحالية تستوجب تغيير الميثاق الحالي بما يستجيب للحاجة لتفعيل عمل الجامعة العربية وتنشيط دورها محليا وإقليميا ودوليا.

ثالثا: مجلس السلم والأمن العربي وأهمية تفعيل عمله والنظر في ضرورة تعديل نظامه الأساسي الذي جعله مقيدا وغير فاعل.

رابعا: معاهدة الدفاع العربي المشترك التي أُقرت عام ١٩٥٠ والنظر في إمكانية تطويرها وتفعيل العمل به، بما يحفظ سيادة الدول العربية واستقلاها وعدم التأثير على قرار كل دولة السيادي، وذلك للحفاظ على الإجماع العربي وتقليل حجم الخلافات.

خامسا: تشكيل مجموعة عمل رفيعة المستوى يطلق عليها (مجموعة الحكماء) للعمل على حل الخلافات العربية البينية، ومساعدة الدول العربية التي تعاني من أزمات وصراعات داخلية على إيجاد حلول لها بما يحقق المصالح العليا لشعوبها ويجنبها الفتن والمواجهات الدامية وهدر الموارد.

إن بقاء الخلافات العربية - العربية (إن وجدت) دون حل وكذلك الصراعات الداخلية في بعض الدول العربية سيؤدي حتما إلى إضعاف تلك الدول بما يخدم المشروع الإسرائيلي الذي من بين أهم أهدافه تقوية إسرائيل وإضعاف وتقسيم محيطها العربي.

سادسا: الأمن الغذائي العربي الذي يعتبر حلقة مهمة من حلقات الأمن القومي العربي وضرورة الاهتمام به من خلال دعم المشروعات الزراعية والاستثمار فيها في مختلف الدول العربية.

سابعا: التجارة العربية البينية وأهمية زيادة حجم الاستثمارات وتسهيل تنقل رؤوس الأموال والبضائع وزيادة حجم التبادل التجاري بين الدول العربية بما يحقق عوائد مجزية لهذه الدول ويرفع كفاءة القطاعات الإنتاجية والصناعية فيها ويعزز تكاملية الاقتصادات العربية ويوفر فرص وظيفية لملايين الباحثين عن عمل في الدول العربية.

إن الإرادة العربية الجماعية يجب أن تسمو فوق أية خلافات أو حساسيات وترتقي إلى مستوى التحديات المصيرية التي تواجه كافة الدول العربية وشعوبها، وإن تطوير عمل هذه المنظمة العربية الكبرى والجامعة للعرب أصبح مطلبا ملحا تمليه الظروف والتحديات الحالية والمستقبلية، وكذلك التحولات الجذرية التي يشهدها النظام العالمي من حولنا، وهذا المطلب قابل للتحقيق وليس حلما بعيد المنال.

د. سعيد بن محمد البرعمي كاتب عماني.