تشكل "دار الحنان" التابعة للجمعية العمانية للسرطان منذ افتتاحها في عام 2011، في محافظة مسقط، التي يقع مقرها بالقرب من المستشفى السلطاني في بوشر محطة إنسانية استثنائية في حياة الكثيرين، حيث فتحت أبوابها للأطفال المصابين بالسرطان وأسرهم سواءً كانوا عمانيين أو مقيمين، لتقدم لهم خدمات إيواء ورعاية متكاملة، جعلت من المكان أكثر من مجرد مأوى ليصبح بيتا يعج بالأمان والحياة والأمل، حيث تجمع الدار بين الرعاية الطبية المساندة والدعم النفسي والاجتماعي.
وقالت منى العوفية متطوعة بدار الحنان: إن عدد الحالات المستفيدة من خدمات الدار تجاوز 800 طفل وأسرة.
وبيّنت العوفية أن فكرة إنشاء الدار انطلقت من معاناة واقعية رصدتها الجمعية العمانية للسرطان، بعد أن لوحظ وجود مراكز علاج الأورام جميعها في محافظة مسقط، مؤكدة أن الأطفال المصابين بالسرطان من خارج مسقط كانوا يواجهون تحديات كبيرة أبرزها النقل اليومي أو الإقامة لفترات طويلة بسبب مواعيد العلاج والحقن المستحقة لمحاربة السرطان، وكان ذلك يضيف عبئا نفسيا وماليا على أسر المصابين.
خدمات متكاملة
موضحةً، أن هذا الواقع الصعب دفع الجمعية للتفكير في مشروع يوفر المأوى والرعاية مجانا ليستطيع الأطفال إكمال كل مراحل علاجهم دون تأخير في عياداتهم، وذكرت العوفية، أن الدار لم تكن مجرد مكان للنوم، ولكن سعى العاملون والمتطوعون في الدار إلى جعلها بيتا يقدم خدمات متكاملة، مؤكدة أن الدار توفر الغرف للأطفال مع مرافقين اثنين، تشمل إقامتهم توفير الوجبات الرئيسة الثلاثة، وغسيل ملابس المقيمين بالدار مجانا، وتوفير سيارات لنقل الأطفال من الدار إلى المستشفيات التي يتابعون فيها العلاج.
وتتابع الدار مواعيد العلاج وتقدم الدعم النفسي الذي يساعد الأطفال على مواصلة تعليمهم رغم ظروف المرض.
وأشارت العوفية إلى أن الدار تعمل وفق آلية دقيقة تبدأ من المستشفى، حيث يتم استلام استمارة تحويل وفتح ملف لكل طفل ومتابعة جميع تفاصيل العلاج، موضحة أن هناك مشرفات مدربات يعملن على مدار الساعة في ثلاث ورديات لضمان راحة الأسر وتلبية احتياجاتها في أي وقت.
أمل وصمود
قدمت العوفية أمثلة لقصص أمل وصمود، ذكرت منها حالة طفل دخل الدار بعمر ثلاث سنوات ونصف وأصبح اليوم شابا متعافيا في الثانية والعشرين، ويزور الدار بين حين وآخر ليشارك بخبراته ويحفز الأطفال الجدد على الصمود، مؤكدة أن هذه القصص تعطي الدار قوة للاستمرار، وأضافت: إن بعض الأطفال يبدأون العلاج في عمر مبكر جدًا، مشيرة إلى وجود أطفال جاؤوا في عمر شهرين فقط، حيث تستقبل الدار الأطفال حديثي الولادة حتى عمر السابعة عشرة.
أوضحت العوفية أن الدار تحرص على أن يكون للأطفال حياة قريبة من الطبيعية قدر الإمكان، حيث توجد مدرسات متطوعات يقدمن دروس تقوية وورشا للرسم والخياطة وتقدم الدار حفلات صغيرة بعض الأحيان لزرع البهجة في نفوسهم، مشيرة أن هذه التفاصيل تجعل الأطفال يتجاوزون لحظات الألم ويشعرون أنهم ليسوا وحدهم، وأشارت إلى أن الدار لا يغفل عن الأمهات حيث يقام لهن جلسات توعية نفسية وصحية لأن صمود الأم ينعكس مباشرة على نفسية الطفل.
وأكدت العوفية أن تبرعات المجتمع مهمة جدا، مشيرة إلى أن الناس يحبون التبرع بالألعاب والهدايا، لكنها أشارت إلى أن الاحتياجات الأساسية أكبر لأغراض مثل حليب الأطفال والحفاضات والأدوية والأجهزة الطبية والدعم المالي المباشر، مؤكدة أن هذه التبرعات تحدث فارقا حقيقيا في الحياة اليومية للدار. وأشارت إلى أن بعض الأفراد والشركات يقدمون دعما نوعيا مثل أجهزة حواسيب أو تمويل عمليات، وهو ما يعد ركيزة أساسية لاستمرارية الدار.
تكاليف وتحديات
وبيّنت العوفية حجم التحديات المالية التي تواجهها الدار كبيرة، حيث أن تشغيلها يكلف نحو نصف مليون ريال عماني سنويا، وأضافت: إن هناك خطة مستقبلية لبناء دار جديدة تتوسط المستشفى السلطاني ومستشفى الجامعة اللذين يقدمان خدماتهما لمرضى السرطان، وذلك في منطقة العرفان بمحافظة مسقط، بتكلفة تصل إلى سبعة ملايين ريال عماني، على مساحة تقدر بـ8800 متر مربع، تضم أكثر من 40 غرفة وتستوعب نحو 40 مريضا سواءً كانوا من الأطفال أو كبار السن يوميًا، مؤكدةً أن المشروع ليس رفاهية بل ضرورة مع تزايد الطلب على الخدمة وقائمة الانتظار اليومية التي تضم من 8 إلى 10 حالات.
وقاية قبل العلاج
أشارت العوفية إلى أن الجمعية تدير أيضًا ثلاث عيادات متنقلة لفحص الماموجرام لتقديم الفحص المبكر لسرطان الثدي في المحافظات، مؤكدة أن هذه العيادات كشفت عن الكثير من الحالات في مراحل مبكرة، وهو ما يقلل التكلفة ويرفع فرص الشفاء ويخفف الضغط على المستشفيات، فتكلفة علاج سرطان الثدي تبدأ من 8500 ريال في المراحل المبكرة وتصل في المراحل المتقدمة إلى 250 ألف ريال عماني، ومع ذلك أن الحكومة تقدمها مجانا وأشارت العوفية إلى أن هدفهم تغطية جميع ولايات سلطنة عمان في المستقبل.
وأوضحت أن المجتمع شريك أساسي في نجاح الدار، وأن دعمهم يتنوع بين مبالغ مالية وأجهزة وجهود تطوعية، وأن الإعلام يلعب دورا كبيرا في نشر ثقافة التبرع الذكي وتوجيه المجتمع نحو الأولويات، مشيرةً إلى أن هناك تعاونا بناء بينهم وبين وزارة الصحة ووزارة التنمية الاجتماعية بشكل مستمر، لكنها أكدت أن العبء كبير ولا يمكن لأي طرف تحمله وحده، وأن تكاتف الجميع هو السبيل لاستدامة هذه الخدمات.
وأكدت منى العوفية على أن دار الحنان أصبح بيتًا ثانيًا لكل طفل وأسرة، موضحة أنها توفر بيئة آمنة وداعمة تعزز فرص العلاج وتمنح الأسر شعور بالاستقرار، وأن الراحة النفسية تعد جزءا أساسيا من العلاج. وأشارت إلى أن روح التضامن والمحبة من المجتمع تمنح الدار دافعا للاستمرار وتوسيع الخدمات.
تقليل التكاليف
وأكد سلطان بن سالم الماردي من ولاية جعلان بني بوعلي، وولي أمر أحد الأطفال المصابين بالسرطان، أن دار الحنان شكلت ملاذًا رحيمًا للأسر، بعد أن كانت تعاني سابقا من أعباء السفر وتكاليف العلاج في الخارج.
وأكد الماردي أن الدار وفرت السكن والغذاء حتى غسيل الملابس، مما خفف الكثير من الأعباء المالية التي كانت تعرقل استمرارية متابعة علاج أبنائهم، وأحيانا تؤدي إلى تأجيل المواعيد بسبب ارتفاع التكاليف وصعوبة إيجاد أماكن إقامة وغيرها من التكاليف.
وأشار إلى أن أجواء الدار تضاهي المستشفيات من حيث النظافة والتنظيم، فضلًا عن استمرار الفعاليات والبرامج التي لا تتوقف، الأمر الذي يبعث على الأمل ويمنح الأسر دعمًا نفسيًا ومعنويًا.
وأضاف: إن الطاقم الإداري في الدار يتعاملوا مشكورين بمهنية عالية وبروح إنسانية راقية، مقدمًا الشكر لكل من أسهم في جعل الدار فضاءً حاضناً للأطفال وذويهم من مختلف ولايات سلطنة عمان، من مسندم حتى صلالة، مؤكداً أن ما تقدمه الدار يمثل سندا حقيقيا للأسر التي تواجه معاناة قاسية مع مرض أبنائها.